"توجهت منذ يومين إلى المديرية العامة للأمن العام بغرض تجديد جواز السفر. وحين عدت لاستلام الجواز الجديد أُبلغت بتعليق التجديد، وذلك بموجب صدور مذكرة إخضاع بحقي. ليس ثمة شك في أن صدور مذكرة إخضاع بحقي هي مسألة متّصلة بنطاق عملي كمديرة للجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية، "أشكال ألوان"، وهو بالتالي شأن غاية في الخطورة، وذلك لما يمثّله من مساس بنطاق عمل جمعيات أهلية أخرى من جهة، وبعملي شخصياً في المجال العام من جهة أخرى. إن عرقلة إجراءات استصدار جوازات السفر بموجب مذكرات الإخضاع يمثّل تقييداً مجحفاً لحقي بالتنقل والسفر، كونها عقوبة إدارية نافذة تصدر عن جهاز أمني، لا عن جهة قضائية". هذا ما أوردته اليوم كريستين طعمه على صفحة "اشكال ألوان" على موقع فايسبوك. الخبر شكلّ صدمة للمعنيين، خاصة أنه يعيد إلى الأذهان الممارسات الخطيرة للأمن العام للحدّ من حرية التنقل لأي شخص تعتبر المديرية بأنه قام بعمل يستفزّها. وعلاوة على ذلك، فهو يعتبر انتهاكاً فاضحاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 24 تموز 2014 والذي نص على إبطال مذكرات الاخضاع الصادرة عن الأجهزة الأمنية. وللتذكير فإن الوزراء وصفوا هذا الإلغاء بـ "الإنجاز الأمني والقضائي لاسيما أنه يهدف الى تخفيف الاحتقان في البلد، في طرابلس والبقاع خصوصاً".وكانت "المفكرة القانونية" قد حذرت حينها من أن الإجراءات المتخذة لوضع حد لهذه المخالفة القانونية كان يُفترض أن تحصل في موازاة إعلان مبادئ وحقوق أساسية من شأنها تحصين حقوق المواطنين مستقبلاً في مواجهة أي تعسف مماثل. كما أرفقته بتحذير مماثل في آب 2014 غداة صدور تعميم عن مدعي عام التمييز القاضي سمير حمود يؤكد بطلان وإلغاء مذكرات الاخضاع. وقد شددت المفكرة على أن غاية الغاء مذكرات الإخضاع غير واضحة. وتساءلت إن كانت مذكرات الإخضاع قد ألغيت فعلاً؟ أم إذا كان المقصود هو إيجاد مخرج لقوننتها؟

وها هي قضية طعمه تأتي لتثبت صوابية الأسئلة المطروحة لاسيما أنها تعيد إلى الأذهان الممارسات التعسفية السابقة للأمن العام اللبناني التي تهدف إلى فرض قانون الصمت.

وكان الأمن العام قد أخضع أشخاصا من قطاعات مهنية عدة لرقابته، ومنهم محامين وفنانين وصحافيين. وفي هذا الإطار، امتنعت المديرية العامة للأمن العام عام 2014 عن تجديد جوازات سفر كل من المحامي نزار صاغية والمخرج لوسيان بورجيلي والصحافية بيسان الشيخ. في الحالة الأولى، فوجئ صاغية برفض الامن العام تجديد جواز سفره في شباط 2014 دون إعطاء أي تعليل. لجأ صاغية الى القضاء فسلمته المديرية جواز سفره دون تقديم جواب خطي تشرح فيه أسباب امتناعها عن التجديد. الأمر نفسه حصل مع الشيخ التي تلقت اتصالا من مكتب Liban Postيطلب منها الحضور لاستلام ثمن تجديد الجواز بعدما رفضت المديرية تجديده. ظلّ الجواز قيد الحجز حوالي 25 يوماً "بسبب مقالات سابقة للكاتبة" ولم يعده الأمن العام إلا بعدما علم أن الصحيفة التي تتعاون معها الشيخ تنوي نشر الخبر على صفحتها الأولى. وفي أيار 2014، علم بو رجيلي أن الامن العام رفض تجديد جواز سفره بسبب مسرحية تناول فيها الرقابة على الأعمال الفنية من قبل الأمن العام والتي كانت المديرية قد منعت عرضها. أثار بو رجيلي المسألة على صفحته على الفايسبوك ولقي تضامناً كبيراً من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام. وقد دفع ذلك مستشار وزير الداخلية خليل جبارة الى التدخل لحلّ القضية.

ويجدر التذكير بأنّ "مذكرات الاخضاع" عقوبة إدارية استنسابية تصدرها مديرية الأمن العام من دون أي سند قانوني، بحق أي شخصتعتبره المديرية مسؤولاً عن عمل أو تصريح يشكّل "استفزاز لها".

وتشكّل "مذكرات الاخضاع" مسّاً بمبدأ المساواة بين المواطنين المكرّس في الدستور، كما بحرية أساسية، هي حرية التنقل، التي تشمل الحق بالتنقل بحرية داخل البلاد والحق بالخروج منها أيضاً. وتتمتّع هذه الحرية الأساسية كذلك بقوة دستورية إذ كرّستها مواثيق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية التي صادق عليها لبنان، وأحالت اليها مقدّمة الدستور، في مقدمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 12 منه. والجدير بالذكر أنه كان قد صدر بتاريخ في 23 حزيران 2014 حكم عن قاضي الأمور المستعجلة جاد معلوف في قضية احتجاز جواز سفر عاملة، ألزم بموجبه صاحبة العمل بإعادته لها، واعتبر فيه أن أي تقييد لحرية التنقل، "لا يمكن أن يتم إلا استثنائياً وبموجب نصّ قانوني، ومن قبل جهة رسميّة، تحت رقابة المحاكم".