"اليوم الظرف خاص"، بهذه العبارة يبرر أحد عناصر الجيش عند مدخل المحكمة العسكرية للصحافيين والمحامين والأهالي التفتيش الثاني الذي سيخضعون له. "بتعرفو شو في؟"، في إشارة منه إلى أن الجلسة في محكمة التمييز اليوم مخصّصة بشكل أساسي لاستجواب الوزير السابق ميشال سماحة. في الباحة الخارجية التي كان ينتظر فيها الحاضرون قبل بدء الجلسة. ثلاثة شبان يتنقلون بين الغرف، برفقة عسكريين.  يبدو أنهم متهمون أمام المحكمة، كما هي حال سماحة. وجودهم ليس مستغرباً، لا سيما أن الصحف كانت قد تناقلت ان جلسة اليوم، لن تكون خاصة بسماحة فقط، فـ"على جدول المحكمة جلسات أخرى..."[1].

كأن الوزير ليس متهماً

الجميع هنا، باستثناء سماحة، ينتظر في الباحة الخارجية ريثما يسمح لهم الدخول الى قاعة المحكمة. والأخير لم يظهر ولم يمر بين الحاضرين حتى. على الأرجح أنه دخل من الباب الخلفي. وهو بذلك إستثني حتى مما خضع له محاموه. وهو أيضاً تميز بذلك عن سائر المتهمين. فالصف الأول من مقاعد المحكمة، محجوز لسماحة وفريق الدفاع عنه، أما سائر المتهمين فقد تعين عليهم الجلوس. في المقعد الأخير من قاعة المحكمة، وأمامهم المحامون وكلاؤهم. وعليه، يحرص العسكري الذي يدعو الموجودين للدخول إلى القاعة ألا يجلس أحد في الصف الأول. "إجلسوا هنا، الصحافة هناك، تركولنا الصف الأول لو سمحتو". فالصف الأول ليس لكل المتهمين، ولا هو لكل المحامين، فهل يستوي "سماحة - الوزير السابق" مع باقي المتهمين؟

دخول سماحة الى قاعة المحكمة كان سوريالياً. فكان دخوله خاصاً جداً، أو ربما يوصف بالمهيب، إلى درجة حصول التباس حول الشخصية التي دخلت، فوقف الحضور "للمتهم"، تماماً كما يفعلون عند دخول هيئة المحكمة. لا بل تماماً كما فعلوا عند دخول الهيئة من الباب الخاص بها، بعد دقائق قليلة على دخول سماحة الى القاعة. يتقدم الجنود الذين دخلوا مع سماحة الى الأمام، ليؤدّوا تحية السلاح على الضباط الأربعة المستشارين في المحكمة، وهم يشكلون مع الرئيس طوني لطوف هيئة محكمة التمييز العسكرية. بعد السلاح، وبعد المناداة على المتهمين المصطفين في الخلف والتأكد من حضورهم، تبدأ جلسة إستجواب سماحة الثانية.
 
سماحة الذي لا يعرف شيئاً

الإنطباع العام بالنسبة لمجريات الإستجواب، يتعلق بالدور الذي أخذه سماحة لنفسه، دور "صاحب الثقة العمياء المغرر به"، حتى أنه وصل في بعض الإجابات حدّ محاولة تصوير ذاته ساذجاً وقع في فخّ هذه القضية. بالمقابل، لعب القاضي الدور المتوقع منه كقاض، بأن يسأل عن الأمور بتفاصيلها، وأن يتوقف عند كل إجابة ويستوضح الغموض الذي يشوبها... أما الضباط الأربعة أعضاء المحكمة، فلم يحركوا ساكناً، على الرغم من الطبيعة العسكرية البحتة لبعض الأسئلة.

"حضرة الرئيس في الحياة في ساعات تخلي"، هذه الحجة التي إستخدمها سماحة ليرد على إستغراب لطوف البديهي، لعدم إستغراب "رجل سياسي لكل إلحاح ميلاد كفوري وعدم طلبه لأي مال". وجاء كلام القاضي هنا، بعد سلسلة من الأسئلة عن سبب استمرار رجل سياسي بإستقبال شخص، أي الكفوري، يعرف أنه سبق أن عمل مع مخابرات الجيش وأنّه كان في مرحلة سابقة قد عمل في مخابرات الجيش اللبناني، وهو يتخفى بإسم غير اسمه الحقيقي عند زيارة سماحة، ويرغب بتنفيذ عمل عسكري، أو "أمني" كما يفضل أن يسميه سماحة عند الحدود الشمالية من دون أن يطلب أي مبلغ مالي. كيف لكل هذه العناصر ألا تدفع سماحة للشك؟

من سلسلة الأفعال المستغربة لدى القاضي أنه "لم يرد بذهن سماحة أن يصل الكفوري بشخص آخر ليتم العملية". كما لم يخطر ببال سماحة أن "معابر التهريب يمرّ عليها ناس سيموتون وأنها تقع في قرى مأهولة تقسمها الحدود اللبنانية السورية نصفين". يجيب سماحة لهذه الناحية "أنه الآن يعرف هذه المعلومة من القاضي".  لهذه الناحية، سجّل للقاضي موقف من كلام سماحة: " سمحلي قول ان الولد الصغير يعرف أنه يتم عبر هذه المعابر تهريب مازوت وطحين".

إستمر سماحة بالصيغة نفسها من الإجابات، فحتى بعد أن طلب الكفوري مبلغ قدره 200 ألف دولار. وفقاً للطوف، "لم تعد قصة حب للبنان، أصبحت المسألة مادية، ألم تستغرب؟" في البداية كان قد أجاب سماحة انه إستغرب لكنه أكمل، مع تكرار السؤال، أجاب أنه "لم يتفاجأ ولم يدفعه الأمر الى إعادة التفكير بالموضوع". والإجابة الثانية هي التي دونت في محضر الجلسة. كما أن حديث الكفوري في مرحلة لاحقة عن تفجيرات داخل لبنان لم تدفع سماحة للقلق ذلك أنه قدر "ألا مقدرة لدى مجموعة الكفوري للقيام بتفجيرات في الداخل". ويبرر الأمر بمعرفته الضئيلة بالشؤون الأمنية. فلم يقدر أن التقنيين القادرين على تلغيم مناطق ذات طابع عسكري لن يصعب عليهم إفطار. الطرح الأخير كان للقاضي، الذي اعتبر أنه من البديهي أن يعرف الشخص أن الإفطارات أسهل من مناطق تجمع المسلحين.

وقد رفعت الجلسة اخيراً، على وقع السؤال والإجابة الأخيرين الذين أثارا حفيظة محامي سماحة أ. صخر الهاشم. فسماحة وفقاً لما أدلى به "لم يخطر ببالي أن السوريين سيضعون المتفجرات في سيارتي لنقلها الى لبنان، تفاجأت عندما عرفت ولكن مشي الحال ونقلتهم وكنت مطمئناً لعدم تفتيشي على الحدود".

الجلسة المقبلة لاستكمال استجواب سماحة حددت في 4 شباط القادم. أما مصير الدعوى فلا يبدو واضحاً حتى اللحظة لا سيما أن ما ورد في إستجواب سماحة لا يبدو سوى تكرار للإستجواب الذي سبق أن تم سابقاً، وقد أجاب سماحة إجابات متطابقة مع تلك التي كان أدلى بها سابقاً.
 
 الصورة منقولة عن موقع www.addustour.com

[1]- النهار، التمييز العسكرية تعقد غداً جلسة محاكمة جديدة لسماحة، 20 كانون الثاني 2016