مراسيم قبول الهبات 2012: هدايا العسكر في دولة المجاملة

من اللافت عدد المراسيم الصادرة في 2012 والآيلة الى قبول الهبات. فقد بلغ عددها (186) من اصل 1559 مرسوما نافذا أي ما نسبته 12% من عدد المراسيم. واللافت أكثر فأكثر هو عدد الهبات المقدمة للأجهزة الأمنية والعسكرية والتي بلغت (86) هبة أي ما يناهز 46% منها، توزعت بين الجيش اللبناني والمديريتين العامتين للأمن العام ولقوى الأمن الداخلي. بالاضافة الى ذلك، نالت دار الافتاء أكبر حصة من الهبات الممنوحة للهيئات المدنية (16 هبة مقابل 5 فقط لوزارة الشؤون الاجتماعية). بالمقابل، حظيت الجامعة اللبنانية بهبة واحدة. وبالطبع، لا يسع الحكومة التذرع بإرادة الواهب للتبرؤ من مسؤوليتها بهذا الخصوص، طالما أن توجه الواهب لا يلزمها؛ فتبقى قادرة بل مدعوة الى رفضه اذا رشح عن تناقض في المصالح أو الى تغليب مصالح ثانوية على مصالح يجدر بها أن تعدها أساسية. ومجرد النظر الى جدول توزيع هذه الهبات يظهر التمايز الواضح في وجهتها ومعها مواقع الاهتمام العام والقوة، وهو تمايز يضيء طبعا ليس فقط على توجهات الحكومة بل قبل كل شيء على الأوجه العامة للنظام السياسي والاجتماعي ككل، ويظهر بالنتيجة غلبة الاعتبارات الأمنية والعسكرية والطائفية على اعتبارات التضامن أو التنظيم الاجتماعيين أو الخدمات العامة.
جدول رقم 8
تقييم نوعي/كمي خاص بالمراسيم المتعلقة بالهبات
الهبات العسكرية الهبات المدنية
86 100
الجهة الموهوب لها عدد الهبات الجهة الموهوب لها عدد الهبات
الأمن الداخلي 20 وزارة الشؤون الاجتماعية 5
وزارة الدفاع الوطني 1
دار الفتوى 16
تمويل مشاريع وبرامج 13
وزارة الطاقة والمياه 1
المديرية العامة للدفاع المدني 5
وزارة العدل 1
الجيش
 
49 وزارة الزراعة 11
وزارة الصحة العامة 10
وزارة الثقافة 4
الجامعة اللبنانية 1
وزارة البيئة 4
وزارة التربية والتعليم العالي 9
الحكومة 1
الأمن العام 16 وزارة السياحة 2
مجلس الإنماء والإعمار 5
وزارة الاقتصاد-حماية المستهلك 1
الهيئة العليا للإغاثة 2
المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء 2
إدارة الإحصاء 2
وزارة الخارجية والمغتربين 5
 
 
واللافت أكثر حسبما يظهر من الجدول أدناه أن الجهة الواهبة تمثلت في حوالى 50% من الحالات في شركات تجارية خاصة أو أشخاص طبيعيين (الجدول رقم 9)، مما يطرح أسئلة جدية حول الثمن التجاري أو السياسي أو ربما الأمني لهذه الهبات. فألا يمهد ذلك الى رفع الكلفة بين الجهات الواهبة (وهي جهات تبتغي الربح) والأجهزة الأمنية ومعها الى فتح أبواب الامتيازات والفساد؟ وبكلام آخر، ما هي الضمانات المعطاة كيلا يعرض الموهوب له خدماته أو كيلا يستغل الواهب مكانته لدى هذا الأخير للمطالبة بمنافع مخالفة للقانون أو للحصول عليها فعليا؟ وما يزيد الأمر مدعاة للقلق هو أن هذه الهبات تحديدا بدت ذات طابع ترفيهي كأن تؤول الى وهب سيارات سياحية وعددها 14 أو خدماتي كأن تؤول الى تجهيز مكاتب (يراجع الجدول رقم 10).
الجدول رقم 9
الجهة الواهبة شركة لبنانية
أو شخص طبيعي
جمعية أو هيئة لبنانية شخص عام أجنبي شركة أجنبية
 
الجهة الموهوب لها
الأمن العام 9   6 1
الجيش 30 3 15 1
قوى الأمن الداخلي 4 1 12 3
المجموع 43 4 33 5
 
  
الجدول رقم 10
  أعتدة آليات سيارات سياحية أدوية تجهيزات مكاتب
الجيش 13 6 14 5 11
قوى الأمن الداخلي 4 2 2 - 12
الأمن العام 1 1 4 - 10
المجموع 18 9 20 5 33
 
 
كما تجدر الاشارة إلى أن قلة من هذه الهبات المقدمة من جمعيات أو هيئات دولية للأجهزة الأمنية هدفت الى تأمين خدمات لفئات تخضع لسلطتها. ومن هذه الهبات مثلا، تأهيل عيادة طب أسنان في سجن طرابلس من قبل مركز "ريستارت" لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، وآليات لنقل السجناء من قبل وزارة الخارجية الأميركية وتجهيز فرن خبز عربي في سجن رومية.
وما يزيد الأمر غرابة هو كيفية التعامل مع الهبات عموما (بما فيها الهبات المدنية) على نحو يترك مجالا واسعا للاستنساب وللهدر. فقلما تسجل هذه الهبات في قسم بنود الواردات وذلك خلافا لما تفرضه المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية. وهذا ما صرح به وزير المال محمد الصفدي ردا على سؤال عن كيفية تسجيل هذه الهبات: "كان يجري فتح حساب خاص لهذه الهبات في المصرف المركزي، وعندما أردنا إجراء جردة لها قيل لنا إنه من المتعذر إطلاعنا عليها، لانها تخضع للسرية المصرفية، وبالتالي لم نستطع حتى الآن أن نسجل هذه الأموال كقيود رسمية"[1]. وهذا أيضا ما أشار اليه مدير عام وزارة المال آلان بيفاني بقوله أن 8 بالمئة فقط من الهبات الواردة الى الدولة منذ عام 1997 مدرجة في خانة واردات الخزينة، والباقي مسجل في حسابات خاصة في المصرف المركزي، وربما في مصارف خاصة أيضاً. فالحكومات السابقة تعاطت مع المال العام المتأتي عن الهبات على أساس أنه مال خاص، متحرر من آليات الرقابة المالية، ما يشكل مخالفة مدوّية لقانون المحاسبة العمومية الذي ينص على وجوب تسجيل كل الهبات في كشوفات الواردات"[2].
وتجدر الاشارة الى أنه تم تضمين قانون الموازنة العامة في 1999 مادة تم العمل بها في كل الموازنات اللاحقة، وهي تنص على وجوب تطبيق "الأحكام النظامية المعتمدة لدى الجهة الواهبة لإنفاق الهبة". وقد استخدم هذا النص لمخالفة الأنظمة اللبنانية والتهرب من الجهات الرقابية[3].وبالنتيجة، تحولت الهبات إلى ورقة قوة في يد القيمين على الإدارات الموهوب لها، استطاعوا أن يوظفوها، بطرق مجهولة، وكما يشاؤون، وبما يمنع أجهزة الرقابة المعنية من تقفي أثر إنفاقها، أو حتى معرفة قيمتها الدقيقة.
ومن خلال ما تسنى لنا الاطلاع عليه من قرارات لجنة المال المكلفة بإعداد مشروع موازنة 2012, رشحت إرادة بفرض إدراج الهبات في الخزينة بهدف إعادة تفعيل الدور الرقابي عليها وذلك من خلال تضمينه بداية مادتين بهذا الخصوص، إلا أنه سرعان ما بدت هذه الارادة أقل وثوقا خلال مناقشات لجنة المال والموازنة في جلستها المنعقدة في 13-11-2012. 
م.ع 
نُشر في ملحق2012مع العدد السابع من مجلة المفكرة القانونية


[1]السفير 30-5-2012.
[2]السفير، 30-5-2012.
[3]السفير، 25-4-2012.