الوزير المستقيل أشرف ريفي شكّل من دون ريب أحد أبرز الأصوات المعارضة للمحكمة العسكرية والداعية إلى الحدّ من صلاحياتها. وقد رفع اعتراضه إلى درجة إعداد إقتراح مشروع قانون لنقل قضايا الإرهاب من المحكمة لمحاكم متخصصة بالإرهاب. وفيما أن الإقتراح المذكور نزع من المحكمة العسكرية صلاحيات عديدة في مجال جرائم الإرهاب، فإنه لم يتصدَّ لصلاحية المحكمة في الشؤون الأخرى التي تشكل الجزء الأكبر من عملها والأكثر ارتباطاً بعموم المتقاضين، وأهمها القضايا التي ينعقد فيها اختصاص المحكمة، على خلفيّة ملاحقة عسكريّ أو مدنيّ بجرم مرتكب ضدّ عسكريّ، في الغالب على خلفيّة علاقات اجتماعيّة ليس لها أيّ رابط بالعمل العسكري. إلا أنّ الغضب العارم الذي أعقب صدور الحكم المخفّف ضدّ الوزير السابق ميشال سماحة والقرار اللاحق بالإفراج عنه، دفع لجنة الإدارة والعدل لوضع اقتراحي القانون العالقين في الأدراج منذ سنوات على جدول أعمال اللجنة في جلسات انعقدت في الشهرين المنصرمين (كانون الثاني وشباط). وهذان الاقتراحان هما تحديداً الاقتراح الذي أنجزته لجنة تحديث القوانين في 2012 والاقتراح الذي قدّمه النائب إيلي كيروز في 22-4-2013.

وبمراجعة الإقتراحين، نلحظ أن اقتراح النائب إيلي كيروز وحده يؤدي إلى حصر صلاحية المحكمة العسكرية إزاء المدنيين بشكل ملحوظ. فالمادة الأولى منه تعدّل بوضوح الصلاحية النوعية للمحكمة العسكرية وتحصر اختصاصها ب"الجرائم العسكرية[1] (...) بما يتعلق بالعسكريين المحالين أمامها". والسبب الموجب لهذه المادة هو "أن محاكمة العسكري (في تنازع مع مدني) أمام قضاء عسكري مؤلف بغالبيته من قضاة عسكريين يشكل حصانة غير مبررة لهذا العسكري ويؤلف استثناء مناقضا للمبادئ الجزائية العامة ويحمل اعتداء على مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون وأمام العدالة".
 
وتنص المادة الخامسة على اختصاص المحاكم العادية بملاحقة الفاعل الأصلي أو الشريك أو المتدخل أو المحرّض أو المخبّئ إن كان مدنياً حتى لو كان هنالك عسكريّ محال بالجرم نفسه أمام القضاء العسكري. كما تؤكد الفقرة الأخيرة من المادة الخامسة على اختصاص المحاكم العادية في ملاحقة ومحاكمة المدنيين في الجرائم المنصوص عنها في القانون العسكري. والسبب الموجب لذلك هو أن ثمة ضرورة لتفادي إحالة أي مدني بأي صفة كانت، أمام القضاء العسكري، نظرا لعدم توفر ضمانات محاكمة عادلة وشروط ممارسة حق الدفاع وحقوق الإدعاء الشخصي لهذا المدني أمام القضاء العسكري.

وتنص المادة الثالثة على إحالة كل القضايا العالقة أمام المحكمة العسكرية والتي لم يصدر فيها حكم مبرم إلى القضاء العادي.
هذا الإقتراح يستحق المتابعة. ويؤمل أن لا تؤدي استقالة ريفي إلى تقويض المساعي في هذا الاتجاه. وتعود المفكرة لتكرر أن المسألة ليست مسألة سياسية تحتمل التجاذب، إنما قبل كل شيء مسألة حقوقية.
 
نشر في العدد 36 من مجلة المفكرة القانونية


[1]المنصوص عنها في الكتاب الثالث – الباب الثاني من قانون العقوبات العسكرية.