أولا: ملاحظات بشأن المنهجية المعتمدة:
هنا، ترى المفكرة القانونية ان الوزارة لم تول عند بدء العمل بمشروع القانون اهتماما كافيا للمنهجية الأكثر ملاءمة لبدء هذه الورشة. وفي هذا المجال، نسجل أربع ملاحظات أساسية:
الأولى، أن الأعضاء المعينين -وجلهم ذكور- حقوقيون، اعتلى غالبهم مناصب قضائية رفيعة (غالب غانم وفيليب خيرالله وقد كانا رئيسين لمجلس القضاء الأعلى) أو سياسية (بهيج طبارة الذي كان وزيرا للعدل) أو نقابية (رمزي جريج وقد كان نقيبا للمحامين في بيروت) في فترات سابقة، من دون أن يكون لأي منهم أعمال بحثية أو مواقف نقدية في هذا المجال. واختيار أعضاء مماثلين انما ينم بالواقع عن خيار مفاده الاكتفاء بتحسينات "محافظة" محدودة، وفق ما دلت عليه بوضوح تصريحات الوزير بوجوب "عدم تكبير الحجر" وكأنه يعلن مسبقا رفضه لأي تعديل كبير للمنظومة الحالية. وبالاضافة الى ذلك، ومع تفادي الانزلاق في شخصنة هذه الملاحظات، يسجل أن بعض أسماء هذه اللجنة تشكل بحد ذاتها برامج، بل ربما نماذج عن توغل السياسة في القضاء. ولكن، ومع أهمية هذه الملاحظات، فان المأخذ الأكبر يبقى، ليس في اختيار هؤلاء، انما في اقصاء فئات على نحو يقوي النظرة النمطية للقاضي وللقضاء ولدوره الاجتماعي فيما كان بامكان اشراكها أن يصوب وجهة الاصلاح أو أن يعزز مشروعيته.
فماذا يعني مثلا أن لا تضم اللجنة أيا من القضاة العاملين؟ بل ما معنى أن يستهل وزير العدل الاعلان عن مشروعه بالتأكيد بأن "القضاء صامت" مما يحمله واجب النطق باسمه؟ بل ما معنى التعبير عن هذا الأمر مرارا وتكرارا، وعلى نحو يخالف ليس فقط مجمل التحولات الحاصلة في هذا المجال وخصوصا في الدول العربية (وهو أمر جهدت المفكرة لابرازه في عددها الآخر الصادر في 30 نيسان 2012 وحمل عنوان: وولى زمن القضاء الصامت، المغرب، ليبيا، مصر، تونس ولبنان)، بل أيضا ذاكرة القضاء اللبناني نفسه؟ وحسبنا التذكير هنا بالمذكرة التي رفعتها حلقة الدراسات القضائية المكونة من مجموعة من كبار القضاة في 30 حزيران (يونيو) 1971 لرئيس الجمهورية والتي ضمت مجموعة من المقترحات الاصلاحية في مجال القضاء؛ وكان المحامي فؤاد رزق (مدير تحرير مجلة المحامي) قد نشرها تبعا لمقدمة منه بعنوان "الحقيقة" (أي حقيقة مساوئ العمل القضائي وعيوبه) وصفها فيها بالحدث الهام في تاريخ القضاء، بثورة على الانظمة البالية وبانتفاضة كرامة، أهم ما فيها هو "صدورها عن قضاة يعلنون بصراحة مساوئ انظمة لا تمكنهم من اداء رسالتهم ويتحملون هم وزر ما خلقته أو خلقه سوء تطبيقها"[1]. فما عدا ما بدا؟ وأي فائدة من اعلان التمسك بتقليد تكثر الشواهد على انحساره؟ ومن جانب آخر، أي تأثير للاصلاح المطروح أو بشكل أعم أي اصلاح على استقلالية القاضي اذا تفرد وزير العدل والطبقة السياسية معه في تحديد عناوينه، مع حصر دور القاضي في تلقيه من دون أي دور فاعل فيه؟
وبالاضافة الى ذلك، يجدر انتقاد اقصاء الهيئات المدنية والأشخاص غير الحقوقيين، مما يعكس فهما لاصلاح القضاء مفاده أنه تقني ومهني محض، فيما ان هذا الاصلاح يستدعي بالواقع تفكيرا جديا بشأن دور القضاء ومكانته في المجتمع، وهو تفكير يعني جميع المواطنين. وما يزيد هذا الامر قابلية للنقد هو أن الوزير خص في دعوته لابداء الملاحظات على المشروع نقابتي المحامين ومجلس القضاء الاعلى والقضاة والمحامين فيما خلت الدعوة من اي ذكر لمن هم خارج هذه المهن.  
أما الملاحظة الثانية على منهجية الاصلاح، فمفادها أن أعضاء اللجنة وضعوا مشروعهم بناء على بعض الارشادات التي نص عليها قرار تعيينهم، بمعزل عن أي تفكير مجتمعي مسبق بشأن أولويات الاصلاح. لا بل أن المشروع الذي نشرته الوزارة ودعت الى ابداء الملاحظات عليه قد خلا تماما من أسبابه الموجبة مما يعكس حجم المشكلة. فما هو العنوان المركزي في الاصلاح القضائي؟ هل هو تعزيز ضمانات المواطن بالتمتع بقضاء مستقل ومعه ضمانات القضاة ازاء أي تدخل في أعمالهم أم أنه مكافحة الفساد القضائي أو تحسين اداء القضاء أو كل ذلك وضمن أي اولويات؟ كل ذلك بدا وكأن على القارئ أن يستنتجها أو أن يقرأها بين السطور.  
الثالثة، أن اللجنة لم تحدد مراجعها أو أسنادها القانونية أو الاجتماعية او الفكرية. والسؤال الأساسي الذي يطرح في هذا المجال: ما هي الأسباب التي تحول دون الاستناد الى المبادئ الدولية في هذا المجال وبوجه خاص لمبادئ استقلالية القضاء الصادرة عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة؟ بل، كيف توفق الوزراة رغبتها الدائمة في اقلمة القوانين مع المبادئ والمعاهدات الدولية، فيما أنها تبقى صماء مع المراجع الدولية في مجال القضاء وكأنما هذا المجال يبقى حكرا للخصوصية اللبنانية؟ وأي خصوصية؟ وفي الاتجاه نفسه، يسجل أن اللجنة لم تعر أي اهتمام للورش المفتوحة في دول عربية عدة، تبعا للحراك العام (الثورات) الحاصل فيها، عن جهل أو عن قصد، مما أضاع فرصة الاستفادة من الجهود المبذولة في المنطقة في هذا المجال وأهم من ذلك، من التأسيس لاعطاء نفحة حقوقية للتعاون العربي، بما يعكس آمال الشعوب بربيع حقيقي طال انتظاره.
الرابعة، أن الحوار لم يعط أي أبعاد مجتمعية. فاللجنة عملت على صياغة المشروع في الكواليس: فلا تم الاعلان عن انشائها ولا عن ارشادات الوزير الموجهة لعملها، ولا هي استمعت الى المعنيين بهذا الشأن.. كما أن وزير العدل نفسه بدا وكأنه يدعو الى توجيه الملاحظات اليه من دون الاعلان عن أي مؤتمر للتباحث بهذه الملاحظات. على اي حتى الاعلان عن المشروع لم يحظ بأي اهتمام اعلامي. جل ما في الأمر هو اعلان نقابتي المحامين رغبتهما في وضع ملاحظات لم يعلن عن اي منها حتى اللحظة. وما تصبو اليه المفكرة القانونية هو العكس تماما: أي الاستفادة من ارادة الوزير باصلاح القضاء لاطلاق   ورشة مجتمعية، تؤدي الى بث حيوية جديدة داخل القضاء وحوله ليعاد اليه ما يستحق من وزن سياسي ومكانة في الخطاب العام. وهي تأمل تاليا ان يصار الى تعويض هذا التقصير من خلال توسيع دائرة النقاشات العامة حول مشروع القانون ومنطلقاته، معلنة نيتها في الاسهام بذلك أو الى المبادرة الى اطلاقه في حال احجمت الوزارة عنه.
 
ثانيا: ملاحظات بشأن مضمون مشروع القانون:
هنا، بالامكان أن نصنف الاهتمامات الضمنية للمشروع والتي انعكست فيه بدرجات متفاوتة، تحت عناوين أربعة (الاستقلالية) و(جبه الفئوية الناقبية) و(المحاسبة) و(الكفاءة). وهذا ما سنعمد الى تقويمه أدناه.  

1-أي أحكام لتعزيز الاستقلالية؟
في هذا المجال، نسجل اولا تغييب اشكاليات أساسية في القضاء، كمسائل استقلالية النيابات العامة والتدخلات في أعمال القضاء، ومبدأ عدم النقل وحرية التعبير للقضاة (التي تبدو دوما محل رفض) وبشكل عام مجمل ضمانات القضاة وتحصينهم. ورغم أن غياب هذه الامور يجرد الاصلاح من الجزء الأكبر من مضامينه، فان المفكرة القانونية تعمد هنا الى مناقشة النقاط التي تضمنها المشروع والتي تؤدي بدورها الى نتائج محدودة.

زيادة عدد أعضاء مجلس القضاء الأعلى المنتخبين من بين القضاة؟  
هنا، يسجل بداية أن مشروع القانون عمد الى زيادة عدد أعضاء مجلس القضاء الأعلى المنتخبين من قبل القضاة أنفسهم ونسبتهم فيه. وهكذا، وبينما أن الأعضاء المنتخبين يبلغ حاليا ومنذ 2001 اثنين (ينتخبان من بين رؤساء غرف التمييز من قبل قضاة هذه المحكمة) من أصل 10، فان المشروع جعل هؤلاء 4 بعد اضافة عضو ينتخب من بين مستشاري محكمة التمييز من قبل أعضاء هذه المحكمة وآخر من بين رؤساء غرف الاستئناف من قبل أعضاء المحاكم الاستئنافية. وفيما أن هذه الزيادة تؤدي مبدئيا الى تعزيز مشاركة ممثلي القضاة في تنظيم شؤونهم بما ينسجم من حيث المبدأ مع توجهات اتفاق الطائف الذي يدعو الى انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى ومع المبادئ الدولية الخاصة بضمان استقلالية القضاء، فان التدقيق بكيفية تأليف المجلس تبعا لهذا المشروع، انما يظهر أن التأثيرات الناجمة عنه تبقى جد محدودة،   للأسباب الآتية:

- أن زيادة عدد المنتخبين على هذا الوجه ترافقت مع رفع عدد أعضاء المجلس من 10 الى 14، وتبقى تاليا نسبة الأعضاء المنتخبين أدنى من النسبة المطلوبة وفق مبادئ الاستقلالية والتي تقضي بأن يكون غالبية الأعضاء على الأقل منتخبين من بين القضاة،
- أن حق الترشيح لمنصبين (من 4) ينحصر في عدد محدود من القضاة ممن هم في اعلى الهرم القضائي (رؤساء غرف التمييز)، وتاليا ممن يحظون بدرجة او بأخرى برضى من قبل وزارة العدل والسلطات القضائية، مما يجعل حق الانتخاب هنا محصورا بمن كانت انتخبتهم السلطة من قبل فنقلتهم الى هذه المناصب الرفيعة، مما يشكل التفافا على مبدأ الانتخاب وافراغا له من الكثير من مضامينه. وقد أمكن ذلك من خلال اللجوء الى التقنيات القانونية معطوفة على ما لكبار القضاة (رؤساء غرف التمييز) من هالة مفترضة وفق التقاليد القضائية؛  
- أنه ليس للقضاة العاملين في النيابات العامة أو المحاكم الابتدائية حق الترشح أو الانتخاب، كما أنه ليس للمستشارين في محاكم الاستئناف حق الترشح، مما يضعف أيضا فأيضا تمثيلية اعضاء المجلس ككل.

ولقد كان من الأفضل لو تم زيادة نسبة المنتخبين ليصبحوا غالبية الأعضاء على الأقل، وتعميم حق الترشح والانتخاب في مختلف درجات المحاكم على نحو يؤدي الى تفعيله والى تعزيز تمثيلية القضاء في هذا المجال. وهذا ما سنعود اليه في الفقرة التالية بشأن مدى تكريس مبدأ المساواة بين القضاة.    
ولهذه الغاية، وتسهيلا للقارئ، ننشر هنا جدولا مقارنا بين التركيبة الحالية لمجلس القضاء الأعلى، والتركيبة المقترحة في مشروع القانون.
 
إضغط للإطلاع على جدول المقارنة بخصوص تكوين مجلس القضاء الأعلى

  
تكريس مبدأ المساواة بين القضاة؟
هنا نلحظ توجها واضحا الى تعزيز مكانة المستشارين. وقد تم ذلك من خلال تخصيص منصبين للمستشارين: احدهما مستشار في التمييز والآخر في الاستئناف. ومن الواضح لأي متابع أن هذا التوجه نشأ على خلفية أمرين: (1) شبهات الفساد التي طالت عددا من رؤساء غرف التمييز مما قوض الهالات التقليدية المشار اليها أعلاه و(2) اعتراضات مستشاري محكمة التمييز والتي عبروا عنها خلال انتخابات 2009 و2012 على حصر الترشح برؤساء الغرف، مما يعزز نظرة دونية اليهم. انما التدقيق في المشروع يظهر أنه هنا أيضا حقق نصف خطوة بحيث أبقى التمايز قائما لمصلحة رؤساء الغرف في محلات عدة، وأنه خفف ربما من حدة اللامساواة من دون أن يقر مبدأ المساواة الذي هو شرط أساسي لاستقلالية القاضي ازاء الهرمية داخل القضاء، وتحديدا ازاء رؤساء الغرف التي يديرون عمليا أعمالها.
فبشأن انتخابات محكمة التمييز، يصر المشروع على التمييز بين رؤساء الغرف الذين ينتخب منهم اثنان والمستشارين الذين ينتخب منهم واحد فيما ان عدد الرؤساء هو عشرة وعدد المستشارين يقارب الثلاثين. والسؤال، لماذا حفظ مقعدين لرؤساء الغرف على هذا الوجه؟ وأليس من الأجدى الغاء التمييز وفتح باب الترشح أمام الجميع من دون أي تمييز على أساس المنصب؟
كما تصبح الامور اكثر فداحة في محكمة الاستئناف: فالمشروع يرتكب مجددا الخطأ نفسه بحيث يحصر حق الترشح برؤساء غرف محاكم الاستئناف، فيما أن تمثيل مستشاري هذه المحكمة يتم من خلال عضو تعينه الحكومة. وهنا، أيضا السؤال: لماذا هذا الهوس في تمييز رؤساء الغرف عن المستشارين فيها؟ ولماذا لا يترك لقضاة محاكم الاستئناف، كما لقضاة محاكم التمييز، اختيار ممثليهم من بينهم بمعزل عن المناصب التي يتمتعون بها، فيولون ثقتهم لمن يريدون من بين هؤلاء؟ وألا يشكل هذا الامر اعادة تأكيد على اللامساواة بين القضاة، حتى ولو أعرب المشروع عن نية مخالفة؟

تحصين المناقلات القضائية ازاء التدخلات السياسية؟
فيما كان المشرع قد أتاح في 2001 لمجلس القضاء الأعلى وضع مشاريع التعيينات والمناقلات القضائية وحسم مضمونها بالتوافق مع وزير العدل أو رغم الاختلاف معه وذلك بأكثرية 7 من أعضائه، وفيما تم تظهير هذا التعديل على أنه خطوة هامة في اتجاه تعزيز استقلالية القضاء، فانه سرعان ما ثبت أن الصلاحية الممنوحة بموجبه هي شكلية محض. فلأي من الوزراء المعنيين أو رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية تعطيل هذه المشاريع من خلال الاحجام عن توقيع مراسيم اصدارها. وهكذا، وعلى خلفية الأزمات المتصلة بهذا التعطيل، تم تضمين مشروع القانون اقتراحا بانفاذ مشاريع المناقلات التي يضعها مجلس القضاء الأعلى خلافا لارادة وزير العدل، فورا من دون الحاجة الى مرسوم.
ومن البين أن المشروع انغمس في هذا الصدد في اشكالية ثانوية، متناسيا الاشكاليات الكبرى عن قصد أو غير قصد. بل لا نبالغ اذا قلنا أن الاصلاح في هذا المضمار، تماما كما في 2001 جاء بمثابة ذر رماد في العيون. فالاشكالية الكبرى لا تكمن في تحديد الهيئة التي تتولى اقرار مشروع المناقلات القضائية، انما أولا وقبل كل شيء في غياب كلي للمعايير والضمانات في هذا المجال، ومنها ضمانة عدم نقل القاضي الا برضاه وأيضا وجوب اجرائها وفق معايير الكفاءة ومن دون اعارة أي انتباه للانتماء الطائفي. وهذا ما عبرت عنه حلقة الدراسات القضائية في مذكرتها المشار اليها أعلاه والتي ذكرت فيها أن للقضاة طائفتين فقط: طائفة الصالحين وطائفة من ليسوا كذلك.
 
فماذا يفيد أن يعطى مجلس القضاء الأعلى حق التفرد في وضع مشروع المناقلات القضائية اذا كان غالبية أعضائه معينين مباشرة أو غير مباشرة من قبل السلطة التنفيذية؟ بل كيف يمكن في ظل تركيبة مماثلة أن نتخيل أن يوضع مشروع مشابه من دون موافقة القوى السياسية الأساسية؟
وأخيرا، لا نفهم لماذا ميز المشروع بين مشاريع المناقلات وفق ما اذا تفرد المجلس في حسمها فلا تحتاج الى مرسوم أو اذا وضعها بالتوافق مع وزير العدل فتحتاج الى مرسوم؟ وهل يصبح اصدار المناقلات أسهل في حال الاختلاف مع الوزير منه في حال الاتفاق معه؟ وأليس من الأجدى أن يتم الغاء الحاجة الى المرسوم في كل الحالات، طالما أن القدرة على تعطيل اصدار المرسوم لا تنحصر في وزير العدل انما هي تنسحب على مجمل موقعيه؟

2- المحاسبة والحيطة ازاء صرف النفوذ:
هنا، يبقى المشروع خاليا من أي مواد تتصل بهيئة التفتيش القضائي أو بمجالس التأديب، سواء لجهة تفعيلها أو كيفية مباشرة أعمالها أو لجهة ادخال بعض الشفافية الى أعمالها كاعلان الأحكام التأديبية النهائية أو على الأقل وضع تقرير سنوي عن أعمالها أو لجهة اخضاع قرارات مجلس التأديب لامكانية الطعن عن طريق تجاوز حدود السلطة أمام مجلس شورى الدولة. كما لم يتضمن المشروع أي حكم من شأنه تحفيز القضاة أو المتقاضين على فضح الفساد القضائي أو أي ترهيب للتدخل في شؤون القضاء رغم انتشاره الى درجة التعميم... بالمقابل، فقد تركز المشروع على عنوانين اصلاحيين، الأول ينتقص الى الحد الأدنى من المشروعية ومفاده الاصرار على تفعيل اعلان عدم الأهلية (وهو أمر غير دستوري اطلاقا) والثاني منع استغلال المنصب من خلال تكريس موجب نقل القضاة الذين يشغلون مناصب حساسة دوريا.  

الاصرار على تفعيل "اعلان عدم الأهلية"..
وبالفعل، تضمن المشروع تعديلات من شأنها ربما الاسهام في زيادة الحظوظ في تطبيق المادة 95 من قانون القضاء العدلي، وذلك من خلال توسيع حالات تطبيقها. فبامكان المجلس أن يتحرك بموجب المشروع، ليس فقط بناء على اقتراح هيئة التفتيش وحسب (الوضع الحالي) انما ايضا بناء على اقتراح 7 من أعضاء المجلس (أي نصف الأعضاء في حال تبني التعديل) فيعلن عدم أهلية أحد القضاة (عزله) بغالبية 11 عضوا من أصل 14 (كانت فيما سبق 8 من 10). وفيما بدا المشروع التعديلي وكأنه يفتح باب الطعن ضد قرار اعلان عدم الأهلية من خلال شطب الفقرة المتصلة بعدم قابليته لأي طريق من طرق الطعن، فانه أهمل بالمقابل المطالبات بضمان حق الدفاع في قضايا مماثلة. والواقع أن تركيز الوزارة على ابراز هذه المادة في الخطاب العام مع توسيع اطار تطبيقها، انما يظهر سعيا لديها الى تظهير الفساد على أنه فساد لبعض الأشخاص، بالامكان تطهير القضاء منهم بقرارات آنية فورية يتوافق عليها غالبية كبيرة من أعضاء المجلس فتحل المشكلة. والواقع أن هذه النظرة تقبل الانتقاد من جوانب عدة:
- أن الفساد الأكثر خطورة يبقى هو الفساد البنيوي أي الفساد المتغلغل في المنظومة القضائية السياسية أو بكلام آخر الفساد المحمي سياسيا، والذي  يصعب ايجاد مؤيدين لمحاربته من بين الأعضاء المعينين من قبل الحكومة مباشرة أو غير مباشرة (أي الأعضاء الحكميين) الذين يؤلفون الغالبية الساحقة (10). وخير دليل على ذلك هو انتشار شبهة الفساد بين القضاة الذين يشغلون أعلى المناصب الادارية ومنهم منصب عضو في مجلس القضاء الأعلى أو رئيس غرفة تمييز[2]. لذلك، ينتظر أن ينحصر تطبيق هذه المادة على فئة من غير المرضي عنهم لأسباب قد لا تتصل البتة بمفهوم عدم الأهلية،
- أنها تظهر مكافحة الفساد وكأنه عمل آني فيما أنه بالواقع عمل معقد يقتضي أن تتخذ مجموعة من الاجراءات على أكثر من صعيد، ولا سيما في مجال كيفية الاختيار بين المرشحين لمناصب قضائية،  
- أن طرح هذه الآلية كآلية اصلاحية يؤدي الى مباشرة الاصلاح القضائي بأدوات مخالفة لأساس وجوده وهو حق الدفاع عن النفس وبشكل أعم حق التمتع بمحكمة عادلة، 
- أن هذه الآلية غالبا ما تتحول الى فزاعة ضد القضاة، على نحو يهدد استقلاليتهم، مما يؤدي الى زعزعة القضاء بدل اصلاحه. 

مبدأ النقل من دون مبدأ عدم النقل؟
وفي مجال مكافحة الفساد القضائي واتقاء صرف النفوذ، نلقى أيضا سعي الوزارة الى منع استقرار القضاةالمعينينفيالدوائروالمحاكمالجزائية(النيابات العامة باستثناء النيابة العامة التمييزيةومفوضيةالحكومةلدىالمحكمةالعسكرية،قضاةالتحقيق،الهيئاتالاتهامية،محاكمالجنايات) فيمهامهم،لمدةطويلة (تزيدعنخمسسنواتمتوالية)على نحو قد يفتح الباب امام استغلال هذه المهام. ومن هذا المنطلق، نص المشروع على وجوب نقلهمفينهايتهاإلىمحاكماخرىلمدةاقلهااربعسنواتمتوالية، أي ما يعني منع عودتهم الى مناصبهم السابقة الا بعد انقضاء اربع سنوات من نقلهم منها.
وعدا أنه من غير المفهوم استثناء منصب المدعي العام التمييزي الذي هو أكثر المناصب حساسية، فانه يجدر التساؤل ازاء مدى ملاءمة اقرار مادة مماثلة. فهكذا مادة قد تجد مبرر وجودها في نظام لا يسمح بنقل القضاة الا برضاهم، بحيث تأتي لتضع حدا لتمسكهم بمناصبهم، منعا لاستغلالها. أما أن يتم اقرارها من دون المبدأ المذكور، فذلك يؤدي عمليا الى قلب المبادئ الاصلاحية بالكامل بحيث يتم اقرار مبدأ النقل بما يتقدمه على مبدأ عدم النقل ويناقضه تماما، وهو أمر يشكل مؤشرا آخر على كون الآليات المعتمدة لمكافحة الفساد مناقضة لمبادئ الاستقلالية.
 
3- الانفتاح والحؤول دون الفئوية النقابية
في هذا المجال، يتبنى المشروع فكرة تعيين أعضاء في المجلس من خارج الملاك القضائي، وذلك بداعي الانفتاح والحؤول دون الفئوية النقابية.
ومع الترحيب بهذه الفكرة، فاننا نسجل الملاحظات الآتية:
- أن الاقتراح كما جاء في المشروع يؤدي عمليا، في حال اقراره، وتحت تسميات مختلفة، أولا الى تعزيز دور وزير العدل في تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى، مما يجافي هنا أيضا مبدأ استقلالية القضاء. فالعضوان يعينان من قبله بناء على لائحتين: الأولى يضعها الأعضاء الحكميون (الدائمون) للمجلس وتضم أسماء أربعة قضاة كانوا يحتلون أحد أرفع المراكز القضائية (نيابة عامة تمييزية، او رئيس شرورى الدولة، او رئيس اول لمحكمة التمييز او رئيس غرفة في محكمة التمييز او رئيس هيئة تفتيش قضائي) والثانية يضعه نقيبا المحامين في بيروت وطرابلس وتضم أسماء أربعة نقباء محامين سابقين. ومن اللافت أن المشروع لا يحدد أي مهلة لنقيبي المحامين أو للأعضاء الدائمين لاعطاء لائحتهم، الأمر الذي قد يزيد من امكانيات تعطيل تكوين هذا المجلس.أ
- إن الطابع الغالب للعضوين المضافين بموجب هذا الاقتراح هو بفعل منصبيهما السابقين (قاض في منصب عال أو نقيب محامين)، طابع الشخص المحافظ والمنسجم مع النظام، مما يطرح أسئلة بليغة حول امكانية أن يؤدي تعيين أي منهما الى تجديد عمل المجلس أو فتح آفاق جديدة أمامه؛ وما يزيد من محدودية هذا الاقتراح هو حصر التعيينات من خارج ملاك القضاء من بين الحقوقيين دون سواهم.ولربما، قد يكون مفيدا اعادة صياغة المشروع في اتجاه ايجاد هيئتين للمجلس: هيئة تعنى بالمسار المهني للقضاة وبتأديبهم وهي تقتصر على القضاة مراعاة لحساسية المسائل التي تتناولها (الملفات الشخصية للقضاة)، وأخرى تعنى بوضع السياسات العامة بشأن القضاء وتضم أشخاصا من خارج الملاك القضائي يعينون وفق آليات تضمن استقلاليتهم الى أقصى قدر ممكن. 

4- الكفاءة:
هنا ربما، يصب شغف الوزارة على رفع الدرجات المطلوب توفرها لتولي مناصب قضائية معينة، مما يضمن للمواطنين تمتع هؤلاء القضاة بخبرة معينة. وثمة اشكاليات في هذا المجال، أهمها الآتية:
- أنه لا يعير عن أي اهتمام لتحديد المواصفات الواجب توفرها لدى المرشحين للقضاء أو لتحديد شروط المباريات،
- أنه لا يترافق مع أي اصلاح لمعهد الدروس القضائية،
- أنه لا يدخل مبدأ التأهيل المستمر للقضاة العاملين،
- أنه لا يترافق مع اي اصلاح للخارطة القضائية على نحو يضمن حسن توزيع القضاة والمحاكم،أ
- أنه يتم بشكل ارتجالي من دون التفكير بالتنظيم القضائي الحالي، ولا سيما بخصوص الصلاحيات الواسعة التي يتولاها القاضي المنفرد. فرفع درجته يعني اقرار هذه الصلاحيات الواسعة، فيما انه قد يكون من الأنسب ابقاء درجته على ما هي مع اعادة النظر بمدى اختصاصه في اتجاه نقل بعض من مهامه الى الغرف أو رؤساء الغرف ضمانا لمبدأ تعدد أعضاء الهيئة القضائية، وهي احدى الضمانات الأساسية لحيادية المحكمة.  

هذه هي أهم الملاحظات التي يهم المفكرة ابداءها في هذا الاطار، آملة بالمساهمة في اطلاق حوار جدي وبناء في هذا الخصوص.
المفكرة القانونية 

إضغط للإطلاع على جدول مقارنة مشروع قانون القضاء العدلي في لبنان 2012

 

[1] المحامي، 1971، ص 1وتوابعها. ولأجل مزيد من المعلومات عن حلقة الدراسات القضائية، يراجع: سامر غمرون ونزار صاغية، التجمعات القضائية في لبنان، في "حين تجمع القضاة"، تحرير نزار صاغية، منشورات صادر الحقوقية، 2009.  
[2] يراجع الأزمة الأخلاقية في أعلى الهرم القضائي، (ثلاث مقالات) منشورة على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.