الزواج المدني الأول في لبنان انعقد وفق القرار 60 ل/ر الذي وضع للبنانيين والسوريين، وهو ما يزال ساريا في كلا البلدين. وتاليا، من البديهي في الظروف الطبيعية أن نتساءل فيما اذا كان الخرق الحاصل في لبنان قابلا للاستنساخ في سورية. ولكن، هل يصح ذلك في ظروف الحرب هذه؟ في ظروف العنف هذه؟ هل يعقل الحديث عن حرية الزواج المدني في بلد بات يفتقد للحد الأدنى من الأمن بل من الغذاء في مناطق عدة فتهجر مئات الألوف من مواطنيه؟ وألا تبالغ المفكرة في طرح موضوع مماثل في زمن مماثل فتظهر وكأنها تعمل في عالم آخر، هي التي طالما ادعت رغبة في تعزيز الفهم العام لمجتمعاتنا؟ ربما، يكون كل ذلك صحيحا.. ولكن، بالمقابل، ألا يصبح استشراف المستقبل بل استحضاره في زمن هذا الدمار أمرا مشروعا، بل ضرورة لم تعد تحتمل الانتظار؟ (المحرر).

د. نائل جرجس

تنبع التشريعات الناظمة لمؤسسة الزواج في سوريا من قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 في أيلول/سبتمبر 1953 والذي لا يزال معمولا به على الرغم من مساوئه العديدة. يعتبر هذا القانون امتدادا للقانون الصادر عام 1917 من طرف المشرّع العثماني في الأراضي السورية واللبنانية. وعلى الرغم من أنّ الدولة التركية ألغت هذا القانون واستبدلته عام 1925 بالقانون المدني التركي المستمد بشكل رئيسي من القانون المدني السويسري، فإن سوريا لا تزال متمسكة به حتى يومنا هذا.
تتنوع مصادر قانون الأحوال الشخصية السوري لعام 1953 إلا أنه يمكن اسنادها بشكل أساسي إلى أحكام المذهب الحنفي المقننة في كتاب قدري باشا، وتٌشير المادة 305منه صراحة إلى أنّ "كل ما لم يرد عليه نص في هذا القانون يرجع فيه إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي". أمّا المادة 308 المعدلة حديثاً بموجب المرسوم التشريعي رقم 76 لعام 2010، فتنصّ على أنّه "يطبق بالنسبة إلى الطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية تتعلق في الخطبة وشروط الزواج وعقده، والمتابعة والنفقة الزوجية ونفقة الصغير وبطلان الزواج وحله وانفكاك رباطة وفي البائنة (الدوطة) والحضانة، والإرث والوصية". وبالنتيجة، يحتكم المسيحيون إلى شرائعهم الكنسية في مجال الأحوال الشخصية، بينما يطبّق المسلمون التشريعات المستقاة من الشريعة الإسلامية، أمّا أتباع الطائفة الدرزية فيحتكمون أيضا في سوريا إلى تشريعاتهم الدينية الخاصة بهم. بالإضافة إلى هذه التشريعات، تتنوع المحاكم الدينية بحسب تبعية المواطنين الدينية والطائفية، فتوجد المحاكم الروحية للمسيحيين والمذهبية للدروز والشرعية للمسلمين.
تتسم منظومة قوانين الأحوال الشخصية في سوريا بتكريسها للطائفية وزعزعة الاستقرار القانوني، فضلا عن انتهاكاتها المستمرة للحقوق الأساسية للإنسان وخاصة الحرية الدينية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وأمام القانون والقضاء. فيتم بداية تطبيق هذه التشريعات الدينية على غير المؤمنين بالديانات التوحيدية أوالعلمانيين وحتى البهائيين وشهود يهوى وغيرهم من المنتمين إلى أقليات دينية غير معترف بها رسميا. كما أنّ استصدار هذه التشريعات من طرف رجال دين فيه اعتداء على سلطة الدولة التي من المفترض أن تكون صاحبة الحق الأساسي والحصري بالتشريع.
تمنع سوريا إبرام بعض أنواع عقود الزواج المختلط، وخاصة زواج المسلمة بغير المسلم وكذلك زواج المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية. فتنصّ المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية السوري على أن زواج المسلمة بغير المسلم باطل ويعتبر الأطفال المولودون عن علاقة مماثلة غير شرعيين. أمّا غير الكتابية كالمرأة الدرزية فيُطلب منها وثيقة اشهار الاسلام لكي تستطيع عقد قرانها مع رجل مسلم. وتنصّ أيضاً أغلب قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالطوائف المسيحية في سوريا على تحريم الزواج بين أتباع الديانات أو حتى الطوائف المسيحية المختلفة، إلا أنه يتم غالبا استبعاد هذه القوانين في القضايا المشتركة بين المسلمين والمسيحيين لصالح تطبيق الشريعة الإسلامية التي تبيح زواج المسلم بالمسيحية. فالمحاكم الروحية غير مختصة في النظر في قضايا الأحوال الشخصية في حال كان أحد طرفي الدعوى مسلما وهو ما أكّده قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز رقم 266 في 17-8-1954.
ينضوي حظر الزواج المختلط، ذي الأهمية البالغة لتحقيق الغنى الثقافي للمجتمع والمساهمة في الحدّ من الطائفية، على العديد من الآثار السيئة على الصعيدين الاجتماعي والقانوني كإنجاب أطفال "غير شرعيين" خارج إطار العلاقة الزوجية وأيضا التحايل على القانون وذلك بإقدام الراغبين بالزواج على تغيير دينهم لغاية الزواج فقط، فضلا عن أنّ الكثير من جرائم الشرف تعقب حالات الزواج المختلط التي غالبا ما يرفضها المجتمع لأسباب عدة منها تكريس القوانين لهذا التحريم. ويترتب على تشريعات حظر الزواج المختلط انتهاك الحق في اختيار شريك الحياة وأيضا التمييز بين المرأة والرجل والمسلم وغير المسلم.
وعلى الرغم من ذلك، لا يقتصر الوضع في سوريا على رفض بعض أنواع الزواج المختلط المشار إليها أعلاه، بل يتعداه الى عدم الاعتراف بمثل هذه العقود المبرمة في الخارج، على عكس لبنان الذي يعترف بهكذا عقود مستندا إلى المادة 25 من القرار رقم 60 ل.ر الصادر في 13-3-1936 أي خلال فترة الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا. فيذكر بأنه نتيجة اعتراضات شيوخ المسلمين على القرار رقم 60 المذكور أعلاه وكذلك على القرار 146/1938 الصادر في تاريخ 18-11-1938 والذي قلًص في مادته 23 صلاحيات المحاكم الدينية، أصدر المفوض السامي القرار رقم 53 بتاريخ 30-3-1939 قضى باستثناء تطبيق القرارين المعترض عليهما على المسلمين بينما لا تزال الطوائف المسيحية ملتزمة بهما. وعلى الرغم من ذلك، فإن المحاكم اللبنانية لا تمنع المسلمين من تسجيل عقود الزواج المدنية المبرمة في الخارج في لبنان مبررة ذلك، بحسب وديع رحال في كتابه عن "أحكام الزواج الديني والمدني"، بأن الزواج المدني للمسلم اللبناني كان يحصل قبل صدور هذين القرارين ومنذ إنشاء سجلات وقوعات الزواج وأثناء إحصاء عام 1932 وما بعده. وعلى خلاف ذلك وعلى الرغم من تشابه الوضعين في سوريا ولبنان، فإن المحاكم السورية تخضع عقود زواج السوريين المدنية المبرمة في الخارج للقيود والعوائق القانونية المفروضة في سورية وخاصة في حال اختلاف الدين كأن تكون المرأة السورية مسلمة والزوج الأجنبي غير مسلم فيتعارض ذلك مع المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية المشار إليها أعلاه. كما وأنه وعلى عكس الوضع في لبنان، لا يتم العمل أبداً بقانون الدولة التي تمّ فيها إبرام عقد الزواج المدني فيها، بل يطبق، في حال النجاح في تسجيل هذا العقد، القانون السوري وهو القانون المدني اذا كان أحد الزوجين أجنبيا والآخر سوريا[1].
ويبرز الانتهاك لمبدأ المساواة بين المواطنين في إطار الرابطة الزوجية بين المسلم وغير المسلمة وخاصة النزاعات القضائية المتعلقة بحضانة الأطفال وديانتهم. فعلى الرغم من عدم صراحة قانون الأحوال الشخصية السوري في هذا الخصوص، فإنّ الاجتهادات القضائية، كقرار محكمة النقض السورية الصادر في 6-4-1981، تستند إلى المادة 381 من كتاب قدري باشا التي تجيز إسقاط الحضانة عن المرأة غير المسلمة إذا خشي على دين الطفل المسلم.
كما هو الحال في قضايا النزاع من أجل حضانة الأطفال، فإنّ تبعية الطفل إلى الدين الإسلامي غالبا ما تهيمن على قرارات المحاكم الشرعية التي تُشير صراحة إلى "وجوب تبعية الطفل لأشرف أو لأفضل الوالدين دينا" وهو ما قررته المحكمة الشرعية بدمشق، في إطار إحدى القضايا بين شخصين من ديانتين مختلفتين، عندما حكمت بـ"إلحاق الولد بدين أمه وهو الإسلام لأنه أشرف الأبوين دينا (....)"، كما اعتبرت المحكمة بأن الزواج باطل وطالبت بتفريق الزوجين واعتبار معاشرتهم غير شرعية (قرار رقم أساس 2205، رقم قرار 904 بتاريخ 10-10-2000). 
على غرار الوضع في كل من مصر والأردن، فإنّ اعتناق أحد الزوجين غير المسلمين للديانة الإسلامية في سوريا يوجب تبعية الأطفال إلى الدين الجديد. ومع ذلك تجدر الإشارة إلى إمكانية عودة الأطفال لديانتهم الأصلية حال بلوغهم سنّ الرشد في سوريا، على أن يتحقق القاضي من عدم إقرار المعني بالإسلام وممارسته لشعائره بعد بلوغه هذه السنّ.  
كما يتم انتهاك مبدأ عدم التمييز بين المواطنين في سوريا من خلال إتاحة اعتناق الاسلام وتسهيل إجراءاته في بعض الأحيان بينما لا يجوز للمسلم اعتناق المسيحية أو أي دين آخر أو حتى العدول عن دينه.فتترتب على قضية الردة في الإسلام، في سوريا، انتهاكات حقوقية مختلفة تتمثل في تجريد المرتد من الحقوق السياسية والمدنية وتفريق المرتد عن شريكه في الزواج وتسقط عنه حضانة الأطفال ويتم الحجر على أملاكه ويفقد شخصيته القانونية التي تمنحه القدرة على إبرام العقود المختلفة. وفي بعض الأحيان لا يتم اتخاذ مثل هذه الإجراءات بحق المسلم الذي يحاول تغيير دينه ولكن تستمر معاملته كمسلم ويتبع في أوراقه الثبوتية للاسلام، في انتهاك للحق بالحرية الدينية التي تشتمل بالضرورة على حرية الإيمان أو عدم الإيمان، حرية الانتماء أو عدم الانتماء إلى دين أو طائفة معينة وبالتأكيد حق تغيير الدين.
يتبين مما سبق بأنّ اعتناق الإسلام في سوريا يتيح تحقيق مكاسب قانونية أو تجنب التعرض لبعض أوجه التمييز كما أشرنا أعلاه بخصوص حضانة وديانة الأطفال وإمكانية الزواج بمرأة مسلمة وكذلك رفع النفقة وإبطال حكم المحاكم الروحية. بالإضافة إلى هذه الأسباب، يلجأ غير المسلمين في سوريا إلى اعتناق الإسلام لإمكانية الزواج بإمرأة ثانية طالما أن الاسلام يبيح تعدد الزوجات، وكذلك إمكانية الميراث حيث أنه "لا ميراث مع اختلاف الدين". كما يعتبر حظر الطلاق عند بعض الطوائف المسيحية وخاصة الكاثوليكية التي تقصره على حالات ضيقة للغاية، أحد أهم أسباب اعتناق الإسلام لغاية الحصول على قرار بالطلاق وبالتالي إمكانية الزواج مرة ثانية. فتمنع الطوائف الكاثوليكية في سوريا، كما في بقية بلدان المشرق العربي "الطلاق لغيرعلة الزنا"، وحتى في هذه الحالة تحكم غالباً "بالهجر المؤبد" وبالتالي لا يمكن للطرفين إبرام عقود زواج جديدة وهو ما يدفع بعضهم لاعتناق الاسلام. من الواضح بأنّ منظومة الأحوال الشخصية تشتمل على ثغرات قانونية كهذه طالما كانت دافعا للتحايل على القانون وزعزعة الاستقرار القانوني الذي يعتبر أحد أهم أركان السلم الاجتماعي.
أمام هذه التحديات في إطار الزواج الديني في سوريا، تعالت في السنوات الأخيرة الأصوات المطالبة بإاصلاح منظومة قوانين الأحوال الشخصية بما في ذلك إلغاء القيود المفروضة على الزواج المختلط والاجراءات المتخذة ضد المرتد عن الإسلام وحظر تعدد الزوجات وغيرها من التشريعات المكرسة للطائفية وللتمييز بين المواطنين على أساس الجنس أو الدين. وعبّر المطالبون عن ضرورة سنّ قانون للزواج المدني ينطبق على جميع المواطنين دون تمييز. إلا أنّ تجاوب السلطات المعنية تمثّل في استصدار مسودة لقانون جديد للأحوال الشخصية السوري بعيدة عن هكذا مطالب بل ومكرسة لانتهاكات مختلفة للحقوق والحريات الأساسية للمواطنين. فتشتمل هذه المسودة، الصادرة في الشهر السادس من عام 2009 عن لجنة حكومية منبثقة عن رئاسة مجلس الوزراء، على العديد من البنود المتعارضة مع أدنى مبادئ حقوق الانسان كما سبق وبيناه في دراسة قانونية بعنوان: مدى انطباق مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري مع منظومة حقوق الانسان[2].
لا يزال المرتد عن الإسلام في مسودة هذا القانون يعاني من هدر لحقوقه المدنية والسياسية حيث تحرم مادته 63 زواج المرتد أو المرتدة عن الإسلام ولو كان الطرف الآخر غیر مسلم. كما ترتّب المادة 230 آثارا سيئة على الرابطة الزوجية في حال إسلام أحد الزوجين كأن يفسخ زواج غير المسلمين في حال اسلام الزوجة وعدم قبول دخول الزوج في الاسلام أو حتى اسلام الزوج وعدم قبول اعتناقالزوجة غير الكتابية الإسلام أو دين سماوي خلال شهر واحد، كماتؤكده صراحة الفقرة الثانية من نفس المادة. أمّا المادتان 284 و294، فتعطيان الأولية في حضانة الطفل الى الطرف المسلم دون الاكتراث بمصلحة الطفل. وتقيّد المادة 284 حق المرأة المرتدة عن الاسلام في احتضان طفلها كما أن المادة 294 تنصّ على أن الحضانة تقتصر على الأم المسلمة فقط فيما إذا خشي على الطفل أن يألف غير دين الإسلام وعاداته، أو كانت الحاضنة تستغل ضعف الطفل لتنشئته على غير دين أبيه المسلم. وهذا الأمر يعزز المعمول به حاليا من ناحية إسقاط الحضانة عن الأم المسيحية فيما اذا كان زوجها مسلما أوحتى معتنقا للاسلام لغاية التطليق واسقاط الحضانة عن زوجته.
لقد أبقت مسودة القانون في مادتها 63 على الحظر الوارد في المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية الحالي التي تنصّ على بطلان زواج المسلمة بغير المسلم وكذلك على بطلان زواج المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية. لم تأبه مسودة القانون بموضوع التحايل والغش على القانون بل وتشجع عليه صراحة في المادة 232 التي تنصّ على أنه (في جمیع الأحوال التي یسلم فیھا أحد الزوجین أو كلاھما أمام المحكمة الشرعیة، لا یجوز البحث في صدقه في إسلامه ولا في الباعث على الإسلام). كما تعتبر مسودة القانون شهادة مسيحيَيْن معادلة لشهادة رجل مسلم واحد مما يشكل خرقاً واضحاً لمبدأ عدم التمييز بين المواطنين. يميّز مشروع القانون أيضا بين الرجل والمرأة فيجردها من أدنى حقوقها الأساسية وذلك بإعطاء الرجل صلاحية السيطرة التامة عليها وخاصة في ابرام عقد الزواج وفسخه. هذا وقد نصّت المادة 44 على السماح بزواج الطفلة في سن الثالثة عشرة من العمر في حال موافقة القاضي، وهذا ما هو معمول به أيضا في قانون الأحوال الشخصية الحالي رغم ما لذلك من آثار سيئة على صحة الطفلة النفسية والجسدية.
والغريب أنّ مسودة هذا القانون المذكور قد أعادت بعض المصطلحات القديمة كالذمي ودار الاسلام كما في المادة 38 التي تحدد شروطا "لجواز شھادة الذمي". كما أن مشروع القانون يحرم الكنيسة في مادته 627 من الاشراف على ابرام عقد الزواج بين المسيحيين وهذا ما يتشابه مع القانون المصري رقم 462 لعام 1955 الذي أٌلغيت بموجبه المحاكم الكنسية في مصر وأُعطي الاختصاص الى محاكم الدولة التي تطبق التشريعات المسيحية في حال اتحاد الخصمين المسيحيين بالطائفة والملة، أما في حال اختلافهما، كأن يكون أحدهما كاثوليكيا والآخر أرثوذكسيا، فيتم تطبيق أحكام الشريعة الاسلامية المتعلقة "بأهل الذمة". ولكن الفرق الواضح بين مشروع القانون السوري والتشريع المصري هو أن هذا الأخير يفضي في المادة 99 من المرسوم 1931/7 الى استبعاد أي قاعدة تشريعية اسلامية متعارضة مع جوهر العقيدة المسيحية، في حين نرى أن مشروع القانون السوري لا يتضمن بندا مماثلا حيث يشّرع تعدد الزوجات للرجل المسيحي وهذا ما يستنتج من نصّ المادتين 639 و 640، كما يلزم المرأة المسيحية بالعدّة في المادة 626. ومما لا شك فيه أن تعدد الزوجات يتعارض مع جوهر العقيدة المسيحية التي لم تعرف تشريعا كهذا. في الحقيقة، إن تقييد سلطة المحاكم الدينية بما فيها السلطة القانونية للكنائس وللمحاكم الشرعية ليس بالأمر السيئ شريطة أن يؤدي ذلك الى تطبيق قانون مدني على المسيحيين وليس الى تطبيق قانون مستلهم من الشريعة الاسلامية كما هي الحال في هذه المسودة. 
وأخطر ما في هذا القانون هو مضمون المادة 21 التي تنصّ على انشاء نيابة شرعية خاصة يحق لها التدخل في بعض أمور الأحوال الشخصية دون تقديم أي شكوى من أطراف العلاقة، الأمر الذي يعني إنشاء قانون الحسبة على غرار ما هو معمول به في مصر بموجب القانون رقم 3 لعام 1996، وهو ما يؤدي الى خرق الحريات الشخصية نتيجة تدخل هذه النيابة ببعض القضايا العائلية ذات الخصوصية الكبرى. وهذا الأمر مشجع عليه في مشروع القانون حيث أنّ هذه الدعاوى يمكن رفعها من قبل أي شخص من دون أن يكون له علاقة بالقضية، مع الاعفاء من جميع الرسوم والنفقات. 
لقد أدّت الانتقادات الواسعة التي شهدها الشارع السوري في الأشهر التالية لصدور مسودة هذا القانون وطرحها للتداول إلى تجميدها وإعادتها إلى اللجنة المنبثقة عن رئاسة مجلس الوزراء من أجل إعادة الصياغة. ومع ذلك أدّت الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية ومنها سوريا إلى عدم السير قدما باتجاه تعديل منظومة الأحوال الشخصية. إلاّ أنّ النقاشات لا تزال محتدمة فيما يخص هذه المنظومة في إطار شكل الدولة السورية الجديد، بين المحافظين من جهة المؤيديين للمسودة المذكورة وبين الليبراليين المطالبين باستصدار قانون مدني مستلهم من حاجات العصر وينطبق على الجميع بصرف النظر عن طوائفهم ومللهم. فيعتبر أنصار هذا التيار الأخير بأنّ القانون المدني هو حق لكل مواطن يؤمن برفعة الدين عن السياسة ويطالبون في هذا الإطار باستصدار قانون مدني مع المحافظة في الوقت الراهن على قوانين الأحوال الشخصية لكل طائفة، وبذلك يكون أمام أي شخصين راغبين بالزواج حرية الاختيار بين القانون المدني أو الديني أو حتى الاثنين معا. بالتأكيد ستشهد السنوات القليلة المقبلة تطوارت جذرية على الصعيدين السياسي والقانوني في المنطقة العربية بما فيها سوريا، الأمر الذي سيلقي بظلاله بشكل واضح على مؤسسة الزواج في منظومة الأحوال الشخصية.
 
*باحث قانوني وأستاذ القانون في جامعة باريس الجنوبية
نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية

[1] أنظر المادتين 14 و15 من القانون المدني السوري.