"المحاصصة" كلمة راجت مجددا في اليمن في أعقاب الثورة. فتبعا للمبادرة الخليجية، بدت القوى الحاكمة وكأنها تسعى الى الانتقال من تقاسم السلطة الى تقاسم الدولة في وظائفها ومرافقها ومواردها كافة. وبالطبع، "المحاصصة" لا تقتصر على اليمن، بل هي أكثر انتشارا ورسوخا في دول أخرى لها باع أطول في تقاسم السلطة وعلى رأسها لبنان، كما قد تكون حاليا في طور التحول الى قاعدة في دول عربية أخرى انتهجت تقاسم السلطة أو تتجه في هذا الاتجاه كما هي حال العراق أو ليبيا. وانتشار هذه القاعدة- الظاهرة يشكل مدعاة ملحة للتوقف عند الدعوى القضائية موضوع هذا المقال وهي الدعوى المعترضة الأولى ضد قاعدة المحاصصة في الوظيفة العمومية (المحرر)
من أولى نتائج المبادرة الخليجية تنشيط ذاكرة اليمنيين بشأن "المحاصصة" التي كانت ارتبطت بقوة بإعلان اليمن الواحد عام 1990. وكانت هذه المفردة قد اقترنت آنذاك بتقاسم الوظائف العامة ومرافق الجهاز الاداري للدولة الوليدة بين الشريكين الوحدويين (الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام)، وقد استمر الأمر لفترة رغم اقصاء الاشتراكي عقب حرب صيف 1994، بعدما حل محله حزب التجمع اليمني للاصلاح الاسلامي، الذي بدوره عاد وفقد مع نهاية التسعينات موقعه كشريك متحولا إلى صفوف المعارضة ضمن أحزاب اللقاء المشترك. وهكذا، أعادت المبادرة الخليجية بعثها بين الأطراف الموقعة عليها والمشاركة في حكومة الوفاق فأصبح التعيين في الوظائف العامة مقرونا بالولاء السياسي لإحدى هذه الاطراف. وباتت مفردة "المحاصصة" تتكرر بشدة بين اليمنيين لوصف حال الـنهب والفساد الحاصلين بشكل غير مسبوق.
ومن هذه الزاوية، شكلت الدعوى القضائية المستعجلة التي تقدم بها السيد عبد الكريم سلام، أمام المحكمة الإدارية الابتدائية في صنعاء في تاريخ 5-2-2013 ضد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لإخلالها بمعايير وشروط اختيار المرشحين المؤهلين لشغل وظيفة مستشارين ثقافيين و"انتقائها لقائمة حزبية وسياسية تكرس نهج التقاسم الحزبي للوظيفة العامة وإهدارها لمبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين لأسباب حزبية وسياسية"[1]، حدثا هاما. فقد شكلت هذه الدعوى الاعتراض القضائي الأول من نوعه ضد سياسة المحاصصة المتبعة في تولي الوظائف العامة؛ وهي تؤكد في رمزيتها النوعية على الحق المتساوي لكافة المواطنين في شغل هذه الوظائف، بناء على معايير المؤهلات والكفاءة والجدارة لا غير.
بالتأكيد، لا يمكن فصل السياق الحاصل في هذه القضية عن ذلك الذي أسسته دعوى قضائية سابقة أمام المحكمة الابتدائية ذاتها تقدم بها جرحى الثورة الشعبية في اليمن ضد الحكومة، ونجحوا من خلالها في تأسيس سابقة قضائية انتصر فيها القانون لهم في مواجهة تعنت حكومة حورت السلطة المناطة بها عن غاياتها الأصلية. فهذا النجاح قد شكل عمليا دعوة لسائر المتضررين من انحراف الحكومة عن واجباتها ومنهم بالطبع السيد عبد الكريم سلام باللجوء الى القضاء أملا برفع الغبن عنهم.
وكانت هذه الدعوى قد بدأت فصولا حين أعلنت وزارة التعليم العالي في تاريخ 26–3-2012 عن فتح باب التقدم للتنافس أمام الراغبين لشغل منصب مستشار ثقافي في إحدى الملحقيات الشاغرةفي دول أجنبية عدة. وقد جاء في هذا الاعلان على أنه يتم "تعزيزا لمبدأ الشفافية في الأداء الإداري، وتحقيقا لمبدأ تكافؤ الفرص وتعزيزا لأداء الملحقيات الثقافية اليمنية في الدول التي تتواجد فيها بما يجعلها قادرة على القيام بدورها بشكل متميز وفعّال من خلال اختيار الكفاءات الإدارية المتميزة والكفوءة". وقد أكدت الوزارة في اعلانها الرسمي على ضرورة أن تتوفر في المتقدمين لشغل الوظيفة المعلنة شروط لا مجال لتعدادها في هذا المكان. وعلى الرغم من توفر المدعي على الشروط المطلوبة إلا انه تم استبعاده من دائرة التنافس، حيث نشرت الوزارة قائمة بأسماء من وصلوا للمرحلة ما قبل النهائية على أساس المفاضلة، وأن عدد من تنطبق عليهم الشروط وصل إلى (91) متقدماً من إجمالي (1334).
وتشكل الدعوى المرفوعة بشكل مستعجل أمام المحكمة الادارية، باعتبارها جهة الاختصاص، ما يمكن وصفه بأول أداء قانوني كاشف عن عملية اخضاع الوظيفة العامة لاعتبارات الولاء السياسي للأحزاب المشاركة في الحكم حاليا في اليمن والمعترض عليها، وهو الأداء الذي تعكسه مجمل التعيينات في مختلف الأجهزة الحكومية ويثير غضب أطراف عدة[2]. والواقع أن سياسة المحاصصة السائدة في الأداء الحكومي تتعدى المواقع القيادية العليا لتطال مختلف الوظائف التي يجدر أن تخضع لمعايير الكفاءة والأهلية حيث "أنه يجب أن تقتصر المناصب السياسية على ما فوق منصب وكيل وزارة أما تلك الوظائف الأقل درجة فيجب أن يكون تقلدها خاضعا لمبادئ الحكم الرشيد وفق فرص متكافئة يصل فيها الأكفأ والأجدر ويحصل كل مواطن على حقه في الوظيفة العامة وحقه في الترقي في السلم الإداري للدولة)[3].
وقد أفصح نص الدعوى عن أن لائحة الأسماء المعلن عنها والتي حددت الأشخاص القابلين للمفاضلة في الجولة الأخيرة من عملية الاختيار من قبل وزارة التعليم العالي لم تحتو على اسم المدعي، على الرغم من توفره على الشروط اللازمة المشار اليها أعلاه، فيما تضمنت أسماء أشخاص لا تتوفر فيهم تلك الشروط ومنهم من هو أقل منزلة وظيفية وأقل درجة علمية منه، وهو السياق الذي ينبئ بشكل واضح، حسبما جاء في الدعوى، بأن معيار التفاضل الذي تم بموجبه استبعاد المدعي لا يمت بصلة الى الشروط المعلنة للتقدم لشغل الوظيفة.
وقد تضمنت الدعوى طلبا مستعجلا بوقف "الاجراءات الهادفة لاستكمال المنافسة" كون "الوظيفة المذكورة من فرص العمل القليلة والمنازعة بشأنها تدور حول الأحقية بشغل منصب موقوف بفترة زمنية محددة بأربع سنوات" وذلك باعتبار أن فوات الأمر زمنيا سيجعل من الصعوبة تدارك الضرر الناشئ من الأجل الزمني للقضية بما يستوجب اتخاذ اجراء قضائي لتعطيل النظر في عملية التنافس ريثما يتم الفصل في القضية نهائيا من قبل المحكمة. ولكن، على الرغم من طلب المدعي أن تتسم القضية بالاستعجال لما أورده من حيثيات تتسم بالوجاهة، حددت المحكمة موعد القضية بتاريخ 3–3–2013، أي بعد مرور شهر كامل على تاريخ التقدم بها[4]. كما أن وزارة التعليم العالي ماضية في استكمال اجراءات التنافس وقد أجرت فعلا المقابلات مع المرشحين الذين أعلنت عن أسمائهم، على الرغم من تسلمها بشكل رسمي الاعلان القضائي بالدعوى المرفوعة أمام المحكمة.
وبالتأكيد يفصح هذا التباطؤ من قبل المحكمة في النظر بالدعوى، ومضي الوزارة في اجراءاتها، ضمنيا عن مدى اصرار القوى السياسية الحاكمة على عدم التشويش عليها فيما تعتبره حقا مكتسبا لا يجوز النظر فيه أو تعطيله من قبل أي طرف، وعما يمكن أن تمارسه من اكراه وضغوط للمضي فيه بغض النظر عن لجوء بعض المتضررين للقضاء للمطالبة بحقهم بتكافؤ الفرص وبعدم التمييز ضدهم. وفي ظل ذلك، يشكل بالطبع المسار الذي ستذهب إليه هذه القضية في المحكمة مؤشرا على مدى قدرة جهاز العدالة في اليمن على حماية حقوق المواطنين في مواجهة سعي القوى السياسية الدائم الى الهيمنة على شؤون الدولة.
لقد لقيت هذه الدعوى فور التقدم بها اهتماما بالغا، وتم تغطية مضمونها بشكل واسع في الصحافة وعلى المواقع الالكترونية، على الأقل على المستوى الخبري، وان بقيت قاصرة عن استيلاد تضامن عام معها أو تبن لها، حتى لدى الأطراف الأكثر تضررا من غيّ "المحاصصة" الواسع. انما يرتقب أن يختلف الأمر إذا انتهت هذه القضية الى نجاح قانوني من شأنه أن يحفز متضررين آخرين على إعادة الكرة.
 
*كاتب وناشط حقوقي يمني

نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية
[1]أول دعوى قضائية ضد سياسات التقاسم الحزبي للوظيفة العامة، موقع الامناء نت، http://alomanaa.net/news/3630/#ixzz2LYfy6nlU
[2]بيان الاتحاد العام لنقابات عمال اليمن يستنكر اقصاء الكوادر في المؤسسات المدنية ويدين سياسة المحاصصة، 2–10–2012، موقع حضرموت نيوز، http://www.hadhramautnews.net/news-3246.htm
[3]منظمة هود تدين سياسة التقاسم السياسي للوظائف العامة، 3–2–2013، موقع هود اونلاين، http://www.hoodonline.org/2012-06-02-13-05-22/148-2012-06-02-10-51-39/652-hood122.html
 
[4]تم ارجاء الدعوى لأسبوع تمكينا للحكومة من تعيين محام.