ملفان سعى النظام من خلالهما الى فرض اعتباراته الى أقصى حد ممكن، هما مشروع القانون الأرثوذكسي وقضية جنسية المرأة. فتحت غطاء وجوب تطبيق نظام المناصفة بـ"حده الأقصى" (العبارة لمشروع القانون)، دعا المشروع الأرثوذكسي الى تطييف الهيئة الناخبة وتاليا الى القضاء على ما بقي من رأي عام ومساحات مشتركة. وفي الاتجاه نفسه، ذهبت توصيات اللجنة الوزارية برفض منح المرأة اللبنانية حق نقل جنسيتها الى أولادها. فتحت غطاء وجوب صون نظام المناصفة في مواجهة كل ما قد يتهدده، يقتضي حجب هذا الحق على ضوء أرقام الذين قد يستفيدون منه، منعا لتفاقم اختلال التوازن الديمغرافي بين الطوائف. ومن هذه الزاوية، تقضي اذا "المصلحة العليا" استغلال رواسب الذكورية والمحافظة عليها حتى ولو لم يعد وجودها ملائما بحد ذاته. وبذلك، بدا النظام وكأنه يمنح أرضا خصبة لكل أشكال البارانويا ومعها لاستباحة أي حق دستوري استباقا لأي تهديد قد يطاله ولو بعد زمن طويل. وفي مواجهة هذه المساعي، برز أيضا حراك مدني جد مميز. فلأول مرة، ينظم عقد للزواج المدني، معتمدا لغة الحق (الحق بالانتماء الى طائفة، الحق بتكوين عائلة) في مواجهة منطق يخضع الاعتراف بحقوق مماثلة لارادة المشرع. وبما لا يقل أهمية عن ذلك، بلغ الحراك النقابي حدا غير مسبوق منذ نشوب الحرب اللبنانية من خلال تحرك هيئة التنسيق النقابية. فعلى نقيض قانون الموظفين، كسر موظفو الدولة النصوص التي تمنعهم من التظاهر والتجمع وتأسيس نقابات، ليصنعوا مشهدا جديدا، مشهدا خرجوا فيه من خانة التهميش والتبعية والصمت الى خانة المواطنة بامتياز. ولهذه الغاية أيضا، رفعوا هم أيضا منطق الحق (حق التجمع والاضراب)، ليس في مواجهة تقاعس المشرع، انما أبعد من ذلك، في مواجهة نصوصه الصريحة والواضحة. وبذلك، برز الى الواجهة تجاذب لافت بين "نظام الزعامة" الآيل الى مزيد من الاستقطاب و"نظام المواطنة" الآيل على العكس من ذلك تماما الى تعزيز المساحات المشتركة. وبالطبع، أمام تجاذب كهذا، يكتسب التجاذب الحاصل حاليا حول التشكيلات القضائية بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى طابعا خاصا: فأن تبقى التشكيلات بمثابة بازار سياسي مفتوح انما يجعلها بالضرورة أداة لتعزيز نظام الزعامة ولافراز قضاء خادم لارادته؛ بالمقابل، من المرجح أن تختلف الأمور كثيرا اذا بنيت هذه التشكيلات على معايير موضوعية تقود القاضي المناسب الى المكان المناسب. لرسم تفاصيل هذا المشهد، خصصت المفكرة في هذا العدد غالبية صفحاتها.