نزار صاغية
برزت في الآونة الأخيرة ملفات ثلاثة: القانون الانتخابي مع تقدم كبير للقانون الأرثوذكسي، وحق المرأة في منح جنسيتها لأولادها، والزواج المدني لغير المنتمين الى طوائف.
والقاسم المشترك بين الملفين الأولين هو غلبة اشكالية الوزن السياسي للطوائف ومدى تأثره بالتوازن الديمغرافي. فبسبب اختلال التوازن الديمغرافي، تطالب الطوائف الأقلاوية (المسيحية) أن تنتخب كل طائفة نوابها وهذا ما سمي بالقانون الأرثوذكسي، بحيث لا تكون المناصفة بين الطوائف مناصفة بين المقاعد فقط، بل أيضا مناصفة في القدرة على ملء هذه المقاعد وتاليا في الوزن السياسي لملئها. وعليه، يهدف هذا القانون بالدرجة الأولى الى اجتراح حل قانوني لمعالجة تأثيرات الاختلال الديمغرافي على تقاسم السلطة بين الطوائف. أما التوصية الوزارية الصادرة برفض حق المرأة في منح الجنسية لأولادها، فقد هدفت الى تجنب تفاقم الاختلال الديمغرافي وذلك على ضوء أرقام وزارة الداخلية درءا لانعاكساته السلبية على التقاسم السياسي للسلطة. وتاليا، تمثل العنصر الغالب في معالجة الملفين في هاجس الأقليات ازاء اختلال التوازن الديمغرافي، فهدف الملف الأول الى التخفيف من تأثيرات هذا الاختلال فيما هدف الملف الثاني الى منع تفاقمه. وكان تاليا من الطبيعي أن تكون التيارات السياسية التي دعمت القانون الأرثوذكسي هي نفسها التي دعمت التوصيات الوزارية في مسألة الجنسية.
أما الزواج المدني الأول لدى كاتب عدل في لبنان، فقد جاءت الممانعة ازاء الاعتراف به وبالحقوق الأساسية التي يستمد مشروعيته منها من جهات أخرى أقل ظهورا نجحت في ثني وزير الداخلية عن اتخاذ قرار بهذا الشأن. وعلى خلاف الحال في الملفين السابقين، بدت أسباب النظام في رفض الزواج المدني متصلة ليس بالخوف من الاختلال الديمغرافي، بل بالخوف من تحرر الأفراد أو خروجهم من الطوائف، وبكلمة أخرى بالخوف من فقدان اللبناني لهويته التي تؤطره ضمن طائفة. بالمقابل، فان وزير العدل المحسوب على التيار الوطني الحر، وهو التيار السياسي الأكثر تأييدا للقانون الأرثوذكسي ولعدم أحقية الأم بمنح جنسيتها لأولادها، لم يخف حماسته في التأكيد على مشروعيته.
فكأنما النظام استمد في ملفاته الأخيرة قوته من هاجسين متناقضين: فمن جهة، هاجس الأقليات الطائفية ازاء الاختلال الديمغرافي الذي قد يفجر النظام الطائفي من الداخل بفعل الصراع بين مكوناته، ومن جهة ثانية، هاجس الأكثريات الطائفية ازاء تلاشي الأطر الطائفية التي تصنع قوتهم والذي قد يؤدي الى زعزعة هذا النظام من خلال ممارسة الأفراد لحرياتهم. وفي الحالتين، بدا النظام وكأنه نجح أقله حاليا، في تحصين ذاته من خلال تحويل تناقضاته الى توجهات متكاملة، وأيضا وتبعا لذلك في تقويض مفاهيم حقوقية عدة بدت وكأنها تستخدم عبثا لدكّ حصونه. وقد تركت المواجهات في هذه الملفات الثلاثة بشكل جد واضح بصماتها على تعريف مفاهيم أساسية لفهم الدولة الأساسية، هي مفاهيم: "الرأي العام" و"المصلحة العامة" و"النظام العام" التي خرجت من خضم هذه المواجهات-المعمودية أو كأنها مرادفات "للرأي العام الطائفي" و"المصلحة العليا للطوائف" و"النظام العام الطائفي". وهذا ما سنسعى الى تحليله أدناه.

1-مشروع القانون الأرثوذكسي: الرأي العام الطائفي في خدمة زعماء الطوائف
من يتابع الحياة السياسية اللبنانية قد لا يجد فارقا شاسعا مع القانون الأرثوذكسي. فهذا القانون جاء كخطوة متقدمة لسلسلة من التشريعات والتدابير التنفيذية التي آلت عمليا الى احكام المحاصصة بين زعماء الطوائف وخصوصا في زمن ما بعد الحرب. وما سنحاول رصده هنا هو تبيان الجديد في هذا الموضوع على الصعيد الانتخابي بعد ازالة المظاهر الأولية، وتحديدا بالنسبة الى القانون المنبثق عن اتفاق الدوحة ولا سيما بما يتصل بتقسيم الدوائر الانتخابية على شكل يلتقي عموما مع قانون 1960 وتحديدا بشأن لونها الطائفي الغالب الذي يجعل الهيئات الناخبة شبه خالصة طائفيا.
وهذا ما نقرؤه في الأسباب الموجبة لمشروع القانون الأرثوذكسي في عبارات جد واضحة نذكرها حرفيا تبعا لأهميتها: "بما أن التساوي بين المسيحيين والمسلمين في توزيع المقاعد النيابية لا يعني التساوي في عدد النواب من الفئتين فقط، بل يعني أيضا وبالضرورة التساوي بين ناخبي الفئتين في انتاج أعضاء البرلمان، والا فقدت هذه المادة معناها وروحها وفعاليتها، وبما أنه يقتضي تحقيق العدالة بين الطوائف من خلال الحؤول دون تحكم ناخبي طائفة بانتخاب نواب طائفة أخرى...وبما أن الغايات المنشودة والمعروضة آنفا يحققها نظام انتخابي يقوم على أساس أن ينتخب النواب المحددون لكل طائفة من قبل ناخبيها". ولتعزيز مشروعية هذا الخيار، لم يتردد واضعو المشروع في الاستشهاد بقوانين المتصرفية في 1864. والمصيبة هنا لا تكمن فقط في استشهادهم بقوانين وضعت منذ 150 سنة، بل في تحميل هذه القوانين زورا كل ما من شأنه أن يخدم غايتهم غير عابئين البتة بالحقائق التاريخية أو بامكانية فضح قيامهم بتزويرها[1].
وعند قراءة هذه الأسباب، يظهر أن واضعي المشروع قفزوا بعد تشخيص المشكلة الى اعلان الحل الذي يقوم على ضمان "التمثيل الطائفي الكامل" وفق ما تقدم. وبالطبع، يخطئ من يظن أن الفارق هو شكلي محض أو أن المشكلة لا تعدو كونها كشفا عن الوجه المستور. ففيما أن الزعماء المسيحيين رحبوا بقانون 1960 الذي أعاد للناخب المسيحي وزنا معينا في عدد كبير من الدوائر ذات اللون المسيحي الغالب، فإنهم يحققون من خلال القانون الأرثوذكسي في حال اقراره، وتحديدا من خلال ادخال فكرة الدوائر الانتخابية الخالصة، المساواة التامة في أوزان ناخبي الفئتين (المسلمين والمسيحيين) في انتاج أعضاء البرلمان. وهذا ما عبرت عنه الأسباب الموجبة بقولها إن قاعدة المناصفة بما لها من أهمية دستورية وميثاقية "يتعين مراعاتها الى أقصى درجة ما دام نظامنا يعتمد الطائفية". والمقصود بأقصى درجة هو بالطبع وضع قانون من شأنه أن يضمن المساواة التامة في أوزان ناخبي الطوائف.
ولكن السؤال الذي يطرح هو: اذا كان المبدأ أن المناصفة في المقاعد النيابية ليست مسألة عددية انما هي مسألة مساواة فعلية بين أوزان الطوائف، فلماذا فرض هذا الحل (أن ينتخب النواب من ناخبي طائفتهم فقط) وكأنه حتمي من دون ايلاء أي اهتمام لامكانية وجود حلول أخرى من شأنها ضمان المساواة في الأوزان الانتخابية من دون قطع التواصل بين ناخبي الطوائف كأن يتم ذلك من خلال أنظمة انتخابية معينة تسنح لناخبي الطوائف "المغبونة" بأن تنتخب نوابا من الطوائف الأخرى أسوة بناخبي هذه الطوائف أو تضمن لهؤلاء تأثيرا متكافئا في نتائج الانتخابات رغم التفاوت الديمغرافي كأن يتم اعتماد نظام التصويت القابل للتحول المعمول به في ايرلندا الشمالية والذي يعد أحد الأنظمة الأكثر ملاءمة للمجتمعات المنقسمة[2]؟
ومن هذه الزاوية، يظهر المشروع الأرثوذكسي وكأنه يتجاوز بكثير الهدف المعلن له الذي هو تأمين وزن متساو للناخبين بمعزل عن حجم طوائفهم ليؤدي الى أمور ثلاثة مترابطة:
الأول، تحويل العملية الانتخابية الى مناسبة لتكوين الآراء العامة الطائفية والتعبير عنها في موازاة تهميش الرأي العام الوطني بشكل كامل، على نحو يعكس توجها معاكسا تماما للطموح الدستوري الآيل الى الغاء الطائفية السياسية، ويشكل من هذه الزاوية مخالفة للدستور،
والثاني، وهو الأخطر، تكريس الزعامات الطائفية. فلكل مرشح الحق باستفتاء المنتسبين الى طائفته وبحصد مقاعد وفق ما يفضي اليه هذا الاستفتاء، من دون حاجة لايلاء أي أهمية لما يفكر به المنتسبون الى طوائف أخرى الذين ليس لهم أي تأثير على هذا الاستفتاء. وعلى هذا المنوال، تدور المعركة الانتخابية في ساحة تكون العلاقة فيها بين الناخبين كافة والمرشحين (وخاصة رؤساء اللوائح) قابلة للتحول الى علاقة تابع بزعيم فيما يستبعد منها مجمل الناخبين الآخرين الذين ربما يكتفون بتقييم أداء المرشحين مبدئيا بمعزل عن أي روابط عواطفية. ولا نخطئ اذا قلنا أن هذا المشروع يتحول من هذه الزاوية مناسبة لتكريس الزعامات الطائفية ولترتيبها وفق أهميتها، وهي ربما تتصارع فيما بينها في مزايدة في مجاملة الغرائز والهواجس الطائفية بعيدا عن أي عقلنة. وما يؤكد ذلك هو أن المشروع استبعد اللوائح المغلقة في اتجاه منح الناخبين حق الادلاء بصوت تفضيلي واحد الى جانب اختيارهم اللائحة المرشحة. وهذا الأمر انما يدفع الناخبين بالطبع الى منح أصواتهم لزعماء اللوائح التي يختارونها والا للوجوه الأكثر شعبوية وربما طائفية على حساب الوجوه الأكثر كفاءة وانفتاحا على الآخرين، مما يزيد الاستفتاء قوة وعصبية. وفي موازاة ذلك، يؤدي منح الصوت التفضيلي الى اضعاف التضامن الحزبي من خلال تعزيز حدة التنافس بين أعضاء اللائحة الواحدة، ما لم يتفق هؤلاء على الالتفاف حول زعيمهم رئيس اللائحة من خلال دعوة ناخبيهم والمقربين منهم الى انتخابه وحده.
والثالث، هو ضمان المساواة بين الزعماء طالما أن لكل منهم مجالا معينا ويتوجب عليه بالمقابل احترام ساحات الآخرين التي تبقى موصدة بوجهه. وهذا ما عبرت عنه الأسباب الموجبة من خلال قولها بأن القانون في حال اقراره يؤدي الى "نقل الصراع الى داخل كل طائفة فيتحول الى تنافس سياسي على الخدمة بين أبناء الطائفة الواحدة بدلا من أن يظهر وكأنه صراع بين هذه الطائفة وتلك". ونلحظ هنا تأكيد الأسباب الموجبة على أن الهدف من الانتخابات يصبح "التنافس السياسي على الخدمة بين أبناء الطائفة الواحدة" مما يعكس مفهوم الزعامة القبلية بما فيها من زبونية ومحسوبية ويلغي سائر الاعتبارات الأخرى وعلى رأسها المصالح الوطنية العامة. وما يزيد هذا الأمر فداحة هو الاهتمام الفائق الذي عبرت عنه الأسباب الموجبة لمراعاة تمثيل المناطق التي من شأنها "جعل المرشح والنائب وكذلك التكتلات السياسية والنيابية تهتم بسائر المناطق اللبنانية، الأمر الذي يعزز أواصر التواصل والتنمية الشاملة". فكأنما تعزيز أواصر التواصل ضروري فقط بين المناطق فيكون للزعيم الطائفي امتداد على مساحة المناطق المسكونة من أبناء طائفته فيما أن العكس تماما هو المطلوب بما يخص الطوائف حيث تجرد هذه الاعتبارات من أي قيمة. 
وبذلك، يظهر هذا القانون وكأنه يهدف تحت غطاء المساواة بين الناخبين (وهو أمر يقبل طرقا كثيرة أخرى) الى تكريس الزعامات الطائفية وضمان مواقعها بالنسبة الى الزعامات الأخرى، أو كأنه يهدف تحت غطاء صون النظام الطائفي الى تعزيز وجهه الاستقطابي على نحو يجعل تجاوزه أكثر عسرا، وذلك خلافا لما جاء في أسبابه الموجبة وللطموح الدستوري المعلن بالتوجه نحو الغاء الطائفية السياسية[3]. ففي ظل قانون مماثل، لا يبقى مجال للمواطنة وتتضاءل الأشياء المشتركة الى درجة الاضمحلال.  
بقي أن نسجل أن واضعي المشروع أبدوا حرصا على صون حق المنتمين الى الأقليات المسيحية أو المسلمة واليهود بالاقتراع، انما سها عن بالهم احتمال وجود أشخاص ليس لهم أي طائفة. واللافت أن هذا التجاهل قد حصل في موازاة الخطاب المتصل بالزواج المدني والذي أعلنت في خضمه الهيئة العليا للاستشارات بأن حرية المعتقد مطلقة وأن من حق اللبناني ألا ينتمي الى أي طائفة أو أن ينتمي الى احدى طوائف الحق العادي، أي الطوائف غير التاريخية، وهذا ما نعود اليه لاحقا.

2-اللجنة الوزارية ترد قضية حق الأم بنقل جنسيتها: رواسب الذكورية صونا "لـلمصالح العليا للطوائف"
بتاريخ 14-12-2012، وضعت اللجنة الوزارية المكونة للبحث في حق الأم في منح جنسيتها لأولادها توصياتها بعدم اقرار هذا الحق وقد لقيت ردود فعل شاجبة من قبل الهيئات المعنية التي وصفتها بالذكورية[4]. والواقع أن هذه التوصيات جاءت بمثابة خطوة الى الوراء في هذا المجال بعدما كانت الحكومة وضعت هذه القضية على جدول أعمالها في جلستها في 21-3-2012 اكراما للأمهات في عيدهن وأنشأت لجنة وزارية للامعان في درسها. وقد وصلت اللجنة الوزارية الى هذه النتيجة من خلال الحيثيتين الآتيتين:
-الأولى "أن مواءمة مقتضيات العيش المشترك والمناصفة والتساوي والفعالية في معرض التمثيل النيابي تصبح أكثر تعذرا وتعقيدا في ظل تفاقم الخلل الديمغرافي بين أبناء الشعب اللبناني من المسيحيين والمسلمين قبل التحرر المأمول من القيد الطائفي". وقد تم تفسير هذه الحيثية لاحقا بحيثية أخرى لا تقل أهمية مفادها "أن مبدأ المناصفة في السلطة التشريعية والسلطة الاجرائية على ما سبق وصفه من تساو وفعالية في التمثيل لا يمكن أن يتحقق فعليا أو أن يصمد، في المرحلة الانتقالية التي تسبق تحقيق الغاء الطائفية السياسية، عند اختلال التوازن الديمغرافي بين الطوائف اختلالا كبيرا"... وعليه، بدت هذه التوصيات وكأنها تذهب أبعد مما نصت عليه أسباب مشروع القانون الأرثوذكسي: فالمطلوب ليس فقط تطبيق مبدأ المناصفة على نحو يؤدي الى مناصفة فعلية في الوزن السياسي، انما أيضا استشراف كل ما بإمكانه تهديد صمود هذا المبدأ تمهيدا لتقويضه. ومن هذه التهديدات أي أمر من شأنه خلخلة التوازن الديمغرافي اختلالا كبيرا على نحو يدفع الفئة المتفوقة ديمغرافيا الى المطالبة بتعديل شروط المحاصصة لصالحها، كما هي حال التوطين أو حال منح أولاد اللبنانيات من أجانب الجنسية اللبنانية.
-والثانية، "أنه سبق للمجلس الدستوري في قراره رقم 2/2001 الملزم لجميع السلطات أن أورد ما سبق أن كرسه في اجتهاده من أن مبدأ المساواة الذي يتمتع بالقوة الدستورية لا يعمل به عند وجود أوضاع قانونية مختلفة لا يصح معها اعمال المساواة أو عندما تقضي بذلك مصلحة عليا". ويجدر التذكير هنا بأن مصطلح المصلحة العليا كان استخدم في القرار الدستوري المشار اليه في التوصيات للتأكيد على دستورية التمييز ضد الفلسطينيين في شأن تملك العقارات في لبنان، فإذا باللجنة الوزارية تستخدمه هنا للتمييز ضد مواطنين (النساء) يشكلون على الأرجح غالبية مواطني المجتمع، مما يشكل حالة تطبيقية بالغة الأهمية حول سهولة انزلاق التمييز ضد فئات معينة الى تمييز ضد كل من هو "مختلف". 
والواقع أن التدقيق بهذه الحيثيات وبأبعادها يستدعي الملاحظات الآتية:
أ-أن المصلحة العليا قد جاءت في عمقها مصلحة فئوية (طائفية). وهذا ما يخرج تغليب المصلحة الفئوية للطوائف على حقوق أساسية للأفراد وتاليا على المصلحة الوطنية العليا التي لا يمكن أن تتماشى بحال من الأحوال مع تمييز مماثل. وهذا ما أكده اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي بقوله أنه ليس للمصلحة العليا أبدا أن تؤدي الى تمييز على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو الأصل الخ. وهذا أمر بديهي طالما أن أي مصلحة تبنى على حساب شريحة من المواطنين لأسباب ملازمة لأشخاصهم انما تكون بالضرورة مصلحة فئوية. ومن هذا المنطلق، نقرأ موقف اللجنة من الذكورية، ليس على أنه موقف مبدئي بخصوص التمييز بين الأجناس، بل على أنه في عمقه موقف براغماتي أو انتهازي بحيث أنها لجأت الى استغلال رواسب الذكورية للحؤول دون تفاقم التوازن الديمغرافي ومنع التوطين (المصلحة العليا) وهو أمر ما كان ليكون ممكنا لولا وجود هذه الرواسب. وما يؤكد ذلك هو ما صرح به وزير العدل بوضوح للمفكرة القانونية بتاريخ 17-1-2013 في سياق دعوته الى اكمال البحث في موضوع الجنسية بشكل شمولي: "فكيف نمنح الجنسية لفئات واسعة جديدة قبل حسم مسألة مرسوم التجنيس لعام 1994 وما شابه من شوائب؟ ثم، لماذا نحصر حق استعادة الجنسية اللبنانية للمتحدرين من ذكور لبنانيين حين نتناول حقوق المغتربين ثم نأتي بعد ذلك لنعطي حق الجنسية للمولودين من أم لبنانية؟"[5]. فوفق هذا التصريح، تصبح جميع الحقوق الأساسية قابلة للتفواض وفق منطق السلة، كأن يوضع حق قد يزيد الوزن السياسي لطائفة معينة في سلة واحدة مع حق قد يزيد الوزن السياسي لطائفة أخرىمن دون ايلاء أي اهتمام لهذه الحقوق بحد ذاتها.  
ب-أن مصطلح "المصلحة العليا" قد ورد على اطلاقه، بحيث جاءت الاشارة اليها مجردة عن أي قيد أو شرط. ولهذه الغاية، لم تجد التوصيات حرجا في اقتطاع أجزاء أساسية من القرار الصادر عن المجلس الدستوري رقم 2/2001[6]المشار اليه أعلاه. فضلا عن ذلك، لم تول التوصيات أي أهمية لمبدأ التناسب الذي يمنع التضحية بحقوق أساسية للمواطنين كلما بدا أن ثمن هذه التضحية أكثر ارتفاعا من الغاية منها أو كلما بدا أن ثمة اجراءات أقل كلفة للوصول الى الغاية نفسها. وعلى هذا المنوال، شملت التوصيات، رغم اعتراضات بعض الوزراء، جميع الأشخاص المولودين بما فيهم هؤلاء الذين ليس لديهم أي جنسية (apatrides)، رغم الضرر الكبير الذي يتكبده هؤلاء من جراء ذلك،[7].  
ت-أن مصطلح "المصلحة العليا" قد اتخذ طابعا استباقيا: فالمصلحة العليا المشار اليها في التوصيات تتمثل ليس في وضع قواعد من شأنها حفظ التوازن بين الطوائف ومنع احداها الهيمنة على الأخرى باسم الأكثرية العددية، انما في تكريس قواعد من شأنها الحؤول دون تعميق الاختلال الديمغرافي. وبالطبع، من شأن ذلك أن يفتح باب البارانويا ومعها الهواجس الطائفية على مصراعيه على نحو قد يؤدي الى نتائج عبثية جدا كأن تعمد الدولة الى ضبط النسل لدى طوائف فتغرم العائلات المنتسبات اليها في حال المبالغة في الانجاب أو الى تشجيع النسل لدى أخرى، كأن تمنح مكافأة للعائلات المنتسبات في حال الاكثار في الانجاب. 
وخلاصة، يظهر مصطلح المصلحة العليا في اطلاقه وكأنه يهدف الى تكريس المصالح الفئوية للطوائف، على حساب الحقوق الأساسية من دون أي قيد أو شرط أو استثناء، بل على نحو استباقي من شأنه تشريع مختلف أشكال البارانويا والهواجس الطائفية، ومعه تشريع الابتزاز الطائفي.
 
3-قضية الزواج المدني الأول في لبنان ما بين دولة القانون ودولة الحق:النظام العام مرادفا للنظام العام الطائفي؟
"لذلك، لا بد من سن قانون سواء لانتماء لبناني الى غير الطوائف الدينية كما وسن قانون يرعى أحكام عقد الزواج المدني".هذه العبارة وردت في خاتمة الرأي الصادر عن "رئيس" هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل "القاضي" ماري دنيز المعوشي. والواقع أن التدقيق بهذه العبارة على قصرها انما يظهر الأبعاد القانونية والاجتماعية والسياسية بالغة الأهمية لهذه الاستشارة: فبغياب قانون ينظم أوضاع الراغبين بالخروج من الأطر الطائفية، يتعين على هؤلاء أن يبقوا ضمن أحد هذه الأطر، بمعزل عما لهم من معتقدات. ولا يهم وفق الاستشارة أن تنص المادة 9 من الدستور على أن حرية المعتقد مطلقة، أو أن يقر القرار رقم 60 ل/ر بوجود أفراد لا ينتمون الى أي طائفة أو أن تجمع الوثائق الدولية على اطلاق حرية المعتقد، فهذه الأمور تبقى كلها غير منتجة: العامل الوحيد الذي يدخل في حسبان الهيئة، هو وجود قانون يؤكد على امكانية انتماء لبناني الى غير الطوائف الدينية، وذلك من خلال انشاء "طائفة مدنية يصح الانتماء اليها اداريا". فبغياب طائفة مماثلة، لا يمكن الخروج من الطوائف المعترف بها حاليا. وللوصول الى هذه الغاية، لم تجد الاستشارة حرجا في تشويه نص المادة 10 من القرار رقم 60 ل/ر التي شملت المواطنين الذين لا ينتمون الى أي طائفة من دون اشتراط انتمائهم الى أي طائفة. الأمر نفسه بشأن الزواج، فلا هم ما نصت عليه المواثيق الدولية لجهة حق بالخصوصية والحق بانشاء عائلة، فوفق الفقه الفرنسي، "الزواج هو عمل قانوني ذات طابع رسمي يقيم بموجبه رجل وامرأة اتحادا تنظمه بصورة الزامية القوانين سواء فيما يتعلق بشروط عقده أو بأصول انحلاله أو النتائج التي تترتب عليه". وتبعا لذلك، "لا عقد زواج... الا بالاستناد الى قانون صادر عن سلطة مخولة التشريع في هذا المجال تابعة لدولة معينة والا خضع اتحاد المرأة والرجل الى قواعد المساكنة concubinage".
هكذا، بكل بساطة: وبالنتيجة، يبقى الفرد وفق الاستشارة في ممارسة حرية المعتقد أو في ممارسة حرية انشاء عائلة أسيرا لنموذج رسمي (أو لنماذج رسمية) يحدده(ا) المشرع، وهو يكون حتما نموذجا طائفيا في حال امتنع المشرع عن تنظيم الزواج المدني. وبذلك، يعكس هذا الرأي حذرا شديدا ازاء أي مبادرة مواطنية نحو انتزاع حق بغياب قانون يقر به ويكرسه وينظمه بشكل واضح. وهو بذلك يؤدي الى عد الحقوق الأساسية حقوقا غير ملازمة للفرد انما حقوقا ممنوحة وحده النظام يقرر مدى ملاءمة منحها. وبذلك، يظهر مفهوم "النظام العام" ليس على أنه نظام حام للحقوق الأساسية بل على أنه نظام حام لحقوق النظام بضبط الحريات والحقوق، مهما كانت أساسية، وبمنعها اذا أراد وفق ما يراه ملائما. بكلمة أخرى، أنه بمثابة اخضاع منظومة حقوق الانسان لإرادة الحاكم ومستلزماته، فيصبح مفهوم النظام العام مرادفا تماما لهذه الارادة. وما يزيد هذا الرأي قابلية للنقد أنه استباح الحقوق الأساسية باسم غياب القانون الناظم لها، من دون أن يتضمن أي انتقاد لتقاعس المشرع عن القيام بواجبه أو على الأقل دعوة له للقيام بذلك ضمانا لممارسة الحقوق بشكل سليم. فلا شيء يحدث من دون ارادته، ولا اشكال في حال تقاعسه عن ممارسة مسؤولياته وان أدت الى تعطيل هذه الحقوق. بالمقابل، فان الهيئة بدت في خضم حماستها للدفاع عن "النظام العام" الذي من شأنه تقويض جميع الحقوق مهما كانت أساسية، بدت وكأنها تتناسى تماما أن عددا من الطوائف لم يقدم للدولة نسخا عن أنظمة الأحوال الشخصية للمصادقة عليها بعد التثبت من عدم تعارضها مع النظام العام وفق ما يفرضه قانون 1951، فباتت جميع عقود الزواج الحاصلة وفق أنظمة هذه الطوائف حاصلة خارج أي تنظيم قانوني؛ ورغم ذلك، فان المحاكم المدنية عملت بها على اعتبار أنها أعراف! ومن هذا المنطلق، يصبح من الممكن تعريف النظام العام كما تفهمه الهيئة بدقة أكبر: فأن يكون النظام العام مرادفا لارادة الحاكم يعني على ضوء ذلك أنه يبقى تحت سقف المراجع الطائفية التي تحدد مداه من دون أن تخضع له.  
وما يمكننا من فهم الأبعاد العميقة لهذا الرأي هو مقارنته بالرأي الاستشاري الصادر عن الهيئة الاستشارية العليا. فبعدما ذكرت هذه الهيئة بالنصوص الدستورية والدولية المكرسة لحقي المعتقد والزواج، قفزت الى اعلان مبادئ من شأنها أن تنسف تماما الحيثيات التي انبنى عليها رأي هيئة التشريع والاستشارات.
ف"الأصل هو الاباحة والمنع هو الاستثناء، وليس في التشريع اللبناني نصوص تمنع عقد الزواج المدني في لبنان" للذين لا ينتمون الى أي طائفة، وبالطبع هذا المبدأ يتناقض تماما مع حيثيات الرأي الأول القائلة بأن لا حرية معتقد ولا حرية زواج الا بقانون، والذي يقلب هذا المبدأ على نحو يصبح معه المنع هو المبدأ والاباحة هي الاستثناء.
ف"المبدأ هو تفعيل النص ولا تعطيله"، بحيث يقتضي تفسير المادة 10 من القرار 60 ل/ر التي تخضع المواطن غير المنتمي الى طائفة دينية للقانون المدني على نحو يؤدي الى تفعيلها وليس الى تعطيلها.
وبالنتيجة، يظهر بوضوح أن الجدل حول الزواج المدني يطرح في عمقه جدلا أوسع بشأن العلاقة بين الحريات العامة والحقوق الأساسية وارادة المشرع. فوفق قراءة الهيئة الأولى، تبقى حقوق الفرد ومعها التطورات القانونية للحياة المدنية أسيرة داخل ردهات البرلمان بما فيه من قوى تستمد مشروعيتها من النظام السائد وتحرص على مصالحه. بالمقابل، تفتح القراءة الثانية للأفراد (ومعهم المهن القانونية من كتاب العدل والقضاة) أبوابا واسعة للتحرك في اتجاه تطوير المنظومة القانونية واخراجها من قمقم النظام الحالي، وتاليا للمجتمع أبوابا للاصلاح من القاعدة، وفق وتيرة الحياة المدنية ومدى ديناميتها. وهذا يفتح الباب أمام مفهوم جديد للدولة: دولة الحق.
  
*محام وباحث في القانون
نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية


[1] بيرلا الشويري، الأرثوذكسي: أو حين استباحت الطبقة السياسية التاريخ خدمة لمآربها، منشورة في هذا العدد.
 
[2]   B. Reilly, Democracy in Divided Societies, Electoral Engineering for Conflict Management, Cambridge University Press. 
[3] وبما أنه لا بد من تحقيق التوازن الوطني وتوفير التمثيل الصحيح لمختلف الطوائف والفئات داخلها والغاء مشاعر الغبن والخوف تمهيدا لبناء المواطنة الصحيحة وبدء البحث في سبل تجاوز الطائفية...".  
[4] المؤتمر الصحافي الذي عقدته حملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي" في 22-1-2013.
[5] سعدى علوه، "تكليف اللجنة الوزارية بتفصيل "التقديمات" الخاصة للأبناء، مجلس الوزراء يوافق ضمنا على توصية العاربحرمان المرأة منحقها بمنح جنسيتها"، الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[6] لمى كرامة، كيف سمحت المصلحة العليا بتمييز نصف المجتمع عن نصفه الآخر؟، منشور في هذا العدد.  
 
[7] مرجع مذكور أعلاه.