في ندوتها السنوية لتقييم الحياة القانونية في 2012، استضافت المفكرة القانونية شخصين مميزين: شربل نحاس وحنا غريب، على اعتبار أنهما كانا الشخصين الأكثر تأثيرا في الحراك الحقوقي في ذلك العام. وفيما يتابع نحاس قضية انشاء نقابات مستقلة في القطاع الخاص بعدما وضع قبل استقالته مشروع قانون بالمصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 بشأن الحرية النقابية، صنع غريب حدثا استثنائيا هو الأول من نوعه منذ انتهاء الحرب وذلك من خلال حراك هيئة التنسيق النقابية، التي خرجت من دائرة المعلمين لتشمل الموظفين العاملين في الادارات العامة.
واللافت أن قوة الحراك أدت الى تكريس الحرية النقابية على أنقاض المادة 15 من قانون الموظفين التي تحظر عليهم الاضراب والتجمع وتأسيس نقابات. وبذلك، بدا بوضوح أن هذه المادة المخالفة للدستور وللمواثيق الدولية قد سقطت في الشارع.
أما الانجاز الثاني الذي حققه هذا الحراك فهو يكمن في اكتساب هيئة التنسيق الصفة التمثيلية لشرائح واسعة من القوى العاملة. وهي بذلك فرضت ذاتها ليس فقط كنقيض للاتحاد العمالي العام الذي بات يستمد صفته التمثيلية في مجمل مؤسسات الدولة ليس من هذه القوى، انما من قرار حكومي، بل أيضا وهذا هو الأهم، كبديل عنه. وعليه، وفيما أدى انكشاف تخازل الاتحاد العمالي العام وتبعيته في معركة زيادة الأجور الى طرح اشكالية التسليم الحكومي باعتبار الاتحاد ممثلا رسميا عن القوى العاملة، فان انجاز هيئة التنسيق أدى الى تعزيز حضور هذه الاشكالية بعدما بات لديها مقومات كافية لاثبات أنها باتت الأكثر تمثيلا. وبالطبع، لهذا الانجاز أهمية فائقة اذ أن من شأن تطوره أن يضمن للقوى العاملة مكانة أكبر في الحراك العام وأن تتمثل مصالح هذه القوى بشكل أفضل في مجمل المؤسسات والسياسات التي يتعين فيها اشراك ممثلين عنها فيها أو الاستماع اليهم (مجلس ادارة الضمان الاجتماعي، المؤسسة الوطنية للاستخدام، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس العمل التحكيمي الخ).
فضلا عن ذلك، وهذا هو الانجاز الثالث، فان معركة هيئة التنسيق تجاوزت مسألة احالة (واقرار) سلسلة الرتب والرواتب، لتشمل كيفية تمويل هذه السلسلة على نحو يقنن المصالح النقابية ضمن رؤية واسعة للصالح العام.
وتاليا، وبمعزل عن النتائج التي تمخضت عنها مقررات مجلس الوزراء وما ستؤول اليه في المجلس النيابي، فان من شأن الانجازات المشار اليها أعلاه أن تمهد لانجازات أكثر عمقا وأهمية. انجازات من شأنها أن تعزز بالنتيجة دور المواطن ومكانته في المقررات العامة والحراك العام في موازاة تقليص دور المرجعيات المسلم بصفاتها التمثيلية ومعها سياسات الاستقطاب.
وفي هذا المحل، تنشر المفكرة القانونية نص الكلمة التي ألقاها غريب في ندوتها السنوية بعنوان الحركات المطلبية في ظل الاختصام الطائفي، لما لها من أهمية لفهم تطور نشاط هيئة التنسيق.  (المحرر)

 الروابط تنشأ.. وتتوحد
بسرعة، قبل الحرب كان الاتحاد العمالي العام موحدا، وبعد الحرب انقسم. بعكس القطاع العام في لبنان؛ خلال الحرب كانت كل الروابط والاساتذة والمعلمين منقسمة، وهناك شيء ليس موجودا فيها. الذي حصل منذ التسعينات الى الآن نهوض نقابي داخل القطاع العام. مثلا، رابطة التعليم الثانوي كان قرارها حبرا على ورق، تقوم بانتخابات في المناطق المنقسمة، اذا أردنا القيام باضراب نجتمع على المتحف، اللجنة التنفيذية في "المنطقة الشرقية" ولجنة الاتصال (كما يقال) للمناطق "الوطنية" تجتمعان لأخذ القرار. نقابة المعلمين أيضا كانت منقسمة، وتوحدت. لم يكن هناك رابطة للتعليم المهني، وأصبح لها رابطة. كان هناك خمس رابطات للتعليم الأساسي الرسمي، أصبحت رابطة واحدة (رابطة التعليم الرسمي حوالي 30,000). حتى الجامعة، كانت رابطتها مقسومة وتوحدت. الادارة العامة وموظفو الادارة العامة كانوا يلاحقوننا اذا اضربنا ويهددوننا، أنشؤوا رابطة... ف(انقلبت الآية)، أنشؤوا رابطة وصاروا شركاء، أنشؤوها لرابطة خريجي معهد الادارة، أي الفئة الثالثة وما فوق. وفي هذا التحرك الذي حصل، فتح الشباب جميع الحواجز، وليس فقط من الفئة الثالثة وما فوق، بل جميع الموظفين من الفئة الخامسة والرابعة والثالثة والثانية والكل. والآن هي من الروابط الأساسية، كسروا حاجز الخوف ويشاركون. المتقاعدون أعدادهم كبيرة، لم يكن هناك حراك داخل جسم المتقاعدين، أنا اليوم صباحا كنت باجتماع مع المجلس الوطني لقدامى موظفي الدولة، مع نادي السفراء ورابطة قدماء القوى المسلحة بالاضافة الى المتقاعدين في رابطة الأستاذة المتقاعدين (هذه أيضا نحن أنشأناها خلال هذا التحرك – وهؤلاء بحدود 60,000 متقاعد)، وكان الحديث اليوم أن هؤلاء ال60,000 متقاعد كيف يمكننا أن ندخلهم في المعركة بعد دخول الاداريين فيها.
الديمقراطية داخل هيئة التنسيق
هيئة التنسيق النقابية طبعا فيها ألوان مختلفة ومتنوعة، لكن الذي يجعلها تصمد في القطاع العام هو بنيتها الديمقراطية، هي ليست (مجوّفة) فيها 10 أو 12 شخص كالاتحاد العمال العام، لا يوجد رقابة عليهم فيعملون ويفعلون ما يريدون، لا احد يعرف متى سيضربون أو يعلقون الاضراب، لا أحد يشعر بهم. عندنا الوضع مختلف، أنا كل يوم وغيري من الأساتذة في هيئة التنسيق النقابية (غصب عن رقبته) عليه أن يقف أمام الاساتذة في الاستراحة ويخبرهم ماذا حدث، فهو مندوبهم. مثلا، في التعليم الثانوي يوجد 6,000 أستاذ، نحن نجري انتخابات الآن، انتخابات ديمقراطية (والراس عالراس) وداخل كل ثانوية، لا اعتقد أن هناك بلدا في العالم يحدث فيه هكذا نوع من الانتخابات بهذا الشكل كما يحدث في لبنان في مدارس، ينتخبون 570 أستاذ، أي 570 مندوب، وهكذا يصبح عصب التحرك في التعليم الثانوي (المكنة) 570، مع لجان على صعيد المحافظات (يوجد 5). مع هذه البنية الديمقراطية وهذه المجالس للمندوبين وهذه الرقابة والجمعيات العمومية، لا يمكنني أن أقرر الاضراب وأقول سيروا خلفي، لا يمكننا أن نفعل ذلك، يجب علينا ان نضع خطة وتوصية ونناقشها ونأخذ الموافقة (عالورقة والقلم) إما "نعم" أو "لا". في مواعيد الانتخابات - (والله تخترعلها قصة هالشغلة، ما ظابطة يا شباب) أعطونا مهلة، دعونا نؤجلها الآن- هذا لا ينفع معهم: اذا انتهت المدة علينا اجراء انتخابات من دون تأخير. نحن الآن لدينا معركة انتخابات الى جانب المعركة الخارجية، أي معركتان في الداخل والخارج، الأساتذة يقاتلون (شوفوا ملّا حالة). هذه البنية الديمقراطية وهذه الآليات.
تأثيرات اليسار والفساد الاداري
طبعا كان جسم اليسار قويا فيه، اليسار اذا اردتم أسس المرتكزات لهذه الروابط، فوضع الأنظمة الداخلية وكرس الآليات الديمقراطية، وطالما هذه الآليات تسير من المفترض (وهذا ما يحدث معنا) أن تفرز الأحسن، أي أن هناك محاسبة ومراقبة، الأمور لا تمر مرور الكرام. فاذا، موضوع المراقبة وموضوع المحاسبة أشياء أساسية بالنسبة الينا. لا أخفي عليكم سراً، نحن جيل السبعينات والثمانينات أصبح (عالآخر) تقريبا (عم بيروح). الذي لايزال يعطي هذه الروح اذا اردتم لشيء اسمه عمل نقابي في القطاع العام هو الجيل الذي لايزال باقيا داخل الروابط والهيئات، هؤلاء كانوا طلاب كلية التربية واتحاد وطني لطلاب الجامعة قضوا في المظاهرات ووصلوا الى روابط الطلاب وأكملوا في الرحلة، لكنهم يقلون كثيرا. الذي يحل محلهم بعد الواسطة والمحاصصة والتعاقد (إلخ..) والمباراة التثبيت، جلبوا أناسا ليس لديهم حد ادنى من حس الانتماء، مقرونة بحالة من الفساد والافساد، من دون أي معايير علمية وأكاديمية. بالمعايير العلمية والأكاديمية، كان هنالك كلية التربية ودور المعلمين وقد أغلقوها، (بتروح بتدبّرلك ساعتين تلاتة عند هذا الزعيم) ويدخلك ويثبّتك. هذا هو الجيل الذي يدخل وهو لا يريد أن يعلم (متل ما دبرتني علم وثبّتني، دبرني أعمل مدير، ضعني في لجان وضع الأسئلة، ظبطنا شي ناظر، حطني بشي مكتبة)، هذه ثقافة الفساد قد دخلت وبقوة، واذا أردتم نحن في الانتخابات نواجه هذه الثقافة من خلال العمل، وهذه موجودة بين كل القوى، وهي مشكلة ليست ببسيطة. هذا الخطر في هذا الموضوع هو خطر محدق بالآتي والمقبل من الجيل. نحن نحاول من خلال هذه المعارك التي نخوضها بقدر الامكان أن نبني جيلا يشبهنا اذا استطعنا. كل سنة أو سنتين نقوم بتحرك ونشركهم ونعودهم كيف يطرحون وما هو المطلب وهم لا يفقهون شيئا فما يتعلق (فايت ع مدرسته، بالنسبة له المدير يمكن بعد شوي بيمسكه وبيبسله إيده)، هذه كارثة. (أوقف جامد لو خيه!)، ماذا يعني ذلك؟..
الصراعات الانتخابية، القناعات في مواجهة التطييف والهرمية
نحن نعمل ونحشد الناس لعمل نقابي واجتماعي ووحدة نقابية، وعندما تستحق الانتخابات يصبح كل هذا في خبر كان نتيجة الحقن المذهبي والطائفي... فهم في "ذهنهم كيف لبيروت أن لا يفوز بها تيار المستقبل، ويأتي رئيس بيروت شخص مسيحي وليس سُني بيروتي؟". هذه تكلفنا سنة من العمل لنعيد ترتيب الوضع من أجل المضي في هذه المعركة.
اذا المعركة ليست بسيطة، فأنا اعطيت مثلا في بيروت لكن في الجنوب الوضع أسوأ، كي لا نميز بين هنا وهناك، ففي الجنوب أيضا ذات الشيء، لدينا مثلا 70 أو 80 مندوب من الجنوب يخرجون 30 أو 40 مندوب كمدير (نصف المندوبين مدراء) والويل لمن يترشح ضد المدير، واذا ترشح أحد ضد المدير (أكلها)، اما النقل أو التشغيل (الخ..)، فيقول (شو بدي بهاللبكة؟). آليات الترهيب والاغراء كبيرة...
مثلا الآن يوجد انتخابات، نحن نخوض معركة، وهي لم تنته والخطر عليها كبير، ولكن هناك خوف أيضا على الرابطة أن تختفي، وهي آخر رابطة تقريبا من الروابط النقابية اليسارية التي يمكن البناء عليها، لسبب بسيطة وهو أننا حافظنا على هذا الجسم ولم نسمح ادخال الكثير من المتعاقدين، قمنا بمباراة مفتوحة وأدخلنا ما يقارب الألفين، في المباراة المفتوحة يمكننا ادخال الكفاءات بقدر الامكان وان كان هناك وساطة...  المكان الذي يوجد فيه فساد معروف النتيجة لمين، والمكان الذي يوجد فيه كفاءة وعمل واهتمام نربح فيه.
هذا باختصار وبسرعة شديدة بشأن هذا الموضوع، فادعوا لنا. أما بالنسبة للتحرك فنحن سائرون فيه وسنكمل، فقصتنا طويلة معهم..
تابع/ي المداخلة على اليوتيوب[1]


نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية

[1]الحركات المطلبية في ظل الاختصام الطائفي: http://www.youtube.com/watch?v=9v6wtDrYd_I&feature=share&list=PLR_YQtw2XN6nQLAlb6Ukfu_o9nam1V9nJ