أثارت مسألة ختان الإناث جدلا كبيرا خاصة في السنوات القليلة الماضية، فالبعض يؤكد شرعيتها وتوافقها مع أحكام الشريعة الاسلامية ومبادئها مع خلاف حول درجاتها (واجب – سنة - مكرمة)، وفريق آخر يرى أنه ليس فيها حكم شرعي. وكما ثار الخلاف من الناحية الشرعية ثار أيضا من الناحية الطبية، بين من يدعي فوائد الختان، وبين منكر لتلك الفوائد، بل يؤكد وجود أضرار كبيرة له.
وقد جاء تقرير هيئة مفوضي المحكمة الدستورية العليا في الدعوى المرفوعة أمام المحكمة بشأن عدم دستورية النصوص العقابية الآيلة الى تجريم ختان الاناث ليضع حدا لهذه القضية الجدلية، علما أن هذا التقرير قد صدر قبل أيام قليلة من الاحتفال باليوم العالمي لرفض تشويه الأعضاء التناسلية للإناث "الختان" الذي ترعاه منظمة اليونيسيف. فلم تكتف الهيئة بعرض الحيثيات الآيلة الى رد الدعوى شكلا (وهي الحيثيات التي اعتمدتها من بعد المحكمة الدستورية لرد الدعوى[1]) انما تعمدت النظر في مدى دستورية تجريم الختان في الأساس تقديرا منها للأهمية الفائقة لهذه القضية التي نجحت المنظمات النسوية والحقوقية منذ أواخر التسعينات بتحويلها الى قضية شأن عام. وبذلك، أتى التقرير ليكلل جهود هذه المنظمات في مثابرتها على انهاء ظاهرة ختان الاناث، رغم ما طالها من اعتراضات وتشويه باسم الدين والمجتمع. وكانت دائرة التحريمات حول هذا الموضوع قد شهدت بدء تحطيمها من خلال التغطية الإعلامية الواسعة خاصة في هذه الحقبة التي سادت اللقاءات التحضيرية لمؤتمرات الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان عام 1993، والسكان والتنمية عام 1994، والمرأة عام 1995. وقد قامت تلك المنظمات بالعديد من حملات التوعية والدراسات والأبحاث العلمية لمواجهة هذه الظاهرة التى أصبحت متفشية في عدد من المجتمعات العربية عموما وفي مصر خصوصا.
وفي إطار تكليل جهود تلك المنظمات، استعرض التقرير بعض المراجع الصادرة عنها، وتحديدا كتاب "موقف الأطباء من ختان الإناث" الصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان في أواخر التسعينيات، والذي بيّن رفض جانب كبير من الأطباء إجراء مثل هذه العمليات لتأثيرها على الإناث.
وقد تناول التقرير بعض الأمور المتعلقة بختان الإناث من خلال محاور عدة، تتلخص في الأعمال التحضيرية لنص قانون العقوبات المطعون فيه، وختان الاناث فى الشريعة الاسلامية، مستعرضا الأحكام في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة والإجماع بشروطه التي أوردها علم أصول الفقه والقياس، فضلا عن استعراضه ختان الإناث من منظور طبي.
ولعل أهم هذه المحاور رأي الشرع فى الختان، حيث أن كافة الآراء المؤيدة له تجمع على أن له أسنادا شرعية. إلا أن التقرير - من خلال عرضه لكافة الآراء الفقهية - توصل إلى أن ختان الإناث ليس فيه حكم شرعي قطعي الثبوت والدلالة، حيث أن الختان كان جائزا وموجودا قبل الاسلام، ولم يأت الإسلام لتأكيد شرعيته لكن لم يأمر أيضا بتحريمه بنص قاطع. ومن ثم، فهو يعد من المسائل الخلافية التي يسوغ فيها الاجتهاد الذي يتوخى بذل الجهد لاستنباط الحكم الشرعي لختان الإناث من الدلالة الشرعية غير متقيدة باجتهاد الفقهاء السابقين. إذ هي ليست مصدرا وحيدا أو نهائيا لاستمداد الأحكام العلمية منها. ومن أهم هذه الآراء الرأي الصادر عن مجمع البحوث الإسلامية حول وفاة إحدى الفتيات المسلمات نتيجة ممارسة هذه العادات، والذي أجمع اعضاؤه على أن التحقق العلمي يكشف بجلاء عن أنه ليس هناك أصل من أصول التشريع الإسلامي أو أحكامه الجزئية يجعل من هذه العادات أمرا مطلوبا بأي وجه من الأوجه، وإنما هي عادة ضارة انتشرت واستقرت فى عدد قليل من المجتمعات المسلمة، وقد ثبت ضررها وخطرها على صحة الفتيات على النحو الذي كشفت عنه الممارسات فى الفترة الأخيرة. لذا وجد المجلس أن من واجبه أن ينبه إلى هذه الحقيقة العلمية والصحية وإلى ضرورة تنظيم حملة ارشادية واعلامية تحذر المواطنين من ممارسة هذه العادة الضارة.
وقد واجه التقرير الآراء المؤيدة لهذا الفعل كافة، عندما قرر أن كلام الفقهاء لا يعد شريعة ولا يحتج به على أنه دين. بل يحتج به على أنه فهم للنصوص الشرعية، وانزالها على الواقع، هو سبيل إلى فهم أفضل لهذه النصوص وكيفية عملها، ولكنه ليس معصومًا ويقع فى الخطأ ما يقع فى الصواب.
وبتطبيق هذا على قضية ختان الإناث، فإنه يتعين على من يتصدى لهذا الأمر لإرشاد الناس وتعليمهم في قضية حساسة تمس حياة الاناث ومستقبلهن، أن تتوافر فيه شروط الفقيه، وليس شروط الداعية أو الواعظ أو المفسر، وبأن تتوافر فيه اذا المعرفة العلمية المتميزة بالعلوم الاسلامية المتنوعة – ولا سيما الفقه وأصوله - بالإضافة الى معرفته الدقيقة عن هذه العادة من حيث أصلها التاريخي وأسبابها الاجتماعية والثقافية والحقائق العلمية حول هذه الأعضاء التي تستأصل بالختان من حيث طبيعتها ووظائفها الحيوية وأثرها فى فقدان الاستمتاع المشروع – دينا - للمرأة والرجل إذا استؤصلت أو في تحققه اذا بقيت كما خلقها الله. وبذلك، يتمكن الفقيه من تقديم رأي فقهي مبني على معرفة بالحقائق العلمية وليس على الثقافة الشعبية المنتشرة حول هذه العادة.
وقد رأى التقرير أن الوصف الفقهي لعملية ختان الإناث يتنافى مع ما ذكرته محكمة القضاء الإداري من مخالفة قانون حظر ختان الإناث لمبادئ الشريعة الإسلامية، لأن الختان ليس من هذه المبادئ.مشيرا إلى أن المحكمة جانبها الصواب عندما ادعت أن تجريم حظر ختان الإناث دون الذكور ينطوي على إخلال بمبدأ المساواة المنصوص عليه دستوريا، ذلك لأن عملية ختان الذكور واجبة بنصوص إسلامية صريحة، ولا خلاف عليها، بينما يدور الخلاف فقط على ختان الإناث، وبالتالي فإن المزاوجة بين الموضوعين غير صحيحة.
ورأى التقرير عند تحليله للنصوص العقابية التي تجرم الختان، أن لهذا التجريم ضرورة اجتماعية تتمثل في أن الغاية المبتغاة منه هي مواجهة الأضرار الصحية والنفسية التى أثبتها العلم وأكدها معظم الأطباء سواء أثناء الختان أو بعده مباشرة أو تلك التي تصاحب الفتاة طيلة حياتها والتي تؤدي إلى عدم الإشباع الجنسي وعدم الوصول إلى الارتواء الكامل مع ما يترتب على ذلك من فوات متعتها التي أباحها الله لها، وبما يؤثر على عدم الاقبال على العلاقة الجنسية.
إن تجريم ختان الإناث، جاء بغرض المحافظة على سلامة جسد الفتاة وحقها في الحياة في مواجهة ظاهرة تفشت وأضحت تهدد صحة الطفلات الجسدية والنفسية بأوخم العواقب وحفظ كرامة الإناث وإعلاء من شأن قيمة وحرمة الجسد وحق المرأة في أن تنعم بصحة جسدية ونفسية سليمة.
 
كما قرر أن العرف باعتباره أحد مصادر التشريع، لا يمكن أن يعتد به في هذه القضية. حيث أنه يجب ألا يكون العرف مصادما لنص شرعي وأن يكون نافعا ومفيدا للإنسان، ولا يندرج تحت الضرر والضرار. فالعرف في هذه القضية جاء صادما لنصوص تحرم الجراحة وقطع الأعضاء، ولا يبيحه سريان العمل به مهما طال زمنه، لأن عادات الناس ليست حجة في ما يخالف النصوص الشرعية. كما اعتبر أن موافقة ولي أمر الفتاة على ختانها لا يعد سببا لإباحته، كونه لا يملك جسد الفتاة أو حق التصرف فيه، وهو يملك فقط حق تربيتها ومراعاة شؤونها.
 ومن هذه المنطلقات كافة، بدا التقرير وثيقة بالغة الأهمية في تصديها للمسلمات على أنواعها، وللدلالة على دور المحكمة الدستورية العليا فى ارساء أسس النظام الحقوقي والزود عن حقوق الانسان والمرأة بشكل خاص، في هذه الفترة الهامة من تاريخ مصر.
 
*محام وباحث قانوني مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية