بتاريخ 5 فيفري 2013، أصدرت محكمة استئناف تونس حكما بفسخ الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس لتخلص الى الزام الى شركة رحلات بارجاع جوازات سفر الى الجهة الطالبة. وكان يمكن لهذا الحكم أن يمرّ دونما إثارة أي إنتباه كالمئات من الأحكام التي تصدر كل يوم، لولا أن محكمة الاستئناف استندت في حكمها على حرية التنقل المضمونة بموجب الفصل 10 من دستور 1959 والذي كان تم إنهاء العمل به صراحة بمقتضى التنظيم المؤقت للسلط العمومية والصادر في 16 ديسمبر 2011. وقد بررت ذلك بأن الدستور يبقى رغم هذا الالغاء الصريح "نافذا في أحكامه الضامنة للحقوق والحريات الأساسية لكونها غير قابلة بطبيعتها للإلغاء". ويلحظ أن المحكمة تشبثت باسناد حكمها على هذا الفصل رغم توفر أسناد أخرى كافية بحد ذاتها لتعليله، كالفصل 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وأيضا أحكام الفصل 3 من القانون المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر، والذي يعد حواز السفر "الوثيقة الشخصية الأساسية التي تمكن من التعريف بالخارج بهوية حاملها وهو ملك للدّولة التونسية".
وما يزيد من أهمية هذه الحيثيات هو أنها تتنزّل في سياقه التاريخي. فهو صدر في موازاة الأعمال والنقاشات الجارية لصياغة دستور جديد[1]، والتي رافقها جدل كبير حول باب الحقوق والحريات وما إحتواه وما لم يحتوه خاصة علاقة الدستور بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان. ظرف تاريخي تميّز أيضا بكثرة الانتهاكات والاعتداءات على الحقوق والحريات وكثرة القضايا المرفوعة والمنشورة أمام المحاكم والمتعقلة بهذه الحقوق والحريات وخاصة حرية الرأي والتعبير والابداع وحرية المعتقد والحريات الأكاديمية والحريات الفردية... وكان إنهاء دستور 1959 طرح مشاكل قانونية عدة تتمثل أساسا في غياب مرجعية عليا للحقوق والحريات خاصة وأن التنظيم المؤقت للسلط  لا ينص على باب الحقوق والحريات بل اكتفى بتنظيم مقتضب للسلط العليا في الدولة والإحالة على النصوص القانونية السارية لتنظيم القضاء والإدارة والجماعات المحلية.
وفي تلك الظروف، طرح السؤال: هل أن إلغاء الدستور يؤدي إلى إلغاء كل ما يحتويه؟
وانقسمت الآراء بين مؤيد لإلغاء تام لنص الدستور وما يحتويه وبين مؤيد لإلغاء الجانب التنظيمي والسياسي والمؤسسات الدستورية فقط دونما الجوانب الايجابية لهذا الدستور وخاصة باب الحقوق والحريات الأساسية. وقد اندرج الحكم موضوع التعليق ضمن هذا التوجه وهو يستدعي من هذه الجهة ملاحظات ثلاث:
الملاحظة الأولى: أن الحكم يؤول الى عد الغاء الدستور إلغاء شكليا لنصه، بحيث يبقى محتواه الذي لا يتعارض مع التنظيم المؤقت ساريا. وبذلك، يؤول الحكم الى سد ثغرة هامة طالما التنظيم المؤقت للسلط لا يشير مطلقا إلى ضمان الحقوق والحريات، مما يجعل الأخذ بالغاء الدستور برمته بمثابة تجريد للحقوق والحريات من النصوص العلوية الضامنة لها. والواقع أنه ليس من الموضوعي ولا من القانوني أن يتم إنهاء العمل بدستور قبل صدور الدستور الجديد، أو تعويضه بنص مؤقت من نفس القيمة القانونية واحتوائه على مختلف أحكام ومبادئ الدستور الذي أنهى العمل به، ولا سيما على نصوص ضامنة للحقوق والحريات.
الملاحظة الثانية: أن المحكمة ذهبت أبعد من ذلك بحيث كرست عدم قابلية الأحكام المتعلقة بالحقوق والحريات للإلغاء بطبيعتها. وبذلك، آل الحكم الى الاعلاء من شأن هذه الحقوق والحريات وجعلها حقوقا طبيعيّة أزلية: فهي مبادئ لا تضعها النصوص القانونية انما تقر بها وتقننها.  وقد بدا الحكم من خلال ذلك منسجما مع الفكر النابع من فكر مدرسة الحقوق الطبيعية وفي تواصل مع فقه قضاء ثابت لدى المحكمة الإدارية والذي يقر بأن "الأصل الحرية وأن التضييق منها هو الاستثناء"[2]. ولذا فإن الأحكام المتعلقة بها لا يمكن إلغاؤها لأنه لا يمكن إلغاء الحقوق والحريات التي هي أصل الاشياء وأصل التنظيم السياسي وأصل الدساتير التي تقوم أساسا على إعلان مجموع الحقوق والحريات والاقرار بوجودها وبوضع الآليات والمؤسسات الضامنة لها.
الملاحظة الثالثة: أن الحكم يجعل عمليا الأحكام المتصلة بالحقوق والحريات بمثابة أحكام فوق دستورية، بحيث أنها لا تتأثر بعدم وجود دستور أو بعدم التنصيص عليها صلب الدساتير، وهو توجه يتعارض مع القائبين بأن لا شيء ولا حكم يعلو نص الدستور. والواقع أن لتوجه الحكم التمشي آثار وتجليّات في نص الدستور ذاته، بحيث أن دستور 1959 كان ينص صراحة في الفصل 76 منه على أنه يحق "المطالبة بتنقيح الدستور ما لم يمس ذلك بالنظام الجمهوري للدولة". واعتبر الكثيرون أنّ هذا الحكم يدخل في باب الأحكام فوق الدستورية. كما أن مسودة مشروع الدستور في نسختها الثانية بتاريخ 14 ديسمبر 2012 تنص في الفصل 148 من الباب الثامن المتعلق بتعديل الدستور على أنه "لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من : الإسلام باعتباره دين الدولة، اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية، النظام االجمهوري، الصفة المدنية للدولة، مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور وعدد الدورات الرئاسية". وهذه المادة أيضا تندرج في باب الأحكام الفوق دستورية، وتتوافق مع ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف فيما يتعلق بالحقوق والحريات.
هذا الاعتبار لقيمة الحقوق والحريات جعل عديد الدساتير تدرج ضمن أبوابها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وجعله جزءا من الدستور على المستوى الشكلي ولكن جزءا لا يمكن تعديله والتراجع فيه، فهي أحكام ثابتة لا يحتاج وجودها أصلا الى نص. هذا الاعتبار لقيمة الحقوق والحريات أسّس لمبدأ هام في مجال حقوق الإنسان وهو "مبدأ عدم التراجع" عن الحقوق الإنسانية التي يتم إقرارها، فلا يصح تعديلها الا في اتجاه التوسع فيها وإثرائها. ويعود للقاضي أن يذكر بذلك وأن يسهم بدوره في بناء أسس دولة القانون التي تقوم بالأساس على ما تضمنه للفرد من حقوق وحريات هي في الأصل حقوق لصيقة بالفرد في كونيتها وشمولها وتكاملها وترابطها.

*أستاذ القانون بالجامعة التونسية

نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية
[1] صدر مشروع المسودة الثانية منه في 14 ديسمبر 2012 وبدأ نقاشها في 15 جانفي 2013.
[2]قرار في مادة  تجاوز السلطة، قضية عدد 3879 في 14 مارس 1995 شركة كريشان وأبناؤه / رئيس بلدية القصرين. (غير منشور)