مؤخرا، وضعت وزارة العدل مشروع قانون لتنظيم حق التظاهر السلمي، تعرض لانتقادات واحتجاجات عدة، على خلفية أنه يهدف هو الآخر الى التضييق من الحريات. ويسعى الكاتب في هذا المقال الى تحليل عيوب هذا المشروع وتظهيرها. وفي موازاة ذلك، أصدرت المحكمة الادارية في 31-3-2013 قرارا باحالة دعوى أقامتها عدد من المنظمات الحقوقية لالغاء قرار وزير الداخلية الصادر في 1964 والذي يجيز استخدام الأسلحة النارية لتفريق المتظاهرين، الى المحكمة الدستورية العليا على خلفية احتمال تعارضه مع حقوق وحريات مصانة دستوريا. وبذلك، ينفتح الباب أمام المحكمة الدستورية العليا لابداء الرأي بشأن مدى دستورية استعمال الأسلحة النارية لفض المظاهرات السلمية، مما يعطي هذه المحكمة دورا استباقيا محتملا في وضع المبادئ الدستورية المتصلة بهذه المسألة وضمنا في التدقيق بمدى توافق مشروع القانون مع هذه المبادئ قبل اقراره (المحرر).
أن حق التظاهر السلمي، من الحقوق الأساسية التي تضمن ملاذًا آمنًا للأشخاص للتعبير عن آرائهم، وإرادتهم الحرة بطريقة مباشرة وبصورة جماعية؛ كما تتيح لهم لفت انتباه المجتمع والحكومة إلى قضايا بعينها. وتعمل الاتفاقيات والإعلانات الدولية والإقليمية، ودساتير الدول، والتشريعات المحلية الأساسية المُنفِّذة لها على إرساء وتقرير هذا الحق. وفي ظل التظاهرات والاحتجاجات المتكررة التي تشهدها مصر قبل وبعد ثورة يناير، فقد تعالت الأصوات المرددة لضرورة وضع تشريع جديد ينظم حق التظاهر السلمي، لمواجهة هذه الموجة من الاحتجاجات، ولا سيما حين تأخذ طابع مواجهة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
واستجابة لهذا المطلب، طرحت وزارة العدل مشروع قانون لتنظيم حق التظاهر السلمي، لكي يحل بديلا عن القانون 14 لسنة 1923 الساري، والذي صدر في ظل أحكام دستور 1923، في فترة خلت فيها البلاد من مجالسها التشريعية – حيث عقد أول اجتماع للمجالس النيابية في مارس 1924-، ضمن مجموعة من التشريعات الاستثنائية تضمنت القانون رقم 24 لسنة 1923 بشأن المتشردين والمشتبه فيهم، قانون الأحكام العرفية، تعديل بعض مواد قانون العقوبات لتجريم الإضراب في مؤسسات الدولة. 
ورغم تأكيد المشروع على كفالة هذا الحق، بالإضافة إلى حق المواطنين في الدعوة إلى التظاهرات وتنظيمها والانضمام إليها، وحريتهم في التعبير الحر عن آرائهم سواء كان بصورة فردية أو جماعيةن إلا أنه وضع من القيود ما يجعل ممارسته لا تلبي طموحات المواطنين، خاصة بعد ثورة سلمية أطاحت بنظام ديكتاتوري كان أساسها التظاهر السلمي.
وجاءت مواد هذا المشروع – التي يفترض أنها منظمة للحق – لتعصف به، ولتنال من حرية المواطنين في ممارسته، بحيث تضمنت عبارات فضفاضة وواسعة. فممارستهممكنة شرط أن لا تؤدى إلى الإخلال بالأمن أو النظام العام، أو تعطيل مصالح المواطنين، أو قطع الطرق أو المواصلات، أو تعطيل حركة المرور، أو الاعتداء على الممتلكات أو حرية العمل أو أي تهديد جدي لأي مما تقدم.
ليس غريبًاعلينا وجود مثل هذه العبارات، والتيتعتبر من العبارات الثابتة فيالتشريعات المقيدة للحقوق والحريات، والتييسهل من خلالها حظر العديد من الأفعال وتجريمها.فلايمكن اعتبار وجودخطر محتمل لوقوع فوضى عامة سببًالمنع أيتجمع سلمي،بحيث أن القيود المسبقة على أساس احتمال وقوع خطر على الأمن من المرجح أن تكون غير متناسبة، ومن ثم ينبغي التعامل مع أيمن حالات الخطر الواقعة بالفعل بالملاحقة القضائية بدلاً من اللجوء إلىالتقييد المسبق.
فكل هذه المحظورات – وفقًا للواقع العملي- تمنع المواطنين من استخدام حقهم في التظاهر السلمي، فكيف يتسنى للمواطنين ممارسة مثل هذا الحق دون تعطيل حركة المرور؟ فهذا أمر غير منطقي، حيث أن المواطنين لن يقبلوا بممارسة هذا الحق في الأماكن النائية كي لا تتعطل حركة المواصلات. ففي العديد من البلدان يتم تحديد خط سير للسيارات عند ممارسة المواطنين لحقهم في التظاهر السلمي وليس العكس. ثم، ماذا يعني عدم تعطيل مصالح المواطنين؟ وأليس من شأن ذلك أن يؤدي الى منع المواطنين في الإضراب طالما أن من شأن امتناع أي من المواطنين عن العمل أن يهدد بتعطيل مصالح الآخرين.
كما أن المشروع وضع قيودا على ممارسة هذا الحق، عندما أخضع هذه الممارسة لإجراءات بيروقراطية مفرطة من شأنها تقويضه، ذلك عندما اشترط إخطار قسم أو مركز الشرطة المزمع بدء المظاهرة في دائرته قبل الموعد المحدد لها بخمسة أيام على الأقل. فهذه المدة تعتبر بمثابة حجرة عثرة في مواجهة ممارسة هذا الحق، كونها مدة طويلة نسبيًا.
ومن ضمن الإجراءات البيروقراطية، أعطى المشروع لوزير الداخلية الحق في إخطار الجهات المعنية التي يراد التظاهر في مواجهتها المعترض على قراراتها أو سياستها بمطالب المتظاهرين للنظر في إيجاد حلول لها. إن هذه الرخصة من شأنها أن تلقي على عاتق وزارة الداخلية أعباءً ليست من صميم عملها، حيث أن دور وزارة الداخلية ليس الوساطة بين المواطنين وهيئات الدولة المختلفة، بل من واجبها وفقًا لقانونها حفظ الأمن. وقد يكون السبب الخفي وراء هذه المادة هو التسويف في ممارسة هذا الحق. وهو ذات الدور الذي كان يلعبه جهاز أمن الدولة في السابق لإجهاض الإضرابات العمالية والمظاهرات المطلبية، عندما عمل دوما على تسكين آلام المواطنين بزعم أن مطالبهم سيستجاب لها.   
وأكثر من ذلك، نلحظ أن المشروع ترك ثغرة تسمح لوزارة الداخلية من فض أي تظاهرة وتوقيع عقوبات على منظميها والمشاركين فيها. وهذا ما يستبين عندما ألزم المشروع منظمي التظاهرة بتقديم إخطار إلى الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، من دون أن يلزم تلك الأخيرة بتسليم المنظمين ما يفيد إرسالهم إخطارًا بالمظاهرة. فهذا سيؤدي إلى حرمان المواطنين من اثبات قيامهم بالاجراء القانوني (الاخطار). وبذلك تتحول المظاهرة من مظاهرة مشروعة متماشية مع أحكام المشروع إلى تظاهرة خارجة عن التنظيم القانوني.
وبما لايقل خطورة عما سبق، سمح المشروع لرجال الأمن فض التظاهرات بعد إتباع إجراءات محددة على التوالي، كتوجيه إنذارات شفهية مسموعة بفض المظاهرةواستخدام الغاز المسيل للدموعواستخدام خراطيم المياه والهراوات البلاستيكيةوإطلاق طلقات الخرطوش في الهواء. ولم يقرر أيعقوبات على رجال الأمن فيحال مخالفة هذا الترتيب في فض المظاهرات. كما أنه لم يوقع أيعقوبات حال إصابة أو وفاة أي من المتظاهرين نتيجة الإصابة بطلقات خرطوش أو الهراوات.
كما أن هذا المشروع أغفل التجمعات العفوية التي تتكون في أثر حادثة وقتية، وبالتالي فإن هذه التجمعات تضحي غير شرعية لعدم تقديم المشاركين فيها إخطارًا إلى الجهات المعنية. فهذه التجمعات لابد أن ينظر إليها المشروع بعين الاعتبار لأن هناك أمورًا عدة لا يمكن للمواطنين أن ينتظروا تقديم إخطار وفوات المدة المقررة قانونًا. ومن الأمثلة الواقعية على ذلك، عندما خرج أهالي محافظة أسيوط في مظاهرات على اثر اصطدام قطار السكة الحديد بأتوبيس مدرسي راح ضحيته ما يقرب من خمسين طفلًا. فهل من المنطقي معاقبة أهالي هؤلاء على خروجهم في تجمعات عفوية للتعبير عن وجعهم وسخطهم، في ظل غياب المحاسبة وإفلات المسئولين الحقيقيين من العقاب؟
وقد أغفل أيضًا تنظيم المظاهرات المضادة، فانه من المتصور ألا يتم إغفال مثل هذه التظاهرات وتنظيمها في أماكن مختلفة عن التظاهرة الأساسية "الأسبق في تقديم الإخطار".
كما منع المشروع المتظاهرين من حمل لافتات أو إلقاء عبارات أو أناشيد أو أغاني، تعد من قبيل السب والقذف، أو يكون من شأنها تحقير أو ازدراء الأديان السماوية، أو تثير الفتنة، أو تحرض على الفتنة الطائفية. هذا بالاضافة إلى إهانة هيئات الدولة ومؤسساتها أو الإساءة إليها بما يجاوز حرية التعبير السلمي. وقد قرر المشروع عقوبة الحبس والغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا يتجاوز ثلاثين ألف جنيه أو بإحداهما في حالة مخالفة أي من ذلك. 
وفي إطار حرص النظام القائم على عدم تزايد أعداد المواطنين أمام الأماكن الهامة في الدولة، والمتمثلة في "القصور الرئاسية والمجالس التشريعية ومقار الوزارات ومقار السفارات والبعثات الدبلوماسية ودور وأبنية المحاكم والمستشفيات ودور العبادة والأماكن الأثرية والسجون وأقسام ومراكز ونقاط الشرطة وسائر معسكراتها والمناطق العسكرية"،خصص المشروع مساحة لا تزيد عن مائتي متر. فهذه المساحة المحددة للتظاهر أمام هذه المقرات تعد اقصائية للعديد من المواطنين الراغبين في التعبير عن رأيهم. حيث أنه وبمعادلة حسابية بسيطة نجد أن المساحة المخصصة للتظاهر لا تسع سوى ثمانمائة متظاهر فقط، حيث أن المتر المربع يكفى لتواجد 4 أفراد فقط.
أن هذا المشروع –وفقًا لديباجته- لم يلغ صراحة أيا من المواد الواردة بالتشريعات التي من شأنها تقييد أو الحد من ممارسة حق التظاهر السلمي، والتي تتمثل في تشريعات عدة (قانون التجمهر، قانون العقوبات، قانون الطوارئ، قانون هيئة الشرطة، وغيرها) تؤثر في ممارسة هذا الحق،  وأبرزها قانون التجمهر- وهو قانون استثنائي وضع عام 1914 أثناء الاحتلال الانجليزي لمصر لمواجهة حالة الحرب-، والذي يجعل من المظاهرة غير المخطر تجمهرا بغرض ارتكاب جرائم وتصل العقوبة للمشاركين فيها إلى السجن عشرين سنة.
وختاما، تجدر الاشارة الى أنه بمعزل عن مضمون هذا القانون، فانه كان يجدر صياغة مشروع ناظم للتظاهر، بعد اعادة هيكلة وزارة الداخلية، وخصوصا بعد وضع آلية جديدة لتعامل رجال الأمن مع المواطنين، خاصة عند ممارستهم لحق التظاهر السلمي.