مع تصاعد الخطاب العنصري في ظل نزوح المواطنين السوريين هرباً من الصراع في سوريا، ذهبت بعض البلديات الى فرض منع تجول على الأجانب القاطنين ضمن نطاقها. وبالطبع فهي لم تقصد بالأجانب الرعايا الأوروبيين أو الأمريكيين الخ. – أي الأجانب الذي ينظر اليهم المجتمع اللبناني كمنتمين الى طبقات اجتماعية ميسورة. وهذا ما صرح به أحد رؤساء البلديات بقوله[1]: المقصود بكلمة "أجانب"، هو السوريون منهم (علماً أنه وفي تصريح لاحق له[2]، وسع مفهوم الكلمة لتشمل الأثيوبيين والسيريلنكيين والمصريين الخ.).
 
وعلى عكس ما يتذرع به رئيس البلدية هذا من صلاحيات منوطة له في المادة 74 من قانون البلديات، فالمادة نفسها تنص على أنه لا يحق لرئيس البلدية أن "يتعرض للصلاحيات التي تمنحها القوانين والأنظمة لدوائر الأمن في الدولة" كمنع التجول مثلاً، الذي يعود للسلطة العسكرية العليا أن تفرضه في حال اعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية[3]. هذا فضلاً عن أن لبنان صدق على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. وفي حين أجازت المادة الأولى فقرة 2 من الاتفاقية، التمييز بين مواطن وغير مواطن، فهذا لا يعني اطلاقاً، سنداً لتفسير لجنة القضاء على التمييز العنصري، أنه يجوز التمييز بين مواطن وغير مواطن في الحقوق والحريات الأساسية، لا سيما تلك المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق الدولية، كحرية التنقل مثلاً[4]. وهذا ينطبق من باب أولى حين يقعالتمييز ضد فئات معينة من غير المواطنين، على أساس جنسياتهم، بحيث يصنف اذ ذاك بالعنصري.
 
والمُلفت في الموضوع، هو تعاطي بعض وسائل الاعلام معه. ففي حين أثارت الـLBCIالموضوع في احدى نشراتها الاخبارية[5]مشددة على عدم قانونية القرار وتصاعد الممارسات العنصرية التي يواجهها العمال الأجانب في لبنان، تقدمت محطة الـMTVبشبه لائحة جوابية بعد أسبوع بالتحديد في نشرتها الاخبارية[6]، شددت فيها على شرعية قرار رئيس البلدية، مستندة الى فقرة أخرى من المادة 74 المذكورة أعلاه[7]والى ما سمته بتفلت الأمن وتزايد الأفعال الجرمية المرتكبة في ظل "تكاثر وجود الغرباء[8]"، متناسية كلياً الحدود القانونية لصلاحيات رئيس البلدية، فضلاً عن التزامات لبنان الدولية بشأن محاربة التمييز العنصري. بالمقابل، وباستثناء الـDaily Star، فقد خلت عموما الصحافة المكتوبة، من أي اشارة الى هذه الممارسة.
 
وبالطبع، تحصل هذه الممارسات في ظل هواجس متزايدة لدى المواطنين اللبنانيين ازاء المخاطر الناجمة عن تدفق عدد كبير من اللاجئين الى لبنان. وقد ذهب بعض المسؤولين في الدولة وبعض وسائل الاعلام الى استثمار هذه الهواجس على حساب حقوق الانسان والقانون[9]، جاعلين من العمال الأجانب كبش محرقة لعجز الدولة في ميادين الأمن والعمل وغيرها من الميادين. وقد وصل الأمر الى حد لعب الدولة واجهزتها سياسة النعامة، فتحظر على الأجانب التجول كي لا تصطدم بفشلها في سياساتها الاجتماعية والأمنية.

*حائز على اجازة في القانون، فريق عمل المفكرة القانونية

نُشر في العدد الثامن مجلة المفكرة القانونية



[1] تحديدا، رئيس بلدية بطشيه المرداشي في قضاء بعبدا ميشال خوري. تراجع النشرة المسائية الاخبارية للـLBCIبتاريخ 23-2-2013، كما تراجع النشرة المسائية الاخبارية للـMTVبتاريخ 2-3-2013.
[2] تراجع النشرة المسائية الاخبارية للـMTVالمذكورة اعلاه.
[3] تراجع الفقرة العاشرة من المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم 52 الصادر بتاريخ 5-8-1967 (اعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية).
[4] يراجع:
The Committee on the Elimination of Racial Discrimination’s Gen. Rec. No 30: Discrimination Against Non Citizens, 10/01/2004
كما تراجع المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسيةالتي تنص على حرية التنقل.
[5] تاريخ 23-2-2013.
[6] تاريخ 2-3-2013.
[7] تحديدا الفقرة التي تعطي لرئيس البلدية صلاحية الاهتمام باستدراك أو منع ما من شأنه أن يمس الراحة والسلامةوالصحة العامة.
[8] خيار الكلمة ليس بريئا ويشير الى النظرة السلبية الذي يُكنها قسم من المجتمع للعمال الأجانب.
[9] تجدر الاشارة إلى أن لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة أوصت على الدول التي صدقت على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، ان تتخذ اجراءات حازمة للتصدي لأي استهداف أو وصم أو أي ممارسة من شأنها التمييز بين مجموعات من غير المواطنين على اساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي الخ. لا سيما اذا كانت هذه الممارسات صادرة عن سياسيين أو مسؤوليين في الدولة أو عن الاعلام.
يراجع:      The CERD’s Gen. Rec. No 30, ibid., §12