بتاريخ 17-12-12، أصدر المجلس الدستوري قراره الأول منذ أكثر من ثلاث سنوات، الذي آل الى إبطال القانون رقم 644/2012 الخاص بترقية مفتشين في الأمن العام وذلك بناء على طعن قدمه رئيس الجمهورية ضد هذا القانون. وأن يكون هذا القرار هو الأول من نوعه انما يفسر بأن الطعن المذكور هو الطعن الأول المقدم اليه خلال هذه الفترة، علما أن حق الطعن ينحصر في الرؤساء الثلاثة، وفي مجموعة تضم عشرة نواب على الأقل، وأيضا في رؤساء الطوائف بخصوص المسائل المتصلة بشؤونها. وكان القانون المبطل قد آل الى ترقية المفتشين في الأمن العام الذين حصلوا على 50 علامة على الأقل في مباراة أجريت لهم منذ أكثر من عشر سنوات (في 2002) الى رتبة ملازم أول، من دون سائر المرشحين من المدنيين أو من العسكر العاملين في أجهزة أخرى والذين حصل بعضهم على علامات أعلى من مفتشي الأمن العام. وقد تبنى المجلس الدستوري حجج الطعن في جوانبه المختلفة من دون أي صعوبة تذكر بدليل أن حجم القرار لم يتعد ثلاث صفحات في الجريدة الرسمية. واذ أكد المجلس في قراره على مبادئ بديهية كمبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ المساواة أمام الوظيفة العامة رغم تأكيده على "نظرية الاستثناء"، فإن الإمعان في حيثياته انما يؤدي عمليا الى تعرية سلطات الدولة كافة.
تكريس مبادئ بديهية: مبدأ الفصل بين السلطات والمساواة أمام الوظيفة العامة
في هذا المجال، بذل المجلس الدستوري بعض الجهد في تعريف مبدأ الفصل بين السلطات على ضوء العبارة الواردة في مقدمة الدستور ومفادها أن النظام قائم ليس فقط على مبدأ الفصل بين السلطات انما أيضا على "توازنها وتعاونها". وفي هذا الصدد، رأى المجلس أن مبدأ الفصل يحكم بالضرورة تعريفي التوازن والتعاون. فالتعاون يعني تسهيل كل سلطة عمل السلطة الأخرى، وعدم عرقلة عملها، وذلك من أجل انتظام عمل السلطات وتفعيل دورها خدمة للصالح العام، و"لا يجوز أن يؤدي الى حلول سلطة مكان السلطة الأخرى وممارسة صلاحياتها جزئيا أو كليا".
وانطلاقا من ذلك، سجل القرار أن السلطة التشريعية قد خالفت مبدأ الفصل بينها وبين السلطة الاجرائية، طالما أن تعيين موظفي الدولة وصرفهم وقبول استقالاتهم، وتاليا ترقيتهم وفق القوانين المرعية يدخل ضمن اختصاص هذه الأخيرة وفق المادة 65 من الدستور.
كما سجل القرار أن هذه السلطة تجاوزت هذا المبدأ في علاقتها مع القضاء ومعه مبدأ استقلالية القضاء، من خلال استباق "قرار القضاء بشأن المباراة المطعون في صحتها، ووضع قانون يستند الى هذه المباراة"، طالما أن بعض المشاركين في المباراة كانوا طعنوا بصحتها أمام مجلس شورى الدولة منذ 2002، فيما صدر القانون موضوع الإبطال بالاستناد الى نتائج المباراة المطعون بها من دون انتظار قرار هذا المجلس.
ومن جانب آخر، أبطل القرار القانون لمخالفته لمبدأ مساواة المواطنين في تولي الوظائف العامة وفق المادة 12 من الدستور التي تنص على أن لا ميزة للبناني على آخر في تولي الوظائف العامة "إلا من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينص عليها القانون"، وذلك على خلفية أن القانون آل الى ترقية عسكريي الأمن العام الذين حازوا على 50 علامة من 100 على الأقل في المباراة من دون النظر الى تصنيفهم، وعلى نحو يؤدي الى تمييزهم عن سائر المرشحين الذين ربما حصلوا على علامات أعلى منهم في نفس المباراة. وقد أثبت المجلس هذه المخالفة بعدما تثبت بأنه ليس هنالك أي اختلاف في أوضاع المرشحين القانونية أو مصلحة عامة من شأنها تبرير عدم المساواة على نحو يتوافق مع غاية القانون. 
الاستثناء ولمرة واحدة يبقى أمرا جائزا:
وعلى صعيد آخر، وازاء ورود عبارة "استثنائيا" في القانون المبطل، رأى المجلس الدستوري أن من واجبه ومن تلقاء نفسه التذكير بشروط اعمال نظرية الاستثناء والنظر في مدى انطباقها على موضوع القانون المعروض أمامه. وهنا، كرر المجلس حيثيته الواردة في عدد من قراراته السابقة[1]بمعنى أنه يجوز أن تتولد عن ظروف استثنائية ناجمة عن أمور غير متوقعة "شرعية استثنائية" من شأنها أن تسمح للمشرع بالخروج عن أحكام الدستور أو المبادئ والقواعد الدستورية حفاظا على الانتظام العام واستمرارية المرافق العامة ومصلحة البلاد العليا على أن يبقى قراره في اطار محدود وفي حدود المدة التي تستوجبها هذه الظروف، وأن يكون خاضعا لرقابة المجلس الدستوري.
وقد انتهى المجلس في هذا المجال الى استبعاد هذه النظرية، لعدم توفر شروطها اذ أن القانون صدر بعد مرور 10 سنوات على المباراة دون نشوء أي ظروف استثنائية ومفاجئة. ويجدر التذكير في هذا المجال بأن البرلمان كان اعتمد للمرة الأولى عبارة: "استثنائيا ولمرة واحدة" عندما أعاد وأقر قانونا ثانيا للانتخابات النيابية في 1996 لاظهار تجاوبه مع قرار المجلس الدستوري الآيل الى ابطال قانون الانتخابات الصادر في السنة المذكورة لخلوه من أي اشارة الى الظروف الاستثنائية، وقد نجح البرلمان من خلال ذلك الى ادخال القواعد الانتخابية نفسها من دون أي تعديل ما خلا العبارة تلك، عملا بما وصفه عميد كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية فايز الحاج شاهين آنذاك بالفتوى[2][L1] . وللمقارنة، تجدر الاشارة الى أن المجلس الدستوري الفرنسي كان منح المشرع في قرار صادر في 25-1-1985 حق وضع قوانين تحد من حريات يصونها الدستور حفاظا على الانتظام العام على أساس أن الحريات لا يمكن أن تمارس اذا لم يؤمن الانتظام العام، انما مع حصر هذا الاستثناء بالحالات الاستثنائية ضمن الحدود المنصوص عليها في القانون الذي ينظم حالة الطوارى في فرنسا[3].
قرار دستوري يظهر عمق الخلل المؤسساتي
والأهم من حيثيات القرار هو ما تكشفه من عورات فيأداء السلطات العامة كافة.
فأن يعتدي البرلمان على مبدأ المساواة بين المرشحين من دون أي مبرر من أي نوع كان، يطرح أسئلة عميقة حول أدائه وحول الآليات التي يعتمدها للتثبت من دستورية قوانينه أو مدى التزامه بالدستور أصلا. وبالطبع، ما يكشفه المجلس الدستوري في هذا المحل هو نذر يسير من مخالفات المجلس النيابي الذي أقر في السنة بل في الجلسة نفسها حسب بعض المراقبين عددا من القوانين، رغم وضوح تعارضها مع مبدأ المساواة، بل متجاهلا أيضا احتجاجات النواب بهذا الشأن. وقد تجلى ذلك بوضوح كلي من خلال تعديل القانون المتعلق بتحويل سلاسل رواتب العسكريين وتعديل أسس احتساب التقاعد وتعويض الصرف من الخدمة وقد وضع هذا التعديل لمنفعة 4 قيادات عسكرية فقط. كما نذكر القانون المتعلق بإعفاء القروض الإسكانية العائدة لعناصر في الأجهزة الأمنية والعسكرية من بعض الرسوم والضرائب، وقد أقر هذا القانون رغم اعتراض بعض النواب على هذا التمييز مطالبين بتعميم الاعفاء على جميع المواطنين. وهذا أيضا ما نقرؤه خلال المناقشات النيابية في الجلسة التشريعية الواقعة بتاريخ 22-2-2012. فبعدما أعلن بعض السياسيين تأييدهم الكامل لتثبيت المتعاقدين أو للمباراة المحصورة على اعتبار أنها تحفظ حقوقهم بالعمل مع الإدارات أو المؤسسات العامة منذ فترات طويلة، ذهب البعض الآخر الى عدها مخالفة لمبدأ المساواة أمام القانون[4].
وأن يتجاوز البرلمان مبدأ فصل السلطات مع السلطة التنفيذية ومجلس شورى الدولة أمر بالطبع غير مقبول لكنه يعري في الوقت نفسه السلطتين الأخريين: فما معنى أن تتقاعس الحكومة تماما عن تعيين أي من المرشحين الناجحين في المباراة في المراكز التي جرت المباراة من أجل ملئها، رغم مرور ما يزيد على عشر سنوات على اجرائها؟ وألا يشكل ذلك استهتارا بالوظيفة العامة وبحقوق المرشحين الذين جهدوا لإثبات كفاءاتهم في المباراة المجراة وفي المال العام الذي تم صرفه لإجراء هذه المباراة؟
ثم، ما معنى أن يتقاعس مجلس شورى الدولة عن البت في المراجعة العالقة أمامه رغم انقضاء ما يزيد على عشر سنوات؟ وأليس قيام السلطات بواجباتها وبالمسؤوليات المناطة بها شرطا أساسيا ملازما لمبدأ فصل السلطات ولا يقل عنه أهمية؟
وأخيرا، واذ يسجل لرئيس الجمهورية أنه أوقف من خلال الطعن مفعول قانون غير دستوري، فانه يسجل عليه أيضا أنها المرة الأولى التي يمارس فيها هذه الصلاحية المناطة به منذ انتخابه، رغم صدور عدد كبير من القوانين المشبوهة والتي يكاد عدم دستوريتها يكون بديهيا. واذ يسجل الأمر نفسه على سائر المرجعيات التي لها صلاحية الطعن في دستورية القوانين، فإن المادة 49 من الدستور اللبناني التي تنص على أنه "يسهر على احترام الدستور" تحمله مسؤولية خاصة في هذا المجال. وقد رأىعدد من الفقهاء الفرنسيين أن المادة 5 من الدستور الفرنسي (وهي مماثلة للمادة 49) انما تجعل رئيس الجمهورية ضمانة للدستور[5]الى جانب المجلس الدستوري وأن الطعن في القوانين المشكوك بدستوريتها واجب على عاتقه وليس حقا أو امتيازا[6].

*طالب في الحقوق في جامعة القديس يوسف في بيروت، فريق عمل المفكرة القانونية
نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية

[1]أشهرها القرار رقم 1/97 الصادر بتاريخ 21-9-1997
[2] تجربة المجلس الدستوري وسبل تعزيز دوره، في "القضاء اللبناني، بناء السلطة وتطوير المؤسسات"، المركز اللبناني للدراسات، 1999
[3]Pierre Mazeaud, La Place des considérations extra-juridiques dans l’exercice du contrôle de constitutionnalité, Erevan 2005.
[4]عن كل هذه الأمور، لمى كرامة، "ماذا أنجز المجلس النيابي في 2012؟ العسكر والمباراة المحصورة وقضاء من دون استقلال"، المفكرة القانونية، ملحق العدد 7-1-2013. 
 
[5]Voir en ce sens Isabelle Richir, Le Président de la République et le Conseil constitutionnel, Thèse Paris X, PUF, 1998. Ou encore, du même auteur, « Le Chef de l’Etat et le juge constitutionnel, gardiens de la Constitution », RDP, 1999, n°4, p. 1066
[6]Yann SACCUCCI, « L’Article 5 de la Constitution de 1958, fondement des interprétations constituantes, Considérations épistémologiques sur les rapports entre factualité et normativité » ????

 [L1]No footnote