الاسم، الشهرة، اسم الأب، اسم الأم، تاريخ ومحل الولادة، الصنعة، الجنس، المذهب، الوضع العائلي و... ملاحظات. هذه هي قائمة مندرجات سجلات الأحوال الشخصية التي تحفظ عن كل فرد في قلم "النفوس". "نصب تذكاري لحياة الأفراد والعائلة"[1]، تشكل قيود الأحوال الشخصية عدسة مكبرة تتيح لمن له حق الاطلاع عليها، اختلاس النظر على صميم حياة الفرد منذ ولادته ولغاية وفاته، مرورا بزواجه أو عدم زواجه، طلاقه أو عدم طلاقه، انجابه أو عدم انجابه – على اثر علاقة زوجية أو غير زوجية – بصورة طبيعية أو بحكم تبني... بالطبع، في ظل بروز حقوق الفرد الأساسية وعلى رأسها الحق في حماية حياته الخاصة، يطرح سؤال مدى امكانية الفرد حجب المعلومات المتعلقة بشخصه عن أي كان من الغير أو حتى من الدولة، خاصة لما يمكن أن تشكل هذه المعلومات من أداة للتمييز المسند الى الجنس، النسب والدين.
وفي هذا الاطار، صدر قرار عن مجلس شورى الدولة عام 2010[2] على اثر طعن تقدم به والد بالتبني بقرار المدير العام للأحوال الشخصية برفض طلب إعطائه اخراج قيد عائلي له وشخصي لابنه خاليين من أية اشارة إلى حكم التبني، قضى بإبطال قرار الإدارة بناء على التوسع في تطبيق المادة 18 من القرار رقم 2851/1924 والتي أضاف اليها المشترع عام 1996 فقرة تنص على أنه "لا يجوز لدوائر النفوس والأحوال الشخصية التي تنظم تذاكر الهوية واخراجات قيد النفوس أن تذكر في هذه التذاكر أو الاخراجات أية عبارة تدل على أن من تعود له الهوية أو اخراج القيد هو مولود غير شرعي أو أنه غير معروف الام والاب"[3].وللتوصل الى هذه النتيجة، استند القرار المذكور على تعليل مميز في مضمونه كما وفي منهجية وقواعد تفسير القوانين التي اعتمدها.
 
فمن حيث المضمون، يكرس قرار مجلس شورى الدولة مجموعة من الحريات والحقوق الفردية في مجال الأحوال الشخصية وهو مجال طالما تحفظت بشأنه الدولة اللبنانية بحجة "الخصوصية" عند المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان الفردية والأساسية. ولأول مرة في الاجتهاد اللبناني على حد علمنا، نلقى في القرار اشارة صريحة الى مبدأ الكرامة الانسانية وحق الأفراد بالحفاظ على حياتهم الخاصة بعد التذكير بالحرية الشخصية ومبدأ المساواة. وعلى هذا الأساس، خلص مجلس شورى الدولة الى التأكيد على "عدم جواز التمييز بين المولودين الشرعيين منهم وغير الشرعيين" والربط بين حق الفرد في حماية حياته الشخصية والحرية الشخصية، معيدا الى الأذهان أصداء المفهوم الجديد لحماية الحياة الخاصة والقائم على أمرة النفس “l’autonomie individuelle”وهو مفهوم طورته المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان وهو يعتمد على حق الفرد باتخاذ القرارات الفردية في ادارة حياته العائلية وفق ما يراه مناسبا بعيدا عما يفرضه المجتمع من قيم أخلاقية أو دينية.وانطلاقا من ذلك، يكتسي قرار مجلس الشورى أهمية كبرى تتعدى مسألة قيود أحوال الأشخاص (وهي وجوب حذف كل ما يمكن أن يشير صراحة أو ضمنا الى نسب الفرد الشرعي أو غير الشرعي من اخراجات القيد وبطاقة الهوية) لتشمل أحوال الأشخاص بذاتها ومدى الاعتراف بالحريات الشخصية.
فاذا كان مبدأ المساواة وعدم جواز التمييز بين المولودين الشرعيين وغير الشرعيين يلقي موجبا على الادارة بعدم الافصاح لغير الجهات الرسمية عن طبيعة نسب الفرد "الشرعية" أو "غير الشرعية"، ألا يترتب اذ ذاك على المشترع من باب أولى تعديل قوانين الارث لإلغاء كل تمييز بين الأفراد سواء ولدوا من زواج شرعي أو من خارجه؟
وماذا عن باقي مندرجات القيود وعلى رأسها المذهب؟ لماذا الإفصاح عن انتماء الفرد الديني لغير الجهات القضائية في دعاوى الأحوال الشخصية؟ فألا يشكل ورود المذهب على اخراج القيد تعديا غير مشروع من الغير على حياة الفرد الخاصة ومعتقداته الدينية لا بل ألا يشكل تطبيق قوانين الأحوال الشخصية متغايرة وفقا لمذهب الفرد تمييزا غير مشروع بين الافراد وتعديا على الحرية الدينية كما قد احتج به كل من طالب بشطب قيده المذهبي عن مندرجات الأحوال الشخصية؟
يضع مجلس الشورى في قراره هذا الركيزة الأولى لبناء نظام عام متكون من حقوق وحريات تجمع بين الأفراد مهما كان انتمائهم الديني أو الجنسي أو نسبهم العائلي، فيفتح الباب أمام التأكيد على نظرة موحدة للفرد اللبناني في ظل مجتمع متعدد وعلى وجوب تقيد المشترع اللبناني وكافة تشريعات الأحوال الشخصية الدينية باحترام حقوق وحريات الفرد الأساسية.
أما لجهة المنهجية وقواعد التفسير التي اعتمدها القرار موضوع تعليقنا هذا، فيجدد مجلس شورى الدولة في كيفية تفسير القوانين اذ أن "مجلس الحكماء" “le conseil des sages”في تطبيقه للقانونانطلق في مهمة البحث عن نية المشترع الحقيقية بعيدا عن حرفية النص عبر استخراج الحق الذي أراد أن يكرسه هذا الأخير، واستند من أجل ذلك الى الأسباب الموجبة ولكن، أكثر من ذلك، الى الدستور والاتفاقات الدولية ذات الصلة. ومن شأن قواعد التفسير هذه التذكير بمبدأ تسلسل القواعد ووجوب ترجيح أحكام المعاهدات الدولية على أحكام القانون العادي عند التعارض، فتعيد على رأس الهرم القانوني الدستور والمعاهدات الدولية التي لا يزال القاضي اللبناني يظهر خجلا معينا في تطبيقها لاستبعاد نص قانوني داخلي أو تفسيره رغم وجود المادة 2 من قانون أصول المحاكمات التي تنص على وجوب تغليب أحكام المعاهدات الدولية على القوانين الداخلية. وان استعادة القاضي لسلطة مراقبة المشترع في عمله القانوني للتأكد من عدم التعدي على الأحكام والحقوق المكرسة في المعاهدات الدولية التي التزمت بها الدولة اللبنانية لها أهمية كبرى في استخراج نظرة للفرد ونظام عام على المشترع المدني أو حتى الديني الانحناء أمامه والامتناع عن التعرض له.
ان حق الافراد على اختلاف مللهم في احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية المكرس في المادة 9 من الدستور ليس من شأنه تجريد المشترع اللبناني والقاضي من التدخل في شؤون الفرد أولها العائلية منها. فهل يستجيب المشترع والقضاء الى النداء الذي وجهه اليه "مجلس الحكماء" في سبيل التفكير عن نظرة موحدة للفرد في القانون اللبناني وكيفية تكريس الحقوق الفردية الأساسية المكرسة في الدستور والمعاهدات الدولية في ظل تعدد القوانين العائلية الدينية؟ وهل يمكن التحرر من التمييز بين العائلة "الشرعية" و"غير الشرعية" والاعتراف بتعدد الانظمة العائلية “le pluralisme des modèles familiaux”وحق الأفراد بالعيش وفقا" لمعتقداتهم الخاصة دون تحيز القانون لنظام عائلي واحد؟

* محامية متدرجة، تعد رسالة جامعية في القانون
نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية
 

 
[1]Gérard Cornu, Les Personnes, Montchrestien, 2007
[2]المنشور في العدل، 2010، العدد 4
[3]القانون 541 بتاريخ 24-7-1996