جاء القانون الذي تقدم به "اللقاء الأرثوذكسي" ليلقي حجرا في مياه الفكر السياسي الراكدة في لبنان منذ فترة ليست بوجيزة. وبغض النظر عن المواقف المتضاربة حيال هذا الطرح فإن أهمية هذا القانون تكمن في حدته، أي المدى الأقصى الذي يذهب إليه بحيث يرغم النظام السياسي اللبناني على طرح تساؤلات كان يتم بكل بساطة تجاهلها في الماضي إما عمدا (وهذا ما ينسحب على غالبية الطبقة الحاكمة) وإما سهوا كون القواعد الفلسفية التي يقوم عليها بناء السلطة تدخل في نطاق "اللامفكر" فيه (وهذا ما ينطبق على معظم وسائل الإعلام التي تدور في فضاء فكري يخضع لهيمنة خطاب تنتجه الطبقة السياسية من جهة ورجال القانون من جهة ثانية).
لذلك يشكل قانون "اللقاء الأرثوذكسي" للانتخابات فرصة ثمينة بغية كشف النقاب عن المرتكزات التي يقوم عليها النظام اللبناني وطرح مجموعة من الأسئلة الأساسية من بينها: هل يخالف هذا القانون الدستور؟ وكيف نستطيع أن نوفق بين متطلبات العيش المشترك والبعد الطائفي البحت للقانون. أسئلة سيحاول هذا البحث تبيان أهميتها ومدى تأثيرها على نظرة اللبنانيين ليس فقط لنظامهم السياسي بل لأنفسهم أيضا.         
يعترض البعض على قانون الانتخاب الذي تقدم به "اللقاء الأرثوذكسي" بحجة مخالفته للدستور لا سيما المادة 27 التي تنص على أن "عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيـه"·ووجه الاعتراض يكمن في أن النائب الذي تنتخبه طائفته يفقد تمثيله للأمة وهذا ما يخالف صراحة منطوق المادة المذكورة. إن هذا الادعاء ينطلق من نظرة قانونية بحتة ومن تفسير حرفي للنص لا يأخذ بعين الاعتبار الفلسفة السياسية التي كانت وراء المادة 27. لذلك، ولتوضيح هذا الالتباس، كان لا بد لنا من تبيان تهافت هذه الحجة عبر العودة إلى الأصل التاريخي لهذه المادة.

فلسفة السيادة في المادة 27:
لا شك أن القارئ الذي اعتاد مقاربة النصوص من الناحية الحقوقية الصرفة ستنتابه صدمة للوهلة الأولى إذ كيف يمكننا معالجة مادة دستورية عبر منهجية فلسفية؟ ومتى كان للفلسفة دور في تحديد المبادئ الدستورية؟ في الحقيقة، إن غالبية هذه المبادئ تجد تبريرها ومرتكزها الفكري في الفلسفة السياسية ولا يمكن للباحث الدستوري إذا أراد أن يعطي مجال تخصصه حقه أن يغض الطرف بكل بساطة عن الأسس التي تعطي دساتير العالم ماهيتها. لذلك بات من الملح جدا طرح موضوع قانون "اللقاء الأرثوذكسي" على بساط البحث الفلسفي وتشريحه بواسطة مبضع النظريات السياسية وهكذا فقط سنتمكن من استخراج إشكاليات جديدة تضعنا وجها لوجه أمام تصور اللبنانيين الخفي لكن الحقيقي لنظامهم السياسي.          
الهدف إذاً من المادة 27 هو تكريس مبدأ السيادة الوطنية (souveraineté nationale) وما يستتبعه ذلك من فكرة محددة عن الديمقراطية كديمقراطية تمثيلية (démocratie représentative). فالنظام الديمقراطي المعمول به في دول العالم اليوم ينطلق من مسلمة جوهرية تقول بأن الشعب لا يحق له أن يسن القوانين بنفسه وهو في مطلق الأحوال لا يستطيع أن يمارس السلطة التشريعية إلا عبر ممثلين ينتخبهم لهذه المهمة. ففي عصرنا الحالي أصبح من المتعذر ممارسة الديمقراطية المباشرة التي كانت سائدة في اليونان القديمة حيث كان كل المواطنين يجتمعون في الساحة العامة (Agora) ويقومون بمناقشة القوانين والتصويت عليها مباشرة. وحقيقة الأمر أن اختيار الحكام في أثينا مثلا كان يتم عبر القرعة إذ إنها الوسيلة الوحيدة لضمان المساواة الفعلية بين الجميع، بينما كان ينظر إلى الانتخاب كطريقة للوصول إلى السلطة باعتبارها آلية غريبة عن مبادئ الحكم الديمقراطي كون الشعب لن يحكم نفسه مباشرة بل عبر ممثلين اختيروا خصيصا لهذا الأمر.
وفي العصر الحديث أصبح من الضروري التوفيق بين مبدأ الانتخابات من جهة وفكرة الديمقراطية من جهة ثانية. ولشرعنة سلطة النواب الذين غالبا ما يتم انتخابهم عن دوائر متعددة وتحويلهم من مجرد ممثلين لأقاليم جغرافية إلى سلطة قائمة بذاتها تم اختراع مبدأ السيادة الوطنية بحيث لا يمثل النائب الشعب (أو الفئة من الشعب التي انتخبته) بل الأمة جمعاء.
هكذا نستطيع أن نفسر الجزء الثاني من المادة 27 التي تشدد على أن النائب لا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط. والهدف من وراء ذلك هو الحرص على أن النائب، وبما أنه يمثل الأمة، لا يحق لمنتخبيه أن يملوا عليه توجهاتهم أو أن يتدخلوا في خياراته السياسية. وهذا ما نستشفه أيضا من الفقرة "د" من مقدمة الدستور التي تنص على أن "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية". فالشعب لا يمارس السيادة إلا عبر ممثليه في السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وقد رفض "روسو" (Rousseau) في كتابه "العقد الاجتماعي" فكرة السيادة الوطنية وقال بمبدأ السيادة الشعبية (souveraineté populaire). فالشعب في منظومة "روسو" الفكرية لا يحكم نفسه عبر ممثلين ينتخبهم ويفوضهم شؤون الامرة إذ إن السيادة لا يمكن تفويضها والإرادة العامة (volonté générale) لا تقبل التمثيل. وكون مفاد هذه النظرية هو رفض وجود ممثلين مستقلين عن الشعب، فالنائب في مثل هذه الحالة يمثل فقط الشريحة التي انتخبته من المواطنين ويجب عليه في مطلق الأحوال أن يمتثل لأوامر وتوجيهات هؤلاء في كل قرار سياسي يتخذه.
لاقت أفكار "روسو" انتشارا واسعا ولما بات من الضروري تكوين شرعية تستطيع أن تقف بوجه السلطة الملكية طور سياس (Sieyes) خلال الفترة التي سبقت الثورة الفرنسية مبدأ السيادة الوطنية (أو سيادة الأمة بتعبير أدق) الذي يتبنى مبدأ الديمقراطية التمثيلية. فالنائب المنتخب يستمد سلطانه من الأمة حتى لو كان فعليا منتخبا من قبل مجموعة صغيرة من المواطنين في دائرته الانتخابية. والأمة هنا هي مجرد اختراع قانوني إذ لا يمكن لها أن تحكم بنفسها بل يجب أن يتم تمثيلها عبر نواب. هذا مع العلم أن اختيار النواب عبر الاقتراع العام ليس شرطا لتمثيل الأمة بل يجوز أن يتم تمثيلها عبر وسائل أخرى. خلاصة القول إن الديمقراطية التمثيلية هي آلية تسمح للشعب بحكم نفسه بطريقة غير مباشرة.
جراء ما تقدم يتبين لنا أن المادة 27 من الدستور اللبناني تتبنى مفهوم السيادة الوطنية. فالنائب في لبنان ينتخب عن دائرة تمثل منطقة جغرافية محددة لكنه لا يمثل هذه الدائرة بل هو يعكس الإرادة الوطنية التي تتجسد في السلطة التشريعية. والأمر نفسه يمكن أن ينسحب من الناحية الفلسفية على قانون اللقاء الأرثوذكسي بحيث ينتخب النائب من قبل أبناء طائفته لكن سلطانه يأتي من الأمة صاحبة السيادة. لذلك، لا يشكل هذا القانون مخالفة دستورية من هذه الناحية كون الأمة التي تتألف من كل الطوائف تضفي شرعيتها على النائب وتمحضه أهلية للتعبير عن الإرادة العامة. فلا علاقة للنائب، إذا ما أردنا أن نحترم المقدمات الفلسفية التي انطلقنا منها، بالشريحة الشعبية التي منحته أصواتها.
وحيث أن المادة 21 من الدستور هي كما تبين معنا مادة فلسفية بامتياز لا يمكن بأي حال من الأحوال الركون إلى التفسير الحرفي والقانوني لها، كان لا بد من رد الاعتراض الذي يستند إليها بغية برهنة عدم دستورية القانون المذكور كونه يقع في غير موضعه.     
 
الأمة بين الدستور والميثاق:
تنص الفقرة "ب" من المادة الثانية من اقتراح قانون "اللقاء الأرثوذكسي" على التالي: "يتم انتخاب النواب المحددين لكلطائفة من قبل الناخبين التابعين لها على أساس النظام النسبي ويعتبر لبنان دائرةانتخابية واحدة...". ويطرح هذا النص مشكلة جوهرية تتعلق بتحديد مفهوم المواطن في لبنان: هل يجوز تقسيم المواطنين إلى فئات ومنح كل فئة امتيازات خاصة بها؟ 
ففي فرنسا على سبيل المثال، دأب المجلس الدستوري على الربط بين مبدأ المساواة ومبدأ عدم قابلية السيادة للتجزئة (indivisibilité de la souveraineté). وانطلاقا من هذا الربط رفض المجلس في قرار له بتاريخ 15-6-1999 الاعتراف بحقوق خاصة للجماعات على أساس اللغة أو الثقافة أو المعتقد. فوحدة الشعب الفرنسي والمساواة أمام القانون هي مبادئ أساسية دستورية لا تتوافق مع وجود حقوق تخص فقط فئة معينة من المواطنين. وفي السياق نفسه، رفض المجلس الدستوري الفرنسي التمييز بين الناخبين على أي أساس كان كالجنس أو الوضع الاجتماعي أو الدين (قرار تاريخ 18-11-1982). وقد علل ذلك انطلاقا من المبادئ الفلسفية ذاتها: وحدة السيادة تستتبع وحدة الجسم السياسي للأمة وما يرافق ذلك من وحدة المعايير التي يجب تطبيقها على المواطن الناخب.
لكن ما هو بديهي في فرنسا يتحول إلى مبهم في لبنان كون الدستور نفسه الذي يؤكد من جهة في مقدمته على "المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل" وعلى أن "لا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان" يخل من جهة أخرى بهذه المبادئ إذ يرسي في عدد من المواد تمييزا بين المواطنين على أساس الدين والطائفة. 
فالدستور اللبناني الحالي يمكن تفسيره إما حسب مقتضيات الفقرة "د" من مقدمته والمادة 27 منه وإما حسب الفقرة "ي" من المقدمة نفسها التي تعلن صراحة بأن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". هكذا يتضح لنا أن تحديد دستورية قانون "اللقاء الأرثوذكسي" يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة الدولة في لبنان وتحديد من هو صاحب السيادة في لبنان. بتعبير آخر، ما هي الأمة اللبنانية؟ ممن تتكون؟ وهل ميثاق العيش المشترك ينشئ الأمة أو يتبعها زمنيا؟ 
فإذا كانت السيادة تتجسد في الأمة حسب منطوق المادة 27 من الدستور، فإن القانون موضع البحث بمخالفته لمبدأ وحدة الشعب يفقد دستوريته إذ يخل بمفهوم المواطنة الذي يجب أن ينطبق على الجميع دون تمييز أو تفريق. لكن إذا كانت السيادة لا تعود إلى اللبنانيين كشعب بل كطوائف يتم التعبير عن إرادتها المشتركة بميثاق العيش المشترك فإن قانون "اللقاء الأرثوذكسي"، وبغض النظر عن موقف الأحزاب السياسية منه، يصبح منسجما مع طبيعة السلطة السيدة في لبنان وهو بالتالي لا يخالف الدستور. 
ولتوضيح هذا التناقض بشكل أكثر جلاء سنقوم بتحليل نقطة محددة من القانون تتعلق بالدوائر الانتخابية. ميزة هذا القانون أنه يلقي الضوء على إشكالية لم تكن مطروحة من قبل كوضعالأقليات المسلمة واليهود وعلاقتهم بميثاق العيش المشترك. فإذا كان لا يحق للبناني أن ينتخب إلا نوابا من طائفته، فالمواطن الذي لا يوجد نائب من طائفته في مجلس النواب يفقد حقه في الاقتراع، وهذا حال الأقليات المسلمة واليهود. فالمواطنون اليهود مثلا لا يوجد لهم نائب يمثلهم في المجلس على الرغم من أنهم طائفة معترف بها، والغريب أن الدستور هو الذي يحرمهم من التمثيل إذ إن المادة 24 منه تحصر النواب بالمسيحيين والمسلمين دون سواهم. وقد وجدت الفقرة "ج" من قانون "اللقاء الأرثوذكسي" حلا لهذا المأزق عندما نصت على التالي:
"يقترع الناخبون لمرشحين من طائفتهم فقط، أما الناخبون المسيحيون الذين ينتمون إلىطوائف الأقليات فيقترعون إلى مرشحي الأقليات وأما الناخبون المسلمون الذين ينتمونإلى طوائف الأقليات غير المخصص لها أي مقعد في المجلس النيابي فيكون لكل منهم الحقفي الاقتراع لمن يختارونهم من المرشحين المسلمين إلى أي طائفة انتموا وأما الناخبوناليهود فيكون لهم الحق في الاقتراع لمن يختاروهم من المرشحين المسلمين أو المسيحيين".
وهكذا يتبين لنا أن هذا القانون يصنف الناخبين وفقا لطوائفهم مع العلم أن العديد من اللبنانيين لا يشعرون بالانتماء إلى طائفتهم أو إلى طائفة أخرى، وهو بالتالي يفرض عليهم بشكل قسري هوية لم تكن لهم حرية القبول بها أو رفضها ما يخالف المبادئ الدستورية العامة. هذا فضلا على أن القانون يسمح لليهود بالاختيار بين المرشحين المسلمين والمسيحيين بينما يمنع هذه الحرية على سائر الطوائف المسيحية والمسلمة.
ولا يقف الخلل الدستوري عند هذا الحد بل يتفاقم نظرا لعدم تنبه مشروع القانون لوجود فئة من اللبنانيين لا تنتمي إلى طائفة ما عملا بأحكام الفقرة الثانية من المادة 10 المعدلة من القرار رقم 60 ل.ر. الصادر سنة 1936. فهل يفقد المواطن الذي يختار شطب مذهبه من سجلات القيد حقه ليس فقط بالترشح بل أيضا بالاقتراع؟ واستطرادا، كيف يمكن التوفيق بين حصرية التمثيل الطائفي المعتمدة في قانون "اللقاء الأرثوذكسي" ومبدأ حرية الاعتقاد المنصوص عليه في المادة التاسعة من الدستور والذي من شأنه الاعتراف بإمكانية رفض اعتناق دين أو طائفة ما؟     
ومن جهة أخرى، يقوم هذا القانون على فكرة مركزية ألا وهي تحويل الطوائف إلى دوائر انتخابية مكرسا بذلك الانتقال من المعيارين الجغرافي والإقليمي إلى المعيار الشخصي لتقسيم الدوائر. لكن المجلس الدستوري اللبناني سبق وأن أعلن في القرار رقم 4 تاريخ 7-8-1996 مبدأ ضرورة "إعطاء كل صوت القيمة الاقتراعية ذاتها في مختلف الدوائر الانتخابية". فإذا كان هذا المبدأ ممكن تطبيقه عندما يتعلق الأمر بدوائر جغرافية يسهل تقسيمها بشكل يراعي المساواة بين الناخبين، فإن احترام المبدأ نفسه يصبح من الصعب جدا لا بل من المستحيل في حال تم اعتماد كل طائفة كدائرة انتخابية نظرا للتباين الكبير بين عدد أبناء الطوائف: فثمة ناخب يحق له، لأنه ينتمي إلى طائفة معينة، بأن يختار 27 نائبا بينما لا يستطيع ناخب من طائفة أخرى التصويت إلا لثمانية نواب. وهذه مخالفة أخرى لمبدأ المساواة أمام القانون.
المفارقة الأخيرة التي لا بد من الإشارة إليها حتى لو كانت لا تشكل حجة دستورية قاطعة هي تلك التي تتعلق بالتباين الصارخ بين قانون "اللقاء الأرثوذكسي" من جهة الذي يكرس الطائفية في ذروتها والهدف المحدد من جهة ثانية في البند "ح" من مقدمة الدستور الذي يعلن صراحة بأن "إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية". صحيح أن هذه الخطة المرحلية مبهمة المعالم ويمكن تأويلها بطرق شتى لكن المراقب الموضوعي للجدل السياسي المهيمن اليوم على لبنان لا يمكنه سوى التندر على مآل الأمور وكيف أضحى القانون المذكور حسب الأسباب الموجبة التي تقدم بها الذين يتبنون اقتراح "اللقاء الأرثوذكسي "المدخل السليم"لبناء المواطنة الصحيحة وبدء البحث بسبل تجاوز الطائفية".   
إن كل هذا الخلل وما ينتج عنه من خرق جسيم لمبدأ المساواة أمام القانون لا يمكن تحديد مدى دستوريته (من النواحي التي تم ذكرها وليس من ناحية باقي أحكام القانون التي لم نتطرق إليها) إلا بعد الإجابة على السؤال الذي سبق وأشرنا إليه مرارا في متن هذا البحث: ما هي المبادئ التي تتمتع بقيمة دستورية في لبنان؟ أهي تلك المستمدة من نظرية السيادة الوطنية أم تلك المستنتجة من ميثاق العيش المشترك؟ بمعنى آخر، هل تنبع حقوق المواطن في لبنان من انتمائه إلى طائفة معترف بها رسميا أم هي حقوق ذاتية ملازمة لطبيعة الإنسان بغض النظر عن أي تصنيف آخر؟
لكن حل هذه الإشكاليات وتحديد من هو صاحب السيادة في لبنان لا يعودان إلى القانون ولا حتى إلى المجلس الدستوري الذي سيضطر في حال تم الطعن بالقانون إلى تقديم تصور عن ماهية الأمة اللبنانية ومن هو صاحب السلطان السيد. لكن الاجابة عن هذه الأسئلة تدخل في صلاحيات السلطة السيدة نفسها التي لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تخضع لرقابة حقوقية كونها هي التي تضع الدستور الذي تستمد منه سائر القوانين أهليتها. وهذا أمر منطقي إذ لا يمكن لأي نص وضعي الحد من سلطان صاحب السيادة. فالفلسفة السياسية تعلمنا بأن السيد يملك سلطة مطلقة وهو الذي يحق له تحديد نطاق اختصاصه، أي أنه يملك صلاحية الصلاحية (la compétence de la compétence). وبالتالي، إن دستورية قانون "اللقاء الأرثوذكسي"،كونها قضية تدخل في نطاق "ما بعد الحقوق" (métadroit) لا يمكن معالجتها إلا من قبل من يملك الأجوبة على الأسئلة المطروحة أعلاه، أي السلطة السيدة: سلطة سياسية بامتياز لا نعلم من يمتلكها في لبنان ولا كيف يمكنها أن تتدخل في النزاعات بغية حسمها ووضع حد نهائي لها.

 *مؤلف وكاتب وباحث في الفلسفة السياسية والقانون الدستوري
نُشر في العدد الثامن من مجلة المفكرة القانونية