في إطار مشروع دعم المعونة القضائية في لبنان المموّل من الاتحاد الأوروبي نظمت نقابة المحامين في بيروت أمس الأربعاء، مؤتمراً تحت عنوان "خدمة المعونة القضائية، الواقع وإمكانات التطوير". أرادت النقابة من خلال هذا المؤتمر "عرض ومناقشة واقع المعونة القضائية مع كافة الجهات العاملة وذات الصلة في هذا المضمار، بهدف تطوير هذه الخدمة". ولتحقيق الغاية المرتجاة، وضعت النقابة بين أيدي الحاضرين كتيباً يوضح ماهية المعونة القضائية، معلومات عن اللجنة[1] في نقابة المحامين في بيروت، الآليات المستحدثة لعملها، التطوير الذي تم إدخاله على أعمال وخدمات المعونة القضائية، إنجازات اللجنة وبيانات وإحصاءات مرتبطة بعملها.

تطورات بارزة

وفقاً للكتيب، تتلقى اللجنة طلبات المعونة القضائية من مصادر 3 أساسية هي "المحاكم بكافة إختصاصاتها وأنواعها وجميع درجاتها، قضاة التحقيق، وآمري السجون". يضاف اليها مصدر رابع هو "الطلبات المقدمة مباشرةً من قبل أصحاب العلاقة". وقد فتح الباب أمامها في إطار "آلية العمل المستحدثة" من قبل النقابة والتي بدأ تطويرها منذ عام 2014 بهدف تحسين خدمة المعونة القضائية. ويتم إستقبال هذه الطلبات في مركز المعونة القضائية في نقابة المحامين في قصر العدل في بيروت. هذا المركز بدوره يتم تطويره ومكننة العمل فيه. يضاف الى ما تقدم، مبادرة اللجنة للبحث عن آلية للوصول إلى الموقوفين إحتياطاً لمدة طويلة من دون محام. حيث تمكنت من خلال التعاون مع مصلحة السجون لدى وزارة العدل للحصول على جداول تسمح للمحامين بمتابعة الملفات وتقديم طلبات إخلاء سبيل لهم.

يترافق توسيع مجال استقبال الطلبات مع خطوات أخرى ضرورية لتلبية العدد الإضافي من الطلبات التي ترد الى اللجنة. ومن أبرز هذه الخطوات، تنظيم العمل ضمن أربعة أقسام تعنى بـ "توثيق الطلبات، المتابعة مع المحامين المكلفين بالدعاوى، قسم التثقيف والإعلام الذي ينظم دورات تدريبية للمتطوعين على جدول المعونة، وأخيراً قسم التواصل الذي يتولى التنسيق مع الجمعيات العاملة في مجال المعونة القضائية". كذا باتت اللجنة تعتمد في تكليفاتها على التخصصية بالنسبة لتكليف المحامين بالملفات بهدف تحسين هذه الخدمة وزيادة الثقة بها. نتيجة لهذه الجهود، باتت اللجنة، منذ عام 2014، "تنجز ما لا يقل عن الـ1000 ملف سنوياً" وفقاً للكتيب. وقد صدر عام 2015 أحكام بـ 205 دعوى تعود للسنة نفسها.

في سياق موازِ، أقدمت نقابة المحامين على رفع النفقات المدفوعة للمحامي عن كل ملف معونة من 250 دولار عن الملف ككل، إلى 400 دولار لكل درجة من درجات التقاضي.  فـ"نجحت في إستقطاب ليس فقط المحامين المتدرجين بل عدداً كبيراً من المحامين المسجلين على جدول الإستئناف للتطوع على جدول المعونة". ويشكل هذا الأمر تطوراً مهما، نسبةً لما كان الأمر عليه حتى عام 2013 حيث كانت معظم المكلفين من المتدرجين وهم في حالات كثيرة لا يملكون الخبرة الكافية لاتمام الملفات. فمن أصل 398 محام مكلف بقضايا معونة عام 2015، يوجد 237 محامين في الإستئناف. بالمقابل تم تكليف 161 متدرج بمثل هذه الملفات. هذا مع الإشارة الى أن مجموع عدد المحامين المتطوعين على جدول المعونة كانوا 431 محام لنفس العام.

أين الدولة والقانون؟

مقابل محاولات التحسين التي تقوم بها النقابة، فإنها تصطدم بعقبات عديدة. وهذه العقبات يمكن تقسيمها ضمن فئتين: صعوبات مادية، تقصير في إحالة الملفات الى اللجنة من قبل جهات مختصة. من الناحية المالية، تضاعفت التكلفة على عاتق نقابة المحامين إثر رفع قيمة تغطيتها للملفات من 250 دولار للمحامي عن الملف ككل في مختلف درجات المحاكمة، الى 400$ لكل درجة من درجاتها. هذا العبء وفقاً للكتيب، تفاقم في ظلّ "أعداد النازحين السوريين الهائل القادمين الى لبنان والمقيمين من دون أية إجراءات وتدابير متخذة من قبل الحكومات ولا من قبل المجتمع الدولي". وهو ما تجد اللجنة أنه أدى الى إزدياد عدد الطلبات المقدمة من اللبنانيين المتأثرين بالتبدلات الإقتصادية إثر التنافس في سوق العمل مع "النازحين"، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن "السواد الأعظم من النازحين هم من غير الميسورين". ويؤدي ذلك إلى ازدياد في عدد طلبات المعونة من اللبنانيين والأجانب على حد سواء. ويصطدم هذا التزايد بـ"إنعدام مشاركة الدولة في تمويل هذه الخدمات".

ويوضح الكتيب أن عدد الطلبات المقدمة الى المعونة إرتفع من 960 عام 2014 الى 1428 عام 2016. بالمقابل إرتفعت نسبة الأعباء المادية المترتبة على النقابة بنسبة 30%. هذا وقد بلغت نسبة المستفيدين من المعونة 22%، بينهم حوالي الـ 15% سوريين. وفي هذا الصدد، يوضح الكتيب أن اللجنة "تمنح خدمات المعونة القضائية المجانية للمستحقين من طالبي المعونة دون تمييز بين لبناني وغير لبناني.

أما على صعيد الطلبات التي تتم إحالتها من الجهات المختصة قانوناً. فلا تتعدى الطلبات المحالة من قبل قضاة التحقيق الـ30 في السنة. هذا وينعدم ورود مثل هذه الطلبات من قبل السجون وأماكن التوقيف، حيث يصف الكتيب هذا المصدر على أنه "شبه مشلول".

يشرح رئيس اللجنة الادارية في المعونة القضائية المحامي جورج فيعاني في حديث مع المفكرة أن اللجنة، وبهدف التوصل إلى حل في هذا المجال، "حاولت الوصول إلى هذه الفئة من خلال إستحداث مراكز لها داخل السجون". يضيف "قدمنا طلباً للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي من دون تلقي رد حتى اللحظة". كخطة بديلة "توجهنا إلى مصلحة السجون في وزارة العدل، حيث تمكنّا من الحصول على لائحة بأسماء الأشخاص الذين مر سنة على توقيفهم من دون محام". مع العلم أن المحامين قد باشروا "تقديم طلبات إخلاء سبيل في هذه المفات". الا أن هذه الطريقة "ليست طريقة عمل المعونة" يقول فيعاني.

في إطار مشابه، تبين البيانات المتعلقة بالفترة الممتدة بين 2011 حتى 2016، أن النسبة الأعلى من الطلبات تصل من محاكم الجنايات تليها المحكمة العسكرية. كما يلاحظ أن الطلبات الواردة من محاكم التمييز مجتمعة، أعدادها منخفضة جداً (بمعدل 23 من أصل 1000 طلب سنوياً).

يوضح فيعاني أنه بموجب قانون أصول المحاكمات المدنية يجب تقديم التمييز من قبل محام لديه وكالة. والمفارقة تظهر هنا بين "بعض القضاة الذين يقبلون تكليف نقيب المحامين على أنه وكالة، وآخرين يرفضون ذلك". ويؤدي هذا الأمر إلى خسارة بعض الأشخاص حقهم بهذه الدرجة في المحاكمة "لا سيما عندما تكون المهل قصيرة والشخص موقوفا وغير قادر على تغطية تكاليف كاتب العدل عند انتقاله إليه في مكان سجنه لتحرير الوكالة". هذه الإشكالية ليست محل تركيز من قبل اللجنة حالياً كما يبدو حيث "لم يتم تواصل مع محاكم التمييز بهذا الإطار تحديداً".

من جهة ثانية، يظهر تفاوت بين عدد طلبات المعونة المحالة من محاكم الجنايات حسب المناطق. ومعظمها من بيروت وجبل لبنان، فيما تنخفض بشكل ملحوظ بالنسبة لتلك المحالة من البقاع والجنوب. يوضح فيعاني أن "اللجنة لم تنفتح بعد كثيراً على المحاكم في المناطق البعيدة، لا سيما أن هذه المحاكم لا تزال تعتقد أن طلب المعونة قد يعرقل سير الدعوى". مع ذلك، "فإن اللجنة تبحث بالطريقة الفضلى لتحسين التواصل معهم، ربما عبر البريد". بالمقابل، "لا نتوجه لفتح مكاتب تابعة للمعونة في المناطق: فهذه الفكرة غير عملية في ظل إلزامية صدور التكاليف عن النقيب".

الثناء على عمل نقابة المحامين في بيروت لتعزيز دور لجنة المعونة القضائية أمر لا بد منه. لا سيما أنها تأخذ على عاتقها تأمين حق الدفاع في ملفات يرفضها محامون كثيرون، منها مثلاً "الإرهاب" وأبرزها ملفات "نهر البارد". وهذا يستوجب بالمقابل توجيه السؤال إلى الدولة نفسها، عن تقصيرها في مجال مساعدة المعسرين في الحصول على حقهم بالإنتصاف أمام المحاكم، أقله من خلال تخصيص موازنة لهذه اللجنة تمكنها من القيام بعمل أفضل. ففيعاني لا يخفي تردد اللجنة بالقيام بحملة إعلانية تدعو الناس لطلب المعونة من النقابة، لا سيما أن مثل هكذا دعوى "يستدعي وجود قدرة وجهوزية لتلبية أكبر عدد من الملفات". وهذا الأمر غير متوفر ضمن القدرات الحالية. فان كانت الحكومات لا تعمل على وضع أي خطة لمواجهة تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين يوماً بعد يوم، أليس الأجدر بها أقله أن تؤمن لهم حقهم في الدفاع عن أنفسهم والإنتصاف أقله؟ أم أن ترك الناس خارج أطر العدالة هو جزء ضروري لتحويلهم الى أدوات أكثر خضوعاً للزعماء ضمن علاقات نفعية وهو ما لا تريد السلطات وضع حد له.

 

1-  يقصد باللجنة في هذا المقال للجنة المعونة القضائية في نقابة المحامين في بيروت