بعد ترقب طويل قرر رئيس الجمهورية استخدام صلاحياته الدستورية المنصوص عليها في المادة 59 من الدستور وتأجيل انعقاد مجلس النواب لمدة شهر.

لكن تم التأجيل بموجب رسالة وجهها رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس النواب تضمنت التالي: "نبلغكم قرارنا بتأجيل انعقاد مجلس النواب في العقد العادي الراهن لمدة شهر واحد ابتداء من تاريخ 13/4/2017، وذلك إفساحاً في المجال لمزيد من الحوار للتوصّل إلى توافق على قانون جديد للانتخابات النيابية". 

لقد عددنا في مقالنا الأول السوابق التاريخية التي حصلت قبل الاستقلال وظهر جليا لنا ان كل تأجيل لمجلس النواب قد تم بمرسوم حمل إضافة إلى توقيع رئيس الجمهورية توقيع أمين سر الدولة أي رئيس مجلس الوزراء اليوم كون الدستور كان معلقا حينها. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل قام مجلس النواب في أول جلسة عقدها بعد التأجيل الذي قرره اميل اده في أذار 1936 إلى تلاوة مرسوم التأجيل عند افتتاح الجلسة إذ يمكننا أن نقرأ في محضر جلسة 17 نيسان 1936 التالي: " الرئيس ـ فتحت الجلسة وليتلى المرسوم الصادر بالرقم 202 المتعلق بتمديد عطلة المجلس شهراً واحداً. فتلاه السكرتير المعين وهذا نصه، مرسوم رقم 202/E...".

ان كل هذه السوابق تؤكد أن تأجيل دورة مجلس النواب لا يمكن أن يتم برسالة موجهة من رئيس الجمهورية بل بمرسوم يصدره هذا الأخير ويوقع عليه رئيس مجلس الوزراء أيضا ويتم نشره في الجريدة الرسمية.

وإذا كان لا بد من تأكيد إضافي يمكننا العودة إلى الجمهورية الثالثة في فرنسا التي تعتبر قوانينها الدستورية الصادرة سنة 1875 المصدر الذي اعتمدت عليه السلطة التأسيسية بغية صياغة الدستور اللبناني سنة 1926. وبالفعل نصت المادة الثانية من القانون الدستوري تاريخ 16 تموز 1875 على التالي:

“Le Président peut ajourner les chambres. Toutefois, l'ajournement ne peut excéder le terme d'un mois ni avoir lieu plus de deux fois dans la même session ».

وهي المادة التي أصبحت بحرفيتها المادة 59 من الدستور اللبناني. ومن خلال مراجعتنا لتاريخ فرنسا الدستوري نلاحظ أن الرئيس الفرنسي الماريشال ماكماهون بعد اندلاع أزمة أيار 1877 السياسية الشهيرة بين رئيس الجمهورية ومجلس النواب عمد إلى تأجيل اجتماع مجلسي الشيوخ والنواب لفترة شهر وقد تم ذلك بمرسوم حمل اضافة الى توقيع رئيس الجمهورية توقيع كل من وزير الداخلية "De Fourtou" ورئيس مجلس الوزراء "Broglie". وقد صدر هذا المرسوم في 18 أيار 1877 ونشر في العدد 30 من الجريدة الرسمية الفرنسية تاريخ 19 أيار 1877.

وقد أكد العلامة Eugene Pierre في كتابه المرجعي حول عمل مجلس النواب على ذلك فقال:

« Le président de la république a le droit d’ajourner les chambres (…) les décrets d’ajournement peuvent être précédés d’un message porté aux chambres par l’un des ministres » (Eugène Pierre, Traité de droit politique, électoral et parlementaire, cinquième édition,  Paris, p. 555).

فالأمر كان بديهيا لدرجة أن الكاتب تكلم عن كيفية ابلاغ المرسوم إلى البرلمان مباشرة ولم يكن مضطرا على التأكيد أن التأجيل يتم بمرسوم.

وفي حال وضعنا السوابق جانبا لا بد لنا علاوة على ذلك من مراجعة مواد الدستور اللبناني كي نتبين الوضع القانوني لعملية تأجيل انعقاد مجلس النواب.

 تنص المادة 54 من الدستور بشكل واضح على التالي: " مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصّون ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة"· وهذه المادة هي في صميم طبيعة النظام البرلماني القائم في لبنان إذ تفرض ضرورة توقيع جميع "مقرارات" رئيس الجمهورية من قبل رئيس مجلس الوزراء والوزراء المختصين بإستثناء المراسيم التي عددتها المادة. فهل يعتبر التأجيل في حالتنا تلك من المقررات أم لا؟

إن قرار التأجيل هو من حيث الشكل أقرب ما يكون إلى دعوة مجلس النواب إلى عقد استثنائي. ومن المعلوم أن الدعوة إلى عقود استثنائية تتم بمرسوم يصدره رئيس الجمهورية بناء على اقتراح من رئيس مجلس الوزراء. لذلك وعملا بقاعدة التوازي يعتبر التأجيل من المقررات التي يترتب عليها تداعيات قانونية أكيدة وهي لا يمكن أن تتم إلا بمرسوم.

ولا يرد على ذلك بالقول أن المادة 59 لا تذكر ضرورة صدور التأجيل بمرسوم كون المادة الثانية من القانون الدستوري الفرنسي لسنة 1875 لم تذكر أيضا أن ذلك يتم بمرسوم. وقد نضيف سببا تاريخيا إذ ان هذه المادة لم يتم استخدامها طوال فترة الاستقلال منذ 1943 لذلك ظلت على صياغتها منذ تعديلها سنة 1927 فلم يتنبه لها المجتمعون في الطائف وأبقوا عليها دون تعديل على اعتبار أنها سقطت في غياهب النسيان. ولو كانت هذه المادة من الأمور التي أثارت إشكاليات حينها لكان المجتمعون قرروا تعديلها بإضافة أن هذه الصلاحية لا تتم ممارستها الا بالاتفاق مع رئيس الحكومة كما حصل مع غالبية صلاحيات رئيس الجمهورية الأخرى.

ومن الأمثلة التي تساعدنا في حسم هذا النقاش الفقرة السادسة من المادة 53 من الدستور التي تنص على أن رئيس الجمهورية " يحيل مشاريع القوانين التي ترفع إليه من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب". فهذه المادة لا تذكر أن هذه الاحالة تتم بمرسوم لكن كما هو معلوم أن جميع مشاريع القوانين التي يحيلها رئيس الجمهورية تتم بمرسوم يحمل توقيع رئيس الحكومة والوزراء المختصين.

الصلاحيات الوحيدة التي منحها الدستور لرئيس الجمهورية منفردا هي تلك التي لا يترتب عليها تداعيات قانونية مباشرة وهي لا تحتاج إلى صدورها بمرسوم ويمكن لنا أن نعددها وفقا للتالي: الطعن بالقوانين أمام المجلس الدستوري (المادة 19)، طرح أي موضوع طارئ خارج جدول أعمال مجلس الوزراء وتوجيه الرسائل إلى مجلس النواب (المادة 53) والطلب من مجلس الوزراء إعادة النظر بمرسوم خلال مهلة الإصدار (المادة 56).

 نتفهم في ختام هذا البحث أن استخدام هذه الصلاحية لم يكن مألوفا في نظامنا الدستوري وربما كان هذا الأمر السبب وراء التخبط وعدم الوضوح الذي رافق طريقة ممارستها. لكن ذلك لا يحول دون التأكيد على أن هذا التأجيل الذي تم عبر توجيه كتاب إلى مجلس النواب هو مخالف للدستور وللسوابق القانونية ولا يأتلف بأي شكل من الأشكال مع قواعد النظام البرلماني.