بتاريخ 13/2/2017، أصدر مجلس شورى الدولة (الغرفة الأولى) قراراً نهائياً بما يتصل بضمان حق العمل للمعوقين في القطاع الخاص. فقد أوجب القرار على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التأكد من مدى التزام أصحاب العمل في المؤسسات المتوسطة والكبيرة بموجب توظيف ذوي الإعاقة وعدم إصدار براءات ذمة في حال المخالفة. كما أوجب على وزارة العمل جباية غرامات من المؤسسات الكبرى المخالفة.

وقد جاء هذا القرار تبعا لدعويين تقدم بهما اتحاد المقعدين اللبنانيين في إطار سعي استراتيجي من قبله إلى تفعيل الحقوق المكفولة بموجب قانون حقوق المعوقين رقم 220/2000 من خلال القضاء. وكان القانون المذكور ألزم في المادة 74 منه أصحاب العمل في القطاع الخاص التي لا يقل عدد الأجراء فيها عن ثلاثين على توظيف ذوي الإعاقة وفقاً لنسب معينة (استخدام أجير واحد في المؤسسات التي يعمل فيها بين 30 إلى 60 أجيراً، واستخدام نسبة 3% من الأجراء في المؤسسات التي يفوق عدد الأجراء فيها 60 أجيراً). كما منعت المادة المذكورة الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي من إعطاء براءات ذمة للمؤسسات المخالفة. وفيما تم تبرير التوجه القانوني هذا بإرادة الدولة بنقل مسألة الاعاقة من منطق الإحسان الى منطق الحق، ومن منطق الرعاية التي تعزل إلى منطق المواطنة والدمج، فإن السلطة التنفيذية والصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ما يزالان متلكئين في وضع هذه الحقوق موضع التنفيذ، تحت ذرائع عدة، أهمها غياب المراسيم التطبيقية.

وفي المراجعة الأولى المقدمة ضد الدولة (وزارة العمل)، طعن اتحاد المقعدين اللبنانيين برفضها الضمني (لزوم الصمت لشهرين) لطلبه بإلزام أصحاب العمل المخالفين لموجب توظيف الأشخاص المعوقين بتسديد غرامات مالية. أما في المراجعة الثانية المقدمة ضد الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، طعن الإتحاد برفض الصندوق الضمني لطلبه بالرجوع عن المذكرة رقم 300 التي سمح بموجبها إعطاء براءات ذمة لأصحاب العمل المخالفين. وفي كلا الدعويين، جاءت حجج الجهات الإدارية المطعون فيها مجردة من الجدية، الأمر الذي يشكل مؤشرا إضافيا على الإخلال المنتظم للإدارات العامة بمبدأ الخصم الشريف.

الخروج عن مبدأ "الخصم الشريف": نكء في جراح فئة مهمشة ومغبونة

"الخصم الشريف" هو مفهوم يؤشر إلى واجب إدارات القطاع العام على اختلافها اعتماد أصول معينة في الدفاع عن وجهة نظرها. ومن أهم هذه الأصول أن تلتزم الإدارات الصدق في وصف الوقائع المتصلة بالدعوى المقامة ضدها، والأمانة في تفسير القواعد العامة المطبقة عليها. وعليها الإبتعاد بالمقابل عن أي محاججة عبثية أو محفوفة بالتناقض أو مبنية على وقائع مغلوطة أو تفسير للقوانين لا يصمد أمام أي جدل جدّي. فأي توجّه مماثل يشكل خروجا عن مبدأ حيادية الإدارة العامة وتحايلاً على القضاء وعلى حقوق المواطنين بالتقاضي. كما ينمّ في الكثير من الأحيان عن ازدراء واستهتار بحقوق المواطنين وبمبدأ الشرعية. 

والإخلال بهذا المبدأ يصبح جدّ مستهجن، عند حصوله في دعاوى متصلة بحقوق فئات تعاني من ازدراء وغبن مزمنين ولجأت إلى القضاء للمطالبة بإنصافها. ففي هذه الحالات، يصبح أي موقف مماثل بمثابة نكءٍ في الجرح.  

وللأسف، كشف دفاع الإدارات العامة في هاتين الدعويين المتصلتين بحق العمل في القطاع الخاص لذوي الإعاقة الكثير من هذه المواقف الواهية، نكتفي بعرض بعض مثلين عنها:

أولا، أن الضمان الإجتماعي أدلى أن المادة 74 من القانون الصادر في حزيران 2000 التي تمنعه صراحة ومن دون لبس من إصدار براءة ذمة لأصحاب العمل المخالفين لا تمنعه عن ذلك. لماذا؟ لأن ثمة قانوناً صدر قبل حوالي 18 سنة من قانون 2000 وهو القانون 24/8219 كان عدّد الأمور التي تمنعه عن إصدار براءة ذمة، ولم يرد فيه أي ذكر لمخالفة موجب استخدام المعوقين. ولإعطاء هذا الدفع الواهي بداهة شيئا من الجدية بنظر القارئ العادي، لم يجد دفاع الصندوق حرجاً في إحاطة دفوعه بمبادئ قانونية لا علاقة لها بداهة بالمسألة المطروحة. فوفق الضمان، لا مجال لتطبيق قانون عام (قانون حقوق المعوقين) بوجود قانون خاص (مسألة تنظيم وإعطاء براءات الذمة) حتى ولو كان القانون "العام" خاصا بطبيعته لاتصاله بحقوق فئة محددة، وكان لاحقا للقانون الخاص، وتضمن بنداً واضحاً وصريحاً بمنع الصندوق عن عمل معين. وبالطبع، لا نحتاج هنا إلى مزيد من التعليق.

ثانيا، أن الضمان الإجتماعي أدلى أن الدعوى المقامة ضده هي من دون موضوع، طالما أن المذكرة رقم 300 المطعون فيها التي أجازت إعطاء براءات ذمة للمؤسسات المخالفة كانت لفترة مؤقتة (ستة أشهر) وأن انتهاء صلاحيتها يؤدي إلى إعادة العمل بمذكرة سابقة كان أعلن فيها الإلتزام بقانون حقوق المعوقين. فداحة هذا الموقف تتأتى من أمرين: الأول، أنه ناقض من خلاله حجته المشار إليها أعلاه والتي زعم فيها أنه حرّ من أي قيد فيما يتصل بحقوق المعوقين. والثاني وهو الأهم، أنه ناقض حقيقة تصرفاته ومفادها إعطاء براءات ذمة من دون أي تحقق في مدى الإلتزام بقانون حقوق المعوقين.

سقوط ذريعة الحاجة إلى مرسوم تنفيذي

منذ صدور قانون حقوق المعوقين، شاعت حجة تمثلت في اعتبار أن العديد من الحقوق التي أقرها تحتاج من اجل إقرارها إلى إصدار الحكومة لمرسوم يحدّد آلية تنفيذ كل من هذه الحقوق.[1] وقد أدى هذا الأمر إلى تعطيل العديد من الحقوق المكفولة بموجب هذا القانون، وإبقاء الأشخاص المعوقين في خانة انتظار يكاد لا ينتهي، لهذا المرسوم أو ذاك. وقد بدا لهم كأنما قانون 2000 الذي هللوا له لم يكن في حقيقته إلا مجرد إعلان للنوايا. وقد أعادت الدولة (وزراة العمل) الإدلاء بهذه الحجة متذرعة أن "القانون لم يتضمن أي إيضاحات حول المؤهلات المطلوبة في المعوق الذي يقع على رب العمل موجب استخدامه". 

وقد جاء المجلس ليدحض هذه الحيثية بالكامل، وذلك عملا بالقاعدة التي تنص على أن "القانون الجديد والأحكام التي يتضمنها تكون نافذة وقابلة للتطبيق المباشر وبالتالي ملزمة لجميع الهيئات والجهات والأشخاص"، وخصوصا أنه ثبت للمجلس عند التدقيق في القضية غياب أي سبب يبرّر الخروج عن هذه القاعدة. فأحكام المادة 74 جاءت "واضحة وصريحة في تحديدها لموجبات أرباب العمل في القطاع الخاص في تخصيص وظائف لذوي الإعاقة، كما حددت العقوبة التي تفرضها عيلهم وزارة العمل في حال إغفالهم هذا الموجب"؛ وهي فضلا عن ذلك خلتْ من أيّ إشارة صريحة إلى تعليق نفاذ المادة على إصدار نصوص تنفيذية. وتدعيماً لقراره، أوضح المجلس أن تحديد مؤهلات المعوق تتم بالتنسيق بين المؤسسة الوطنية للإستخدام التي تقدم إليها طلبات توظيف أشخاص معوقين وأصحاب العمل على ضوء طبيعة الوظيفة موضوع طلب الإستخدام، من دون أي حاجة لمرسوم تنفيذي. ويلحظ أن هذا الموقف أتى موافقاً لما كانت ذهبت إليه هيئة التشريع والاستشارات في استشارتها الصادرة في سنة 2005.[2]  

وهذا القرار إنما يذهب في نفس اتجاه الموقف الذي انتهى إليه مجلس الخدمة المدنية بعد بلبلة طويلة، فيما يتصل بحق المعوقين بالعمل في القطاع العام. فطوال سنوات، امتنع مجلس الخدمة المدنية عن تخصيص وظائف في القطاع العام للمعوقين (كوتا 3%) كما يفرضه القانون (المادة 73)، بحجة وجوب إصدار مرسوم يحدد الوظائف التي يسمح للمعوقين الإشتراك فيها تبعا لنوع الاعاقة وبما يتلاءم وطبيعة كل وظيفة من الوظائف العامة. إلا أنه وبعد سنوات، تبين جليا أن هذه الحجة، التي صورت على أنها قاطعة وأدت إلى حرمان شريحة واسعة من حقوقها لما يزيد عن عقد ونيف، هي حجة مبتذلة وغير صحيحة. وهذا ما عبّر عنه بوضوح كلي التغير الحاصل في موقف مجلس الخدمة المدنية إبتداء من العام 2010، حيث أكد على قيامه بتنظيم مباريات تسمح للمعوقين بالإشتراك بها "على أن لا تحول الإعاقة دون ممارسة المرشح لمهام الوظيفة المتقدم إليها بشكل كفؤ وسليم." كما أعلن المجلس مع وزارة الشؤون الاجتماعية في 2011 عن وضع آلية لتطبيق كوتا الـ3% في القطاع العام لكونه "قطاع الدولة ومسؤوليتها، والدولة صاحبة اليد العليا فيه التي يجب أن تكون هي القدوة للمؤسسات الخاصة في تطبيق القانون"، وذلك من خلال حجز نسب من الوظائف لأصحاب الاعاقات الذين ينجحون في الامتحانات دون الخضوع لأي تراتبية أو أي تسلسل نجاح[3].  

لا موازنة عامة منذ 2005، حجة أقبح من ذنب     

هنا نبلغ الحجة الأكثر فداحةً. فقد أدلت الدولة بأن "تطبيق أحكام المادة 74 يحتاج إلى إدراج بندين في الموازنة العامة: واحد يتعلق بالغرامات المستوفاة والثاني يتعلق بتعويض البطالة في حين أنه يستحيل في الوقت الحالي إدراج هذين البندين لعدم إقرار أي موازنة عامة منذ العام 2005". وفداحة هذه الحجة تتأتى من تذرّع وزارة العمل بالمخالفة الدستورية المرتكبة من الحكومات المتعاقبة ومجلس النواب في عدم وضع موازنات عامة منذ 2005 للتبرؤ من مسؤولياتها في كفالة حق العمل للمعوقين. وقد جاء جواب مجلس شورى الدولة حاسما في هذا الإطار، بقوله بأن "السبب المدلى به لا يمكن أن يشكل مبرراً لوزارة العمل بالتخلف عن أداء واجباتها وباستيفاء الغرامات الملحوظة قانوناً من رب العمل المخالف ... من خلال أوامر تحصيل تصدر لهذه الغاية، بحيث يعود للوزارة تنظيم هذه المسألة حسابياً وإدارياً على غرار ما تفعله بالنسبة لسائر الغرامات والرسوم والمبالغ التي تستوفيها طوال السنوات التي لم يجرِ خلالها إقرار أي موازنة".

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة المفكرة القانونية

 


[1]  نزار صاغية وغيدة فرنجية، حين تصاب الدولة بمرض قانوني مزمن: الحراك حول القانون 220/2000، من التشخيص الى غرفة العناية الفائقة، منشور على الموقع الإلكتروني للمفكرة القانونية، 10/5/2013.
[2]  الاستشارة رقم 774/2005 الصادر عن هيئة التشريع والاستشارات في زارة العدل، تاريخ 5/11/2005 (رقم الاساس 753/إ/2005).
[3]  عن كل هذه الأمور، يراجع التقرير المشار إليه في الهامش السابق.