إنتخابات نقابة المهندسين الأخيرة في بيروت شكلت حدثاً، يتوقع أن يظهر مع الوقت أنه منعطف في الواقع اللبناني. ففوز المهندس جاد ثابت عن لائحة نقابتي ليس مجرد خرق أحدثه نقابي مستقل في مواجهة السيطرة الحزبية على النقابات. بل أبعد من ذلك، هو فوز لرؤية تعيد للنقابة دورها الوطني. وقد يختصر ثابت، في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة الفضائية عام 2001، أثناء تواجده في باريس، هذه الرؤية بما عبر عنه وقتها: "حيز عملي في العالم العربي أصبح محدوداً جداً. بات عملي الأساسي أن أبني قصوراً للأمراء وأن أبني (فيلات) وأموراً من هذا النوع. هذا ترف كامل. فأنا لا أنظر لمهنتي على أني مزين وأبني قصوراً بالطراز الغربي (...) أنا مهنتي هي مهنة إجتماعية. فالمهندس يشارك في بناء المجتمع، يبني مساكن للناس ويبني مستشفيات، يبني مدارس، ويشارك في صناعة جسم المدينة، في بناء مدينة حية للناس العاديين.[1]

تخرّج ثابت مهندساً معمارياً من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1969. في منتصف الثمانينات وجد نفسه مضطراً للإختيار: إما الإنتقال من حيث ترعرع في "بيروت الغربية" الى "بيروت الشرقية"، نظراً لتصنيفه الطائفي، أو أن يترك لبنان. وكان الخيار الثاني، بالنسبة اليه هو الأفضل. في باريس، حيث بقي حوالي الثلاثة عقود من عمره، ركز عمله كمهندس معماري، على بناء المساكن الشعبية ومساكن لذوي الدخل المحدود. وقد حاز عن عمله هذا مع بداية الألفية الثالثة، من الدولة الفرنسية، على الجائزة الكبرى لتحسين السكن.

المفكرة القانونية تلتقي ثابت، في مقابلة خاصة تكلم فيها عن رؤيته لدور المهندس ونقابة المهندسين، هيكلية النقابة ودورها في رفع مستوى هذه المهنة، ما يصب أخيراً في المصلحة العامة للدولة والسكان.

ما هو الدور الأهم لنقيب ونقابة المهندسين بالنسبة لقضايا الشأن العام؟ وكيف ستعملون على تأديته؟

لنقيب المهندسين، بفعل القوانين اللبنانية، مكانته ودوره بالنسبة لقضايا الشأن العام. فهو مثلاً، عضو في المجلس الأعلى للتنظيم المدني.[2] لدى هذا المجلس، تمر المشاريع التي تحصل على طول الأراضي اللبنانية، إنطلاقاً من مزرعة الدجاج التي قد تنشأ في قرية بقاعية، مروراً بمحطة وقود تبنى في عكار وصولاً الى أكبر المشاريع في مختلف المناطق. في مجلس التنظيم المدني يبرز دور أساسي لنقيب المهندسين كونه من الأخصائيين الأقلة فيه. فالمجلس يضم النقيبين ( بيروت وطرابلس)، ومهندسين من القطاع الخاص، أما باقي الأعضاء فهم مدراء عامون في وزارت.

جلستي الأولى في التنظيم المدني حصلت بتاريخ (12/04/2017). أول طروحاتنا للمدير العام  للتنظيم المدني هو وضع دراسة مسبقة للمشاريع التي تطرح على المجلس حيث نتمكن من تحضير الرأي العام بخصوصها. فدور النقيب والنقابة، يبقى في مطلق الأحوال، إشراك المواطنين في النقاش سواء كان ذلك من خلال طرح القضايا في الإعلام عندما لا تسير الأمور في مسارها الطبيعي داخل المجلس، أو من خلال تنظيم نقاشات وندوات مفتوحة حول المشاريع الكبرى المطروحة على التنظيم المدني.

أبعد من المجلس الأعلى للتنظيم المدني، يمتد دور النقابة إلى كل قضايا المدينة. قد نظمت النقابة قبل شهرين ندوة حول مشكلة النفايات وطرحت فيها حلول[3]. ولكن للأسف جرى النقاش في أحد الفنادق وبشكل مغلق. من جهتي، أقف ضد هذا الأمر. أنا مع الندوات المفتوحة ومع وضع مضمونها كاملاً بين أيدي الرأي العام. السير أيضاً قضية أخرى وحلولها معروفة، فقط يجب إخراجها من الأدراج والضغط على الدولة لتنفيذها. دور النقابة هو الإقتراح والضغط على السلطة للتنفيذ.

أول ما يتبادر إلى ذهن المواطن عند الحديث عن دور النقابة في الشأن العام، هي مسألة الفوضى العمرانية. هل سيكون لهذه المسألة أولوية خلال فترة ولايتكم؟ وما هي مفاتيح الحل في هذا الشأن؟

يتصل موضوع الفوضى العمرانية، بدور النقيب في المجلس الأعلى للتنظيم المدني. لا سيما أن حل هذه الأزمة يتعلق بأمرين: المخطط التوجيهي وقانون البناء. كل هذه القضايا تشكل بالنسبة إلينا أولوية سنعمل لإرساء أسس الاصلاح فيها.

سنة 2009، أقر رسمياً المخطط التوجيهي العام لترتيب الأراضي اللبنانية. هذا المخطط يحدد الإتجاهات الكبرى لتنظيم كافة المناطق. هو مثلاً يحدد بشكل واضح أن المنطقة المحيطة بصخرة الروشة، وشاطئ الرملة البيضاء كمناطق يجب حمايتها بشكل كامل ويمنع البناء عليها. أيضاً يتضمن هذا المخطط توجيهات تتعلق بحرش بيروت، وغيرها الكثير. منذ إقراره، كان يجب أن توضع مخططات تفصيلية توجيهية لكل منطقة، وهذا الأمر الذي لم يحدث. بدورنا، نضع اليوم هذه المهمة ضمن أولوياتنا. وسنعمل كنقابة، خلال السنوات القادمة، على بلورة آلية للانطلاق من المخطط التوجيهي الشامل والتمكن من تطبيقه على أرض الواقع.

أما لناحية قانون البناء، فبرأينا أنه يلزم نسفه من الأساس وإعادة كتابته بالكامل. في هذا الإطار من الممكن أن نتعاون مثلاً مع نقابة المحامين، ونحن بإنتظار نتائج إنتخاباتها القادمة. فقانون البناء الموجود اليوم متخلف جداً، وكل التعديلات التي أدخلت عليه لم تهدف إلا إلى زيادة معدل الإستثمار، وهي بذلك تصب بشكل أساسي في مصلحة تجار البناء. المشكلة الجوهرية في قانون البناء أنه موحد لكل مناطق لبنان: فنفس القانون الذي يطبق في بيروت يطبق في الهرمل مثلاً، وهذا أمر مستحيل أن يستقيم. ذلك أنه لا بد من أن يطبق في المناطق الريفية قانون بناء يختلف عن الذي يطبق في المدينة. كذلك الأمر لا يهتم قانون البناء بالمسائل المتعلقة بالتراث، ولا بشكل المدينة، بل فقط يهتم بمعدلات الإستثمار. بهذا المعنى، إن قانون البناء النافذ حالياً هو الذي يخلق الفوضى العمرانية.

هذا العمل طويل ومعقّد. لذا فإن كل ما يمكن أن أعد به هو أن نبدأ بوضع الأسس. أما المسائل التي يمكن للنقابة أن تحدث تغيراً فيها على المدى الأقرب فتتعلق بالمساحات العامة. فهناك العديد من المشاريع منسية في أدراج البلدية. أنا شخصياً عملت مع المهندسين حبيب دبس وفريديريك فرنسيس لوضع مخطط أخضر لبيروت، يظهر الأماكن التي تتوافر فيها إمكانية خلق حدائق عامة. وقد إكتشفنا وجود إمكانيات هائلة. اليوم يمكن للنقابة أن تعرض هذه الدراسة على المهندسين وأن تدعو البلدية الى ندوة عامة حول المشروع، وتسألها عن سبب عدم التطبيق. وهكذا تلعب النقابة دوراً ليس فقط في تفعيل المشاريع الموجودة، بل أيضاً تضغط لوضع مشاريع جديدة.

كيف ستعملون في النقابة على تحسين إنخراط المهندسين، لا سيما الشباب، في المشاريع ذات الطابع العام التي تنفذها الدولة؟

إستعادة مبدأ المباراة الهندسية يعد اليوم من الأمور الأساسية على الصعيد النقابي الداخلي وعلى الصعيد العام. هذا المبدأ كان مطبقاً خلال فترة الستينات حيث كانت مشاريع القطاع العام التابعة للدولة أو للبلديات تتم من خلال مباريات هندسية يتنافس فيها المهندسون لتقديم المشروع الأفضل. اليوم هذا الأمر لا يحصل أبداً. فمجلس الإنماء والإعمار يعطي المشاريع لمكاتب كبيرة، إعتاد التعامل معها. بهذا تحول أمر تصميم هذه المشاريع  الى روتين. في حال تطبيق مبدأ المباراة الهندسية، لا تستبعد هذه المكاتب، بل تكون ملزمة بتقديم أفضل ما لديها من خلال مشاركتها في المباراة. هذا مع الإشارة إلى ضرورة احترام التناسب بين قدرة المكاتب الكبرى والمهندسين الذين يمارسون مهنتهم بشكل حرّ لا سيما الجدد.

أهمية المبارة تبرز في كشفها عن مواهب جديدة. وهي بطبيعة الحال، تؤدي بفعل المنافسة، إلى تحسين النوعية المعمارية والهندسية للمشاريع. كذلك الأمر تؤمن المباراة فرص عمل للمهندسين الشباب من خلال ما تتيحه أمامهم من فرص لدخول سوق العمل من خلال مواهبهم.

تقول أننا "نعيش عصر التحول البيئي". كيف تتفاعل النقابة برأيكم مع هذا العصر، وكيف يتبدل دور المهندس في ظله؟

سيكون لهذا العصر، أي عصر التحول البيئي، تأثير إقتصادي وإجتماعي وثقافي بحجم تأثير الثورة الصناعية. كما أنه، أي هذا العصر، سيحتم علينا الدخول في قضايا وتناقضات وصعوبات وآفاق جديدة. لذا، يجب من الآن أن نبدأ بتحضير أنفسنا. وبما أن الدولة غائبة عن هذه المرحلة وليست قادرة أن تلعب الدور، يكون على النقابة أن تقوم به. سيؤدي هذا التحول البيئي إلى تغير في طريقة تعامل المهندسين مع مهنتهم، فيلزمهم بإدخال التفكير البيئي إلى عملهم. كذا سيؤدي إلى انشاء وظائف جديدة ضمن هذه المهنة. الإهتمام بهذا التحول وإيلاؤه أهمية أساسية سيشكل ركيزة لتبوئنا كمهندسين مركزاً طليعياً في العالم العربي، كذلك الأمر لنقل المهندس اللبناني إلى المستوى العالمي.

نشر هذا المقال في العدد 49 من مجلة المفكرة القانونية

 

[1] - موعد في المهجر، قناة الجزيرة الفضائية، 26/2/2001 ( للإطلاع على كامل المقابلة)
[2] - أنشئ بالمرسوم الاشتراعي رقم 69 تاريخ 09/09/1983 وهو قانون التنظيم المدني في لبنان الذي يتضمن تأليف المجلس.
[3] - توصيات مؤتمر النفايات في لبنان التقنيات وخارطة الطريق، موقع نقابة المهندسين في بيروت، غرفة الأخبار، بيانات صحافية، 28 آذار 2017.