من تابع تشعبات القضية التي رفعها الخط الأخضر ضد شركة الإيدن باي، يعلم حجم الضغوط التي تعرض لها قضاة مجلس شورى الدولة للرجوع عن قرار وقف تنفيذ الأعمال في منطقة الرملة البيضا. وما نقصده بالضغوط، لا يعني بالضرورة ضغوطا مباشرة أو ترغيبا أو ترهيبا، إنما بالدرجة الأولى إيجاد مناخ يجعل القاضي المتمسك بقراره مستفرداً وسط محيطه (القضائي بشكل خاص)، وفي موقف يغلب عليه المنطق الدفاعي، فتضعف شيئا فشيئا قدرته على الإستمرار في قراره حتى تتلاشى تماما. ففي ظروف كهذه،  تضعف لدى القاضي، وبشكل لا شعوري، الأسباب التي تبرر تمسكه بقراره وتقوى لديه الأسباب التي تبرر رجوعه عنه. قد لا يتطابق هذا الوصف مع ما حصل في الغرفة الثالثة من مجلس شورى الدولة، وقد يكون أعضاء الغرفة تراجعوا عن قراريهم بوقف تنفيذ الأعمال، لأسباب اقتنعوا بها بمعزل عما أحاط بهم من عوامل ضغط. لكن المؤكد لأي مراقب أن ما حصل هنالك يشكل موضوعيا عوامل ضغط تمس باستقلال القضاء، ويقتضي التوقف عندها ودرسها، صونا لاستقلال القضاء وقدرته مستقبلا على حماية البيئة والصالح العام. وما يزيد أهمية التوقف عند هذه القضية هو طابعها الرمزي الذي اكتسبته بفعل أهميتها ومجرياتها، فباتت نموذجاً هاماً عن دور القضاء في التفاعل مع قضايا الناس وحماية الصالح العام، قبلما تتحول إلى نموذج عن الممارسات المعتمدة لإلغاء هذا الدور أو تحجيمه. ومن اللافت أن هذه الممارسات هدفت إلى التأثير على العاملين الأساسيين لإنجاح دينامية التفاعل بين القضاء والناس: فمن جهة، عملت على ثني القاضي عن مواجهة القوى المهيمنة والخروج عن الحدود التي تضعها هذه القوى، ومن جهة ثانية، هدفت إلى تجريد المواطن من صفة التقاضي دفاعا عن الصالح العام.      

القضاء تحت سقف القوى المهيمنة: المال والسياسة والهرمية القضائية...

الضغط الأول حصل من خلال إحباط القرار الصادر عن مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ الرخصة الأساسية في 8/2/2017. فما أن تمّت المطالبة بتنفيذ القرار، حتى سارع محافظ بيروت زياد شبيب (وهو قاض منتدب من مجلس شورى الدولة) ومسؤولون في الشركة إلى إعلان رفضهم وقف الأعمال على اعتبار أن القرار أوقف العمل بالترخيص الأساسي، وأنه بات من دون موضوع بعدما منح محافظ بيروت الشركة رخصة "جديدة" قبل أيام من صدوره. ورغم ضعف هذه الحجة، أفردت الإدارة الرسمية ما لها من نفوذ لتسويق هذه الفكرة. لا بل لم يجد محافظ بيروت حرجا في تبرير موقفه برفض التنفيذ بدعم وزير الداخلية المؤيد لوجهة نظره. وإذ نجح "الخط الأخضر" في الحصول في 6/3/2017 على قرار ثان يؤكد أن قرار وقف التنفيذ يشمل الرخصة التعديلية (الجديدة)، جاءت الممانعة في تنفيذ هذا القرار هذه المرة من قبل الشركة المتعهدة التي أعلنت عمليا عصيانها ليس فقط على قراري مجلس شورى الدولة ولكن أيضا على قرار المحافظ بوقف أعمال الورشة على أساسهما. وفيما تدخلت مفرزة حماية الشاطئ لوقف الورشة مرتين بناء على الطلب، فإنها عادت وانكفأت رضوخا لأوامر غير قانونية صادرة عن مراجع سياسية عليا، لا يمكن الجزم بهويتها لكنها تمر حكما بوزير الداخلية الرئيس المباشر عن قوى الأمن الداخلي. وقد ذهب وكيل الشركة (وهو محام) إلى حد وصف القرار القضائي بالأرعن والذي تم اتخاذه بخفة، في ازدراء واضح للهيئة القضائية التي أصدرته. وعليه، لم يتمكن الخط الأخضر من فرض تنفيذ القرار إلا بعد الحصول على قرار من قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بتاريخ 18/3/2017 بوقف الأعمال تحت طائلة تسديد غرامة قدرها مائة وخمسين مليون ليرة لبنانية عن كل يوم مخالفة.

وفيما جهد الناشطون وعدد من وسائل الإعلام في التنديد بامتناع المحافظ ومن ثم الشركة (وكلاهما برعاية وزير الداخلية) عن تنفيذ قراري مجلس شورى الدولة وتاليا بإخلالهما بمبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء، يلحظ أن مكتب مجلس شورى الدولة لم يحرّك ساكناً لفرض تنفيذ قراراته. لا بل أن الإعلام نقل عن إحدى مرجعيات هذا المجلس ما يبرر عدم تنفيذ        هذه القرارات، فيما يشبه طعنا بالذات[1]. رئاسة الجمهورية نفسها، المؤتمنة على الدستور، والتي تلقت بتاريخ 8/3/2017 للمرة الأولى، عريضة تدعوها لضمان تنفيذ القرارين القضائيين، لم تحرك ساكناً إزاء الإعتداء الحاصل على استقلال القضاء.

هذه هي المشهدية المنفّرة التي قدّر للرأي العام الإطلاع عليها. وكانت الرسالة منها واضحة ومفادها إحباط أي جهد اجتماعي بتغيير واقع الهيمنة من خلال القضاء ولغة القانون. فكأنما القانون ومعه أحلام الناس وطموحاتهم كلها عوامل تعجز عن إدخال أي تغيير في الواقع المعيوش والذي تتفرد القوة وحدها في تحديد معالمه. وعن هذه المشهدية، تتفرع أسئلة أخرى لا تقل خطورة، أهمها مدى انعكاساتها "المفترضة طبعاً" على نفسية القاضي، صاحب القرار، ومنعته. فمن المنطقي أن يدرك القاضي أمامها حجم القوى الرافضة لقراره مع ما قد يستتبع ذلك من متاعب أو خسائر مهنية. فأن تكون هذه القوى قادرة على تجاوز القانون والقضاء جهارا كما فعلت، يعني حكماً أن بإمكانها أن تفعل أسوأ من ذلك بكثير في الكواليس والغرف المغلقة، حيث يتقرّر مسار القضاة المهني. وأهمّ من ذلك ربما، ورغم استشعار القاضي أهمية الجهود المبذولة لتنفيذ قراراته، فإنه سيدرك أمام هذه المشهدية، أن تمسكه بقراراته سيكون بمثابة تضحية مجانية، يسدد ثمناً باهظاً عنها من دون أن يكون هنالك أيّ مردود فعليّ على أرض الواقع في ظلّ توازن القوى الحالي. ونكرر هنا أن ملاحظاتنا لا تعكس بالضرورة حقيقة موقف القضاة الذي نجهله، لكنها تستشرف ما يمكن أن يكون عليه حال القاضي العادي موضوعياً أمام تحديات مماثلة وفي ظل ظرف مماثل.

المواطن خارج االلعبة

الضغط الثاني جاء بنتيجة ما يشبه كلمة سر، هدفها رمي المواطن خارج اللعبة وعملياً الإمعان في عزل القاضي وإرغامه على التراجع عن قراراته. فبسحر ساحر، اتجهت مواقف فرقاء عدة (الدولة، البلدية، ومفوض الحكومة) إلى إبراز انتفاء الصفة والمصلحة لدى الخط الأخضر للإدعاء، وعلى نحو يخالف تماما مواقفها السابقة. وفيما قدم الخط الأخضر 11 حجة لتبرير ردّ طلب الرجوع عن قراري وقف التنفيذ، تجاهلت ردود هؤلاء بشكل عام هذه الحجج لتقتصر على مسألة انتفاء الصفة والمصلحة. فأن تثبت الإدارة العامة إلتزامها بالقانون ليس مهمّا، المهم هو إنكار دور المواطن –أي مواطن- في الدفاع عن البيئة أو الملك العام أو من المصالح العامة الأخرى. فلإدارات الدولة وحدها صلاحية الدفاع عن هذه المصالح وأي تدخل مواطني في أي من هذه الأمور يعدّ تطفلا وتجاوزا لصلاحياتها. وعليه، وبسحر ساحر، بدا كأنما القضية تحولت من قضية محورها الدفاع عن الملك والصالح العامين في وجه شركة نافذة، إلى قضية محورها الدفاع عن صلاحيات الدولة في حماية الصالح العام ضد جميع مواطنيها.  

الإشارة الأولى في هذا الصدد صدرت عن بلدية بيروت بالطعن بصفة الخط الأخضر بالإدعاء. واللافت أن هذا الموقف جاء مخالفاً لمواقف سابقة للبلدية أكدت فيها على صفة الجمعيات البيئية بالتدخل لحماية البيئة، من دون أن تستشعر أي حرج في نقض مواقفها السابقة. فكأنما صفة الجمعيات البيئية بالتقاضي مسألة نقبلها أو نرفضها على ضوء مصالحنا أو مزاجنا.

في الإتجاه نفسه، ذهبت هيئة القضايا، ممثلة الدولة أمام مجلس شورى الدولة، التي هي أيضا لم تجد حرجاً في نقض توجهها السابق بتأييد الدعوى في موضوعها ومطالبها. واللافت أن الهيئة أفردت 8 صفحات معللة لنفي صفة الخط الأخضر ونصف صفحة لنفي صحة مجمل الحجج الإحدى عشرة الأخرى من دون أي تعليل. ولم تجد الهيئة في هذا المجال حرجا في تشويه مطالب الخط الأخضر، بأن حصرتها بمطالبه بحماية الملك العام مع حجب سائر مطالبه المتصلة بحماية البيئة (أبرزها غياب الأثر البيئي وعدم مراعاة تراجع 25 مترا عن الأملاك البحرية). فإذا سجلت ذلك، انطلقت الهيئة في خطاب إقصائي لمجمل المواطنين، تحت غطاء الدفاع عن صلاحيات الدولة: "أن لهذه الأملاك العامة البحرية مرجعها المختص لحمايتها، وهي المديرية العامة للنقل البري والبحري لأنها تمثل الدولة المالكة الأساسية لهذه الأملاك في حمايتها والدفاع عنها ومنع كل اعتداء عليها، ولا يحق لأي كان سواء أكان شخصا معنوياً خاصاً أو عاماً أو طبيعيا جذب هذه الصلاحية لنفسه وإحلال نفسه محل الدولة". وبالطبع، هذه الحيثية، التي تصلح كمادة للتدريس حول توجهات الدولة واهتماماتها، تغني عن أيّ تعليق. فبدل أن تشكر الدولة للمواطن قيامه بالدفاع عن الملك العام، اختارت أن تخاصمه تمهيداً لإخراجه من الدعوى. ومن الإنعكاسات العملية لهذا الطرح أن بالإمكان تحصين مجمل الإعتداءات على الملك العام إزاء أي دعوى قد يقيمها أي مواطن، بمجرّد ضمان تواطؤ المديرية المذكورة أو على الأقل تقاعسها عن القيام بأي عمل لوقف التعدي. وما يجعل حماسة هيئة القضايا في الدفاع عن حصرية الدفاع عن الأملاك العامة البحرية موضع إستهجان، هو أنها تدافع عن صلاحيات حصرية ثبت عجز إدارات الدولة عن ممارستها، فتراكمت في سجلاتها على مدى العقود السابقة إشارات على آلاف التعديات على الأملاك العامة، من دون أن يكون لديها أي قدرة على جبهها أو وضع حدّ لها. فكأنّما الهيئة ترمي من خلال حصر الدّفاع عن الملك العام بإدارات الدّولة إلى إعطائها حقا استنسابيا بالقيام أو عدم القيام بذلك، وعمليا إلى تذكيّة الأعراف التي سارت عليها هذه الإدارات العامة ومحورها المحاصصة والمجاملة والفساد. ورغم فداحة هذا الموقف، لم يجد مفوض الحكومة بدوره حرجا في التراجع عن موقفه السابق بطلب وقف تنفيذ رخص البناء، ليطالب بدوره بالرجوع عن قرار وقف التنفيذ على ضوء انتفاء الصفة والمصلحة.

هذه المواقف المتناسقة، والتي ذهبت كلها في الإتجاه نفسه، تبين مسار المواجهة المجتمعية المقبلة: الدفاع عن حق التقاضي، مهما كان مضنيا، في مواجهة التقاعس المزمن والمتمادي لإدارات الدولة في حماية الصالح العام. فمن غير المقبول أن يبقى الملك العام سائباً أو أن يعتبر أي كان أن حماية البيئة مسألة عاطفية أو رومانسية في تجاهل تامّ لكل القوانين الملزمة.

نشر هذا المقال في العدد 49 من مجلة المفكرة القانونية

 

[1]  أخبار الجديد، 26/2/2017 حديث مع رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر.