تعرض عدد كبير من المواقع الإخبارية عبر شبكة الإنترنت للحجب، ومن بينها موقع «مدى مصر» مساء الأربعاء 24 مايو 2017. وهذا ما أكدته وكالة أنباء الشرق الأوسط – الوكالة الحكومية الرسمية[1]. وهذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها هذا العدد الواسع من المواقع الإخبارية للحجب في مصر. وعزت "مصادر أمنية رفيعة المستوى" حجب هذه المواقع لكونها "تتضمن محتوى يدعم الإرهاب والتطرف ويتعمد نشر الأكاذيب". وفيما أشارت وكالة الأنباء الرسمية إلى أنه تم اتّخاذ إجراءات قانونية حيال هذه المواقع، فإن إدارة مدى مصر أوضحت في بيان أنها لم تُخطر حتى الآن بأي إجراءات رسمية أو قانونية بشأن الموقع.

تنسيق مصري سعودي اماراتي

أبرز المواقع التي تم حجبها هي موقع «مصر العربية»، والموقع الإلكتروني لجريدة «المصريون» الأسبوعية، فضلًا عن كافة المواقع التابعة لشبكة «الجزيرة» القطرية وعدد آخر من الصحف والمواقع القطرية أو المدعومة من الدوحة أو المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، فضلًا عن موقع حركة حماس الفلسطينية. وجدير بالذكر أن حجب هذه المواقع تم بالتزامن مع حجب ذات المواقع في كل من السعودية والإمارات، ما يشير إلى وجود تنسيق مصري خليجي في هذا الشأن. إلا أن الحكومة المصرية أضافت للقائمة تلك، موقع «مدى مصر» الذي لا يزال من الممكن الولوج إليه من السعودية والإمارات.

المسؤول عن المنع... الكل يتنكر

أشارت مدى مصر في بيانها الصادر مساء الخميس إلى أنها تواصلت مع السيد أحمد سليم، أمين عام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والذي رفض تأكيد أو نفي اتخاذ قرار بالحجب. ونقلت مدى مصر عن السيد سليم قوله أنه لم يتم تفعيل دور المجلس كجهة منوطة بإدارة الأزمات المتعلقة بالمواقع الصحفية الالكترونية منذ تشكيله الشهر الماضي. وإذ تواصلت مدى مصر مع وزارة الاتصالات بناء على نصيحة سليم، فإنها لم تحظ إلا بوعود لم يتم وفاؤها حتى الآن.

من جانبه، صرح نقيب الصحفيين عبد المحسن سلامة في اتصال مع «مدى» أنه يتابع الموضوع عن قرب، مؤكدًا أنه لم يكن على علم بأن قائمة الحجب شملت مواقع مصرية من بينها "مدى مصر". وطلب سلامة من «مدى مصر» التقدم بمذكرة تفصيلية للنقابة لتوضيح ملابسات الحجب، ليقوم باعتمادها من جانبه ورفعها للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. وعلمت «مدى مصر» أن البيان الرسمي الصادر مساء أمس وصل إلى الصحف ووكالات الأنباء من رئاسة الجمهورية، وأن وزارة الداخلية نفت في تصريحات صحفية غير رسمية أن تكون لها أية علاقة باتخاذ قرار الحجب أو تنفيذه.

حرية الرأي بين مطرقة الطوارئ وسندان مكافحة الإرهاب

أشارت التصريحات الرسمية إلى اتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة المواقع التي تم حجبها، ما يشير إلى اعتماد الحكومة على أحد قانوني الإرهاب أو الطوارئ.

فمن جهة أولى، خول قانون الطوارئ لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام من بينها "مراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإغلاق أماكن طبعها"[2].

وطبقا لقانون الطوارئ يستطيع رئيس الجمهورية أو من يفوضه أن يصادر الصحف المطبوعة ويغلق أماكن طباعتها. وينطبق هذا الأمر على المواقع الالكترونية التي لم تكن موجودة حين صدر القانون منذ ما يزيد عن الخمسين عاماً. وتكون سلطة رئيس الجمهورية في هذه الحالة مقيدة بشرطين، الأول إجرائي وهو أن هذه الرقابة تمتد بامتداد حالة الطوارئ وتنتهي بانتهائها، والثاني موضوعي وهو أن هذه الرقابة تقتصر على الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي، وهو شرط فضفاض واسع لا يوجد له معايير محددة، ولا يخضع لأي رقابة قضائية، ما يمكن رئيس الجمهورية من منع ومصادرة الصحف كيفما يشاء وهو ما حدث من قبل مع جريدة البوابة.

أما قانون الإرهاب، فلا يقتصر على منع أو مصادرة الصحف والمواقع الالكترونية، بل هو ذهب إلى فرض إلى فرض عقوبات يمكن إنزالها بأصحاب المواقع الإلكترونية، تنوعت بين المنع والسجن والغرامة والحرمان من مزاولة المهنة، وصولا إلى عقوبة الإعدام في حالات معينة.

فالمادة 6 من قانون الإرهاب نصت على أن يُعاقب التحريض على ارتكاب أية جريمة إرهابية، بذات العقوبة المقررة للجريمة التامة، وذلك سواء كان هذا التحريض موجهاً لشخص محدد أو جماعة معينة، أو كان تحريضاً عاماً علنياً أو غير علني، وأياً كانت الوسيلة المستخدمة فيه، ولو لم يترتب على هذا التحريض أثر.

كما تعاقب المادة 28 كل من روج أو أعد للترويج، بطريق مباشر أو غير مباشر، لارتكاب أية جريمة إرهابية سواء بالقول أو الكتابة أو بأية وسيلة أخرى بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنين. واعتبرت من قبيل الترويج غير المباشر، الترويج للأفكار والمعتقدات الداعية لاستخدام العنف. وذلك بأي من الوسائل المنصوص عليها في الفقرة السابقة من هذه المادة. كما تعاقب المادة 29 كلّ من أنشأ أو استخدم موقعاً على شبكات الإتصالات أو شبكة المعلومات الدولية أو غيرها، بغرض الترويج للأفكار أو المعتقدات الداعية إلى ارتكاب أعمال إرهابية، أو حاول تضليل السلطات الأمنية، أو التأثير على سير العدالة في شأن أية جريمة إرهابية، أو لتبادل الرسائل وإصدار التكليفات بين الجماعات الإرهابية أو المنتمين إليها، أو المعلومات المتعلقة بأعمال أو تحركات الإرهابيين أو الجماعات الإرهابية في بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنين. كما تعاقب المادة 35 من القانون كل من تعمد، بأية وسيلة كانت، نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد، أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع، بغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه، وفي جميع الأحوال، للمحكمة أن تقضي بمنع المحكوم عليه من مزاولة المهنة لمدة لا تزيد على سنة، إذا وقعت الجريمة إخلالاً بأصول مهنته.

ويلاحظ أن القانون عدد صور وأشكال التجريم عن نفس الأفعال، مما يمنح  السلطات هامشا واسعا لإسكات كافة الأصوات المعارضة تحت غطاء مواجهة الإرهاب. وليس أدل على ذلك من نص المادة 35 التي تفرض عقوبة في حال نشر وسائل الاعلام رواية مخالفة للرواية الرسمية. فلم تجرم المادة المذكورة نشر أخبار كاذبة، ولكنها جرمت نشر أخبار تخالف الرواية الرسمية وإن كانت هذه الرواية كاذبة.

وتستمر مدى مصر

في ظل هذه البيئة القانونية المقيدة والتي تعرض ليس فقط المسؤولين عن المواقع المحجوبة للمساءلة القانونية، إنما كل العاملين فيها، كان من اللافت أن قرر فريق مدى مصر الإستمرار في العمل من خلال صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي[3].

 

[1] مصدر أمني: حجب 21 موقعا إلكترونيًا من بينها "الجزيرة نت" لتحريضها على الإرهاب ونشر الأكاذيبhttp://gate.ahram.org.eg/News/1518565.aspx
[2]  الفقرة الثانية من نص المادة 3 من قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958
[3]  https://web.facebook.com/notes/mada/24-%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AD%D8%AC%D8%A8-%D9%85%D8%AF%D9%89-%D9%85%D8%A7-%D9%86%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87-%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%86/1585109558212841/