علمت "المفكرة" أن زهاء عشرين قاضيا قرروا تغيير تسمية إحدى مجموعات الواتساب القضائية المنشأة حديثا، لتصبح "نادي قضاة لبنان". كما علمت أن مجلس القضاء الأعلى طلب من هيئة التفتيش القضائي استدعاء عدد من بين هؤلاء، من دون أن يتضح فيما إذا كان الأمر مرتبطا حصرا بإنشاء مجموعة النادي أم يتعلق أيضا بمزيد من المسائل المتصلة بالحراك القضائي. كما نما إلى المفكرة معلومات مفادها أن رئيس هيئة التفتيش القضائي سيستقبل القضاة المستدعين كمجموعة وليس كأفراد غدا أو بعد غد، مما يؤكد اتصال الاستدعاء بالحراك المشترك الذي يقوم به هؤلاء.

في هذه المناسبة، يهمّ المفكرة التذكير بالأمور الأربعة الآتية:

1- أن خطوة "نادي قضاة لبنان" تشبه من حيث شكلها تجربة قضاة المغرب في 2011، حيث عمد عدد من هؤلاء إلى إنشاء صفحة "نادي قضاة المغرب" على شبكة الفايسبوك. وقد تطور أمر الصفحة ليصبح النادي حقيقة بعد سبعة أشهر، وقد وصل عدد أعضائه فيما بعد إلى ما يزيد عن ألفي قاض من أصل 4000 قاض. وقد سمي قضاة نادي المغرب آنذاك ب "قضاة الفايسبوك". كما يلحظ أن نشاط القضاة آنذاك ترك آثاره على الدستور المغربي الذي كرس في الفصل 111 منه حريتي التعبير والتجمع للقضاة.  

2- أن إنشاء جمعيات من قبل القضاة والإنخراط فيها لا يشكل حرية مكفولة دستوريا وحسب، بل أداة ضرورية في ظروف معينة، لتمكينهم من الدفاع عن استقلالهم. فقد ثبت أن هذه الأداة أسهمت في الكثير من الدول، ومنها المغرب وتونس مؤخرا، (وقبلهما فرنسا وإيطاليا) في تدعيم استقلال القضاء. فلا شيء يضعف استقلال القضاء مثل استفراد القاضي، فيما أن تجمع القضاة قد يشكل في ظروف معينة حصنا أساسيا لاستقلاله. وهذا ما تثبته المبادئ الأساسية للأمم المتحدة المكرسة في سنة 1985 والتي جاء فيها أنه: "يتمتع القضاة بحرية تأسيس والالتحاق بجمعيات أو تنظيمات جماعية أخرى تمثّل مصالحهم الجماعية، تعزز تنشئتهم المهنية وتحمي استقلاليتهم القضائية" (المادة 9)؛ وأيضا الفقرة 1.7 من الشرعة الأوروبية حول نظام القضاة والتي تنصّ على أن "الجمعيات المهنية التي يؤسسها القضاة والتي يحقَ لجميع القضاة الالتحاق بها بحرّية، تُسهم بشكل ملحوظ في الدفاع عن الحقوق المناطة بهم في أنظمتهم، خصوصاً في ما خصَّ العلاقة مع السلطات والهيئات التي لها دور في اتخاذ قرارات متعلَقة بهم".

ولا يُردّ على ذلك بأن موجب التحفظ يمنع القضاة من ممارسة هاتين الحريتين. فهذا الموجب إنما يجد مبرر وجوده في صون حيادية القاضي واستقلاله، بحيث يمنع على القاضي أي مظهر أو تصرف قد يظهره منحازا وغير مستقل، ولا محلّ تاليا لتطبيقه لمنع حريات باتت ضرورة للدفاع عن هذا الاستقلال. فأي فائدة ترجى من تحفظ القاضي إذا حُرم من إمكانية الدفاع عن استقلاله؟ ودرءا لأي ذريعة لضرب هذه الحرية، يبقى القضاة مدعويين للتركيز على هدف استقلال القضاء على غرار أسلافهم في "حلقة الدراسات القضائية"، مع الابتعاد عن أي مصالح فئوية قد تناقض هذا الاستقلال.

3- أن لبنان عرف أول وآخر جمعية قضائية في 1969، بحيث أنشأ جمعية "حلقة الدراسات القضائية" مجموعة من القضاة اللبنانيين أمثال نسيب طربيه ويوسف جبران وعبد الباسط غندور وإيلي بخاش. وقد تم توثيق هذه التجربة الرائدة في كتاب "حين تجمع القضاة" عن تجمعات القضاة في الدول العربية، والذي ستعيد "المفكرة" نشر فصله اللبناني في منشور على حدة نظرا لنفاذ الطبعة الأولى ولأهمية التجارب التاريخية في استشراف المستقبل. 

4- أن المفكرة كما الائتلاف المدني لدعم استقلال القضاء وشفافيته (والمفكرة جزء منه) دعيا صراحة القضاة إلى إنشاء جمعية كونها باتت ضرورة للدفاع عن استقلال القضاء، بعدما بلغت ثقافة التدخل في القضاء حدها الأقصى.