في شهر أبريل/نيسان 2013، كان المجلس الوطني التأسيسي في تونس سباقا في اقرار قانون من شأنه اعادة صياغة العلاقة بين السلطة الحاكمة والقضاة، في اتجاه منح هؤلاء مزيدا من ضمانات الاستقلالية. وقد حصل ذلك في موازاة التخاصم والتصادم الحاصلين في مصر، على خلفية مشروع قانون السلطة القضائية. بالطبع، الهياكل القضائية المتنافسة ليست كلها راضية عن هذا القانون: فنقابة القضاة تدعو الى مقاطعته، وجمعية القضاة ترى فيه الحد الأدنى الذي يبقى دون طموحاتها. لكن المؤكد أنه كان لحراك القضاة دور كبير في تضمين عدد كبير من مطالبهم فيه، والأهم من ذلك أن القانون يتضمن آليات تسمح باستمرار هذا الحراك ومأسسته، أقله من خلال اعتماد مبدأ انتخاب نصف أعضاء الهيئة المشرفة على القضاء. كما سجل القانون اعتماد آليات هامة من شأنها التوفيق بين ضمانات استقلالية القضاة والحؤول دون تحول هذه الضمانات الى مانع ازاء محاسبتهم. ونظرا لأهمية هذا القانون بالنسبة لتونس ولمجمل الدول العربية التي تبحث عن ضمانات اضافية لاستقلالية للقضاء، تنشر المفكرة شرحا لأهم أحكامه (المحرر).   
على هامش حفل احتفالي انتظم يوم 3-5-2013 بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، ختم رئيس الجمهورية التونسية منصف المرزوقي قانون الهيئة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي، الذي كان المجلس الوطني التأسيسي أقره في 24-4-2013. وبذلك، تكون رئاسة الجمهورية حسمت سريعا موقفها من القانون رافضة اعتراضات نقابة القضاة والهيئة الوطنية للمحامين عليه، واضعة حدا للجدل الذي تواصل بعد مصادقة المجلس التأسيسي داخل الأوساط القضائية بين مجموعة ترحب بالقانون تزعمتها جمعية القضاة التونسيين التي رأت فيه تتويجا لنضالاتها ومجموعة كانت نقابة القضاة حاضنتها وتمسكت بمواصلة العمل على إسقاطه لكونه يؤدي حسب تقديرها لتدخل غير القضاة في شأن القضاء بما يضر باستقلاليته.
    وبقدر ما كان ختم القانون سريعا وحاسما، كانت ولادته متعثرة وعسيرة. فهذا القانون الذي كان يتوقع أن يكون الباكورة التشريعية لأعمال المجلس الوطني التأسيسي، أثار جدلا طويلا في مجمل مراحله. وقد انطلقت فعليا مشاورات مشروعه على مستوى اللجان الفنية مع بدايات عمل المجلس غير أن حدة الاستقطاب السياسي حوله وخشية السلطة الحاكمة من امكانية فقدانها لسلطتها على القضاء متى تم اقراره جعل المصادقة عليه تتعثر ومشروعه الأول يسقط مع مناقشة الفصل الأول منه، ليحتدم لاحقا الصراع حوله خارج المجلس النيابي لمدة ناهزت السنة أعقبتها صياغة مشروع جديد كانت مداولات النواب حوله متعثرة في منطلقها وأنذرت في أكثر من مرة ببوادر فشل مكرر. إلا أن التوافقات اللاحقة ودخول القضاة على الخط من خلال تحركاتهم الاحتجاجية الضاغطة وتحولهم الى جهة اقتراح حلول توافقية مكنت في نهاية المطاف بتاريخ 24-4-2013 من المصادقة عليه بأغلبية كاسحة.
جدل القضاة حول قانون الهيئة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي وان كان صاخبا لا يجب أن يحجب قيمته بالنسبة اليهم حيث أنه استلهم في جزء هام من أحكامه من أدبيات هياكلهم. فرغم أن المبادرة  باقتراح القانون عادت للجنة التشريع العام بالمجلس الوطني التأسيسي، فان مقترحات القضاة ومطالباتهم كانت المصدر الأهم للتنقيحات التي وردت في نص المشروع ووصل صدى تأثيرهم في صناعته التشريعية الى درجة نجاحهم في فرض استجابة النواب لمطالبتهم بمراجعة بعض أحكامه التي سبق وأن صادقوا عليه[1]. ويتجلى مما سلف أن القانون سمح للقضاة التونسيين لأول مرة في تاريخهم من المساهمة الايجابية في كتابة القوانين التي تحكم مساراتهم المهنية وتضمن لهم شروط الاستقلالية في عملهم. أنهى الاعتراف للقضاة بحقهم في ابداء الرأي والاقتراح وممارسة الضغط في خصوص القوانين التي تحكم قطاعهم عهدا كانت فيه قوانين المجلس الأعلى للقضاء تصاغ عكس مطالب القضاة. ولكن، ورغم العديد من الايجابيات التي أتت كثمرة لنضالات أجيال من القضاة صلب هياكلهم، يبقى القانون في عدد من أحكامه مخيبا للآمال وهو أمر يجب الاهتمام بكشفه لكي لا يتواصل الوهن في مستقبل الهياكل التي سيتم إرساؤها مع بداية الجمهورية الثانية وانتهاء المرحلة الانتقالية.
المكاسب في كيفية تكوين الهيئة: نصف الأعضاء من القضاة المنتخبين، وضوابط في تعيين أعضاء من خارج القضاء
يعد الاعتراف للقضاة العدليين بحقهم في انتخاب زملائهم الذين يمثلونهم في مجلس الهيئة أبرز مكسب أتى ليكرس ولو جزئيا ديموقراطية الهيكل. فقد تم اقرار مبدأ الانتخاب في اختيار عشرة من أعضاء الهيئة العشرين يكونون من القضاة المباشرين الذين ينتخبهم زملاؤهم ليمثلوهم ويكون ذلك مقابل خمسة أعضاء من القضاة الذين يرتقون آليا لعضوية الهيئة باعتبار خططهم الوظيفية، فضلا عن خمسة أعضاء من خارج الجسم القضائي.
وبالنظر الى توزيع هؤلاء القضاة، سيمثل أربعة منهم قضاة الرتبة الأولى أي القضاة الذين تقل أقدميتهم المهنية مبدئيا عن عشرة أعوام مقابل ثلاثة قضاة يمثلون الرتبة الثانية وثلاثة قضاة يمثلون الرتبة الثالثة أي قضاة الدرجة التعقيبية "قضاة النقض". والأغلبية النسبية لقضاة الرتبة الأولى المنتخبين في مقابل المنتخبين من بقية الرتب تعد بدورها مؤشرا ايجابيا يخفف من حدة الهرمية التي تميز الجسد القضائي، وان كان تعيين خمسة قضاة بمقتضى صفاتهم – وهم حكما من كبار القضاة - يؤدي الى نتائج معاكسة. وينسحب هذا التوازن بين الرتب على المجالس التأديبية على اعتبار أن هذه المجالس تتكون من ستة من أعضاء الهيئة: ثلاثة منهم معينون وثلاثة منتخبون مما يمنع كبار القضاة من التحكم الفردي في تأديب القضاة.
وارساء حق الانتخاب أتى ليقطع مع موروث كان يمنع القضاة من اختيار من يمثلهم بالمجلس الذي يتحكم بمصائرهم. وتضمن نص القانون حرصا على تأكيد الانتخاب الحر والسري والمباشر والذي تمتاز اجراءاته بالشفافية كآلية الاختيار في تلميح لما تمسكت به هياكل القضاة في مشاريعها وملاحظاتها التي ساقتها بشكل سابق من أن الانتخاب يجب أن يكون وفق آليات لا تتدخل فيها وزارة العدل التي اعتادت قبل الثورة تنظيم انتخابات غير مباشرة لا تخضع لأية اجراءات معلنة ولا تحظى بأية مصداقية لتعين عبرها قضاة مع الادعاء زورا بأن زملاءهم هم الذين تولوا انتخابهم. وفر القانون آلية تضمن شفافية الانتخاب وتتمثل في بعث لجنة انتخابات مستقلة يعينها مكتب رئاسة المجلس الوطني التأسيسي وتتركب من خمسة عشر عضوا تسعة منهم من القضاة يمثل كل ثلاثة منهم رتبة من الرتب القضائية وستة من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي وتتولى هيئة الانتخابات التي يتعين على وزارة العدل أن توفر لها كل الامكانيات اللوجستية اللازمة للقيام بمهامها السهر على الاعداد المادي للانتخابات بداية من فتح باب الترشحات وفحص ملفات المترشحين وصولا لتنظيم المؤتمر الانتخابي وإعلان النتائج.
وذات الحرص التشريعي على نزاهة العملية الانتخابية، عاضده سعي لضمان مصداقية الأعضاء المنتخبين من خلال تحديد شروط ترشح تقصي القضاة الذين تورطوا في منظومة الفساد القضائي من المشاركة في العملية الانتخابية اذ اشترط القانون في المترشح ألا يكون عضوا سابقا بأحد المجالس العليا السابقة للقضاء اعتبارا لكون المجالس المذكورة كانت أدوات استعملتها السلطة السياسية خلال الحقبة الاستبدادية لتدجين القضاء. كما منع من الترشح من استفاد من القضاة من محاكمات الرأي بترقيات أو امتيازات، وكل قاض انتمى لحزب التجمع الدستوري المنحل أو ناشد الرئيس المخلوع الترشح لولاية انتخابية أو مجد شخصه ونظامه وتولى الدعاية له بمشاركات في ملتقيات دولية أو كتابات. كما منع القضاة الذين تعرضوا لعقوبات تأديبية من حق الترشح.
ويشار هنا الى أن جمعية القضاة التونسيين كانت في مشروع القانون الذي صاغته وتولت مجموعة من نواب المجلس الوطني التأسيسي تقديمه كمقترح للجنة التي صاغت القانون، أول من تمسك بضرورة منع القضاة الذين تورطوا مع النظام السابق من الترشح لمنع معاودة انتاج منظومة الفساد ذاتها. وكان مشروعها يتضمن موانع ترشح أخرى، أبرزها منع الترشح عن كل من ساهم في عملية "الانقلاب" على جمعية القضاة سنة 2005 أو تولى المساهمة في هياكل الجمعية المنصبة تبعا لهذا "الانقلاب". ورغم أن مشروع القانون الذي قدمته لجنة الصياغة استبعد الشرط المذكور، فانه وأثناء الجلسة العامة تقدم أحد نواب المجلس الوطني التأسيسي باقتراح لإعادة اضافته فحظي اقتراحه بمصادقة الأغلبية النيابية في مرحلة أولى. فاستتبع ذلك رد فعل سلبيا جدا من نقابة القضاة التونسيين، التي بقيت بأية حال رافضة للقانون في مجمله في صيغته الأخيرة كما سبق بيانه. لا بل أن جمعية القضاة التي كانت هي المبادر لتبني هذا المنع، عادت وطلبت خطيا من المجلس التأسيسي إعادة النظر به لحصره بالذين شاركوا مباشرة في التخطيط للانقلاب أو تنفيذه، فتراجع المجلس عن الشرط بالكامل. وقد بررت الجمعية رجوعها عن موقفها السابق برغبتها بالحصول على موافقة أكبر عدد ممكن من القضاة على هذا القانون. كما يسجل وجود اعتبارات غير معلنة للجمعية تتعلق بوجود عدد من الناشطين صلبها ممن قد يشملهم هذا المنع.
وبعيدا عن الشرط الذي تم استبعاده فإن ما تم اقراره يبرز حرصا على توفير نزاهة كاملة في الأعضاء المنتخبين وهو ما يطرح تساؤلا بشأن مدى توفر حرص مماثل في أشخاص الأعضاء الحكميين اذ يفترض نظريا أن تتوفر لدى هؤلاء ذات الشروط، لكن القانون لزم الصمت بهذا الشأن. 
وذات الايجابية التي سجلت للقانون في آليات تحديده للقضاة القابلين للترشح لعضوية الهيئة، يمكن تسجيلها في خصوص أعضاء المجلس الخمسة من غير القضاة. فقد حرص القانون بفعل ضغط القضاة على التأكيد على وجوب تمتعهم بشرطي النزاهة والحياد السياسي. كما نص على كونهم كافة من الأساتذة الجامعيين المختصين في القانون وذات اقدمية معينة على أن يكون اثنان منهما على الأقل محامين علاوة على ذلك. ومن الضوابط الأخرى أن اللجنة التي تفحص صحة ترشيحاتهم، والتي بإمكانها استبعاد من لا تتوفر فيه الشروط المشار اليها أعلاه كالحياد السياسي، هي نفسها لجنة الانتخابات المشار اليها أعلاه التي تتكون في أغلبيتها المطلقة من القضاة. كما أن انتخاب هؤلاء من قبل أعضاء المجلس التأسيسي يجعلهم ذوي مشروعية انتخابية تعطي لهيئة القضاء صدقية هامة في الآراء التي تبديها في خصوص الشأن القضائي. ويتضح من خلال كل ذلك أن نضال هياكل القضاة المهنية أدى لتحقيق ضغط فعلي على أعضاء المجلس الوطني التأسيسي أنهى تصوراتهم السابقة التي اتجهت الى جعل الأعضاء في الهيئة من غير القضاة ينتقون في اطار محاصصة سياسية بين الرؤساء الثلاثة أي رئيس الحكومة ورئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيس الجمهورية. ورغم كون القضاة لم يتوصلوا لما كانوا يصبون اليه من تشكيل هيئة تمثلهم دون سواهم فانهم نجحوا في فرض شرط عدم تحزب الأعضاء من غير القضاة وفي ضمان تواجد أغلبية الثلثين من القضاة في عضوية الهيكل الذي يتكون وفق الجدول التالي :    
 

تركيبة الهيئة قضاة منتخبون قضاة حكميون أعضاء من خارج الجسم القضائي
20 10
(4 من الرتبة الأولى، و3 يمثلون كلا من الرتبتين الثانية والثالثة)
5 وهم: (الرئيس الاول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية ووكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب والمتفقد العام بوزارة العدل ورئيس المحكمة العقارية. اساتذة جامعيون متخصصون في القانون لا تقل اقدميتهم في التدريس عن 15 سنة اثنان منهما يجمعان بين التدريس والمحاماة مرسمون بجدول التعقيب ولا تقل أقدميتهما بالمحاماة عن 10 أعوام.
صلاحيات الهيئة      
أقر القانون للهيئة صلاحيات تقريرية بما يفيد تصورا هاما لدورها الوظيفي فهي تحتكر صلاحية تعيين وترقية ونقلة القضاة في اطار الحركة القضائية التي يصدرها رئيس الحكومة بناء على رأي مطابق تبديه الهيئة. وهذا يعني أن قرارات الهيئة باتت ملزمة لرئيس الحكومة الذي يتعين عليه التصريح بها بصفته جهة الاصدار دون أن يكون له حق مراجعة مضامينها. كما تختص الهيئة وحدها بتأديب القضاة ويستفاد من ذلك أن وزير العدل لم يعد بوسعه توجيه انذار للقضاة. كما أن الوزير بات ملزما بإحالة الملفات التأديبية التي تصله من مصالح التفقد للهيئة صاحبة الاختصاص من دون أن يكون له حق التقدير. ويبدو الحد من صلاحيات وزير العدل في المادة التأديبية مكسبا هاما في اتجاه الحد من وسائل تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية. كما ضمن القانون للهيئة ولاية كاملة على القضاة في مسارهم المهني وتأديبهم بما يؤدي آليا لفقدان السلطة التنفيذية لأهم سلاح كانت تستعمله في الاخضاع الممنهج للقضاة.
كما أعطيت الهيئة صلاحية الاقتراح والاستشارة في عدد من الأمور، منها ما يتصل بتعيين القضاة السامين في مناصبهم والذي بات يتم بناء على ترشيح من الهيئة. ورغم أن النص لم يلزم رئيس الحكومة بالالتزام بقرار الترشيح في خصوص التعيين، فإن الزامية تدخل الهيئة كجهة ترشيح تجعل رئيس الحكومة مبدئيا مخيرا بين أمرين أولهما القبول بمن رشحته الهيئة أو طلب اعادة الترشيح على اعتبار أن صلاحيته في التعيين ترتبط بالترشحات التي ترد عليه دون سواها. واعتبار الهيئة جهة ترشيح يؤدي بالواقع الى الحد من قدرة السلطة التنفيذية على التحكم في المناصب القضائية الكبرى وينتظر ان يؤدي جريان العمل لاحقا لتحول الترشيح الى قرار شبه ملزم للسلطة التنفيذية اعتبارا لكون مخالفة ترشيحها يؤخذ على أنه تدخل مشبوه في عمل القضاء.
كما أن دور الاقتراح والاستشارة للهيئة يتجاوز التعيينات ليشمل مشاريع القوانين. فاستشارة الهيئة وجوبية في مختلف القوانين والتشريعات التي تتعلق بمرفق القضاء ولها أن تبادر باقتراح الاصلاحات والتصورات التي تراها لازمة لاصلاح القضاء. وتبدو صلاحية المبادرة بالاقتراح مبهمة بعض الشيء على اعتبار أن المشرع لم يمنح الهيئة امكانية التحول الى جهة اقتراح قوانين أمام السلطة التشريعية بما يجعل التطبيق وحده كفيلا بإبراز شكل الممارسة في المبادرة والجهة التي عليها أن تنظر في المقترحات.
وأهمية دور الهيئة متعدد الأبعاد يستوجب توفير ضمانات في تعامل القاضي معها لكي لا تتحول الى أداة اخضاع وتدجين للقضاة على غرار ما قام به المجلس الأعلى للقضاء سابقا. وقد أخذ القانون بمعايير ومبادئ دولية يمكنها أن تحقق ذلك ولو جزئيا.
 
الضمانات التي توفرت للقضاة في مواجهة سلطات الهيئة
ألزم قانون الهيئة في اشارة ذات دلالة عند تعاطيها مع المسار المهني للقضاة باعتماد المعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية بما يعني وجوبا احترام تكافؤ الفرص بين القضاة في الترشح للخطط الوظيفية وبما قد يفسح المجال واسعا في التطبيق لتركيز كامل لمبدأ الترقية الآلية في الرتب القضائية بما أن المعايير الدولية تفيد اعتماد معيار الأقدمية في الارتقاء الوظيفي ومعيار الكفاءة في الاضطلاع بالخطط القضائية. وكان القانون في حديثه عن مبدأ عدم نقلة القاضي بدون رضاه واضح الصياغة والدلالة اذ أرسى لأول مرة في تاريخ القضاء التونسي المبدأ وحدد الاستثناء الذي يرد عليه. فبين أن القضاة لا يجوز نقلتهم من مراكز عملهم دون رضاهم الا اذا اقتضت مصلحة العمل ذلك ولم يتوفر من يرغب في الالتحاق بمكان العمل الشاغر تلقائيا. وانتهى القانون الى اعتبار النقلة الجبرية بدون رضى متى تمت يجب ألا تزيد مدتها عن سنة واحدة يصبح بعدها من المحتم ارجاع القاضي لمقر عمله ما لم يعبر عن رغبته في البقاء في المكان الذي انتقل اليه.
ويشكل تحديد صلاحيات الهيئة باحترام المعايير الدولية أولا وباحترام مبدأ عدم نقلة القاضي بدون رضاه ثانيا انتصارا لمطالب القضاة وتكريسا للمبادئ التي نجحت هياكلهم على مر الأجيال في تحويلها الى موضوع اتفاق عام. ويؤدي الزام الهيئة بالقواعد المذكورة في عملها الى الحد من سلطتها في اتجاه تأمين مزيد من الضمانات لاستقلالية القاضي الفرد. هذه الضمانات التي تتعزز بالطبع بما تم اقراره من وسائل طعن في قرارات الهيئة، بحيث مكن القانون القاضي من التظلم من قرارات الهيئة أمامها في مرحلة أولى ومن الطعن في قراراتها أمام المحكمة الادارية وهو أمر يجعل الهيئة خاضعة لرقابة قضائية خارجة عن سلطتها.
ويبدي التطرق لجملة المكتسبات التي تحققت للقضاة في قانون هيئة القضاء العدلي بفضل نضال هياكلهم المهنية أهمية المنجز غير أن الواقع يبين أن الهيئة التي ينتظر بعثها لن تكون في كل الأحوال المثال الأفضل لهيئة تحقق كامل شروط حسن ادارة القضاء وذلك اعتبارا للنقائص التي اعترت قواعد تأسيسها.
النقائص التي تمنع من اعتبار الهيئة ركيزة مثالية لبناء سلطة قضائية مستقلة
رفضت الأغلبية النيابية بالمجلس التأسيسي عند مناقشة مشروع قانون الهيئة المؤقتة للقضاء العدلي في نسخته الاولى القبول بأن تتمتع الهيئة بالشخصية القانونية وتمسكت في مقابل ذلك جمعية القضاة ومن ساندها من نواب المعارضة بطلب استقلالية الهيئة وكان ذلك سبب سقوط مشروع القانون يوم 2-8-2012. كانت استقلالية الهيئة اشتراطا وعدت الاستجابة له في قانون الهيئة بعد التصريح بكون الهيئة تتمتع بالاستقلالية الادارية والمالية مكسبا في نظر عديد المتتبعين. غير أن البحث في استقلالية الهيئة يبين أن المطلوب وما تحقق لا يعدو كونه شكليا. فقد اتجهت المطالبات باستقلالية الشخص المعنوي القانونية دون اعتبار لاستقلاليته العضوية، فكان أن تحققت استقلالية مالية وادارية وظل رغم وجودها تدخل وزارة العدل في عمل الهيئة قائما. ويبرز ضعف الاستقلالية الهيكلية بالنظر الى تبعية مصالح التفقد وادارة المصالح العدلية لوزارة العدل وتأثير ذلك سلبا على الاستقلالية الوظيفية للهيئة.
أبقى القانون على التبعية الهيكلية لمصالح التفقدية العامة ولوزارة العدل ولوزير العدل ولم يجعلها تابعة للهيئة. والتفقدية العامة تختص بتلقي الشكايات التي ترد في حق القضاة واجراء أعمال تفقد دوري أو فجائي على أعمال المحاكم وتحرير التقارير التي تكون سند التتبع التأديبي. كما لم ينص القانون على أن مصالح ادارة المصالح العدلية تتبع الهيئة بما يفيد استمرار تبعيتها لوزير العدل. واذا علمنا أن المصالح المذكورة هي التي تمسك فعليا الملفات المهنية للقضاة وهي من يحدد حاجيات المحاكم في الحركة القضائية، فاننا نتبين أن استقلالية الهيئة تم اختصارها في البحث عن الشخصية القانونية ومقوماتها دون ايلاء الاهتمام اللازم لشروط الاستقلالية الفعلية. هذه الاستقلالية الفعلية التي تنهض وجوبا عبر قطع التداخل بين وزارة العدل والهيئة بانهاء تبعية الهيئة للوزارة في كل ما يتعلق بتحديد توجهات الحركة القضائية من خلال الشغورات المعلنة ومن خلال توفير المعطيات الواجبة لأعضاء الهيئة لتحديد معايير تصنيفهم للقضاة المؤهلين للمشاركة في الحركة القضائية.
ويبدو أن هذا الهاجس لم يكن واردا في أذهان من أعدوا القانون بل أن ارادتهم اتجهت صراحة لما يناقضه كما يتبين ذلك من اسنادهم رئاسة الهيئة لرئيس محكمة التعقيب بما يعني أن رئيس هيئة القضاء العدلي لن يكون متفرغا لأعماله، وبما قد ينذر بإعادة انتاج هيئة تماثل المجلس الأعلى للقضاء في ادائها: هيئة تصدر القرار شكلا وتعجز عن صناعة مضمونه.
*قاضٍ تونسي
 نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية
 

[1] وهذا ما حصل بشأن الفصل 18 من القانون الذي ورد في صياغة مبهمة توحي بوجود ارادة في ايقاف كل قاض يشتبه باقترافه مخالفة تأديبية يمكن أن تكيف كجنحة أو جناية عن العمل آليا الى حين تمام محاكمته الجزائية، بحيث أعاد النواب لأول مرة في تاريخ مجلسهم مراجعة ما تولوا المصادقة عليه من فصول قانونية قبل تمامهم من المصادقة الكاملة على القانون، فحصروا الايقاف عن العمل وتعطيل التأديب لحين صدور الحكم الجزائي في الجرائم القصدية المخلة بالشرف، وذلك بناء على احتجاجات نقابة القضاة. وذات المراجعة تولاها المجلس استجابة لطلب جمعية القضاة التونسيين التي التمست حذف المشاركة في أعمال الانقلاب على هياكلها سنة 2005 من موانع الترشح للهيئة منعا لانقسام القضاة.