منذ انتهاء الحرب الأهلية في أوائل تسعينات القرن الماضي، بدأت تدريجيا ظاهرة استقدام عاملات أجنبيات للخدمة المنزلية، وظهر معها "نظام الكفالة" وما يسمح به من انتهاكات ترقى الى مستوىالاتجار بالبشر، ومنها استقدام العاملة بموجب شروط عمل تختلف جذريا عن شروط عملها الذي يفرض عليها لاحقا عند وصولها الى لبنان العمل بلغة لا تفهمها، فضلا عناساءة المعاملة التي تقارب أحيانا الاستعباد. ومن نماذج اساءة المعاملة الشائعة، حبس العاملات في المنازل ومصادرة جوازات سفرهن واخضاعهن لساعات عمل مرهقة تصل غالبا الى حد العمل القسري وعدم دفع أجورهن عند استحقاقها ولأشهر عدة وصولاالىالتعرضالمعنوي والجسديلهن ضربا واغتصابا. وخلال السنوات الأخيرة، نقلت وسائل الاعلام وبعض التقارير الصادرة عن مؤسسات المجتمع المدني، ما سمي بالانتحار أو بمحاولات الانتحار، والذي غالبا ما انتهى التحقيق بشأنه من دون التحري عن احتمال كون "الانتحار" أو "محاولة الانتحار" نحرا أو محاولة نحر، بل أيضا من دون التحري عما اذا كان ثمة حض على الانتحار أو دفع اليه، وهي أفعال تشكل جرائم جزائية وفق قانون العقوبات وقد تنتج عن طريقة التعامل معها على نحو يمس كرامتها وحريتها بشكل كبير. وانطلاقا من هذا الواقع المؤلم ومن التزام المفكرة القانونية بتخصيص حيز كبير من عملها لدرس العلاقة بين الفئات المهمشة والقضاء، يسرنا الاعلان عن اتفاق تعاون مع منظمة العمل الدولية لمتابعة قضايا عاملات المنازل الأجنبيات من الخارج أمام القضاء بشكل نتوخاه منتظما وممنهجا. فالقضاء هو المرجع المخول للبت في النزاعات التي تنشأ بين الأشخاص في واقع حياتهم اليومية، وهو علاوة على ذلك الجهةالتي بوسعها، اذا أرادت وتسنى لها نشر أعمالها والتعليق عليها أن تكون ساحة لمراجعة مجتمعية ذاتية ومتواصلة للآراء والمواقف المسبقة ومعها لظواهر الظلم والسلطوية والافتئات من الحقوق الأساسية للفئات الأضعف. والعمل الأول الذي ننشره في هذا الاطار يتصل بماهية الدعاوى التي قدمتها هذه العاملات وما زال عالقة أمام مجالس العمل التحكيمية في بيروت وبعبدا (المحرر).   
يستند هذا المقال الىالملفات القضائية العالقة حاليا أمام مجالسالعملالتحكيمية والتي قدمتها عاملات المنازل وما يتفرع عنها من دعاوى جزائية أو أحكامصادرة عنالقضاء الجزائيفيكل من محافظتي بيروت وبعبدا في عام 2013. وللاستكشاف الأولي لهذا النوع من الدعاوى أغراض عدة، منها التحري عن مدى لجوء الأخيراتالى القضاء من أجل الاستحصال على حقوقهن وكيفية القيام بذلك، كما التحري عن طبيعة الشكاوى والمطالب المثارة في هذه القضايا وعنمسار الدعاوى وما تؤول اليه، ودور الجهات المعنية فيها وأخيرا الأحكام التي قد تنتج عنها وما تتضمنه من حيثياتوأسس قانونية وواقعية. وقبل البدء بعرض النتائج الأولية للرصد الذي باشرنا به في أوائل شهر نيسان من هذا العام، من المهم أن نذكر أنقانون العمل اللبناني استثنى في المادة السابعة منه العمالة في الخدمة المنزلية سواء كانت أجنبية أم من التابعية اللبنانية، مما حرم هذه الفئة من الاستفادة من الضمانات والحماية التي يوفرها هذا القانون كالحق في تشكيل نقابة والحق في الاجازة السنوية والحد الأدنى للأجور، الخ.وما جعل وضعهن أكثر هشاشة هو قيام المديرية العامة للأمن العام بالتنسيق مع وزارة العمل وسائر الادارات العامة المختصة بإرساء النظام المعروف اليوم "بنظام الكفالة"، وهو عبارة عن عدد من التعليمات الداخلية الصادرة عن هذه المديرية والتي من شأنها ربط شرعية اقامة العامل أو العاملة في لبنان برضى صاحب أو صاحبةالعمل عنهأو عنها، مما يجعل هذا الأخير في موقع امتياز تعاقدي بالنسبة الى العامل لديه. ومن هذا المنطلق، وبدل أن يتدخل المشرع لضمان حقوق عمال المنازل وحمايتهم في مواجهة قوة أصحاب العمل الاقتصادية والاجتماعية وفق فلسفة التشريع في قوانين العمل كافة، ترى الادارات العامة تتدخل لإعطاء مزيد من الامتيازات والقوة لأصحاب العمل، مما يفسح المجال أمام المزيد من الاستغلال والتهميش. فبموجب هذا النظام لا تستطيع العاملة مثلا تغيير كفيلها الا بموافقة هذا الأخير و"تنازله" عن الكفالة "لصالح" كفيل آخر.
وسوف نعرض في هذا المقال الأول نتائج التمحيص في 22 ملفا قضائيا تنقسم على الشكل التالي: 10 ملفات أمام مجلس العمل التحكيمي في بيروت و12 ملفا أمام مجلس العمل التحكيمي في بعبدا (وهو ينظر في كل نزاعات العمل في محافظة جبل لبنان). وجميع هذه الملفات مقدمة من قبل عاملات (الجهة المدعية) من جنسيات مختلفة (أكثرهن أثيوبيات تليهن الفيليبينيات ثم النيباليات) وهي مقدمة بحدود 21 منها بواسطة محامي احدى المؤسسات الخيرية. وتصل العاملة الى هذه المؤسسة اما عن طريق سفارة بلادها التي تقوم بالاتصال بها أو مباشرة لمتابعة الأمر مع الجهات المعنية لحمايتها وتحصيل حقوقها قبل تسفيرها الى بلدها. والجدير ذكره أيضا أن جميعها يرمي الى الزام أصحاب العمل بتسديد أجور مستحقة وبدفع تعويضات عن (التسبب في) فسخ "عقد العمل"، مع الاشارة الى أن أيا منها لا يتضمن نسخة عن عقد عمل موقع بين العاملة وصاحبة العمل. وفيما يبقى عدد هذه الدعاوى المقدمة من هذه العاملات ضئيلا جدا (22 ملفا عالقا أمام المجالس التحكيمية في محافظتي بيروت وجبل لبنان فقط)[1]لم تتوفر لدينا أية دعوى مرفوعة من قبل صاحب العمل أمام هذه المجالس التحكيمية. وبالطبع، هذا لا يعني أن أصحاب العمل لا يواجهون أية مشاكل مع العاملات لديهم، بدليل تقدمهم بمئات الدعاوى أمام القضاء الجزائي بتهم الفرار والسرقة، انما يعني أن لديهم أسلحة منبثقة عن أوضاعهم الاجتماعية وعن امتياز "الكفالة" هي أكثر قوة وفاعلية (وفتكا) من الأسلحة التي قد توفرها علاقة العمل.
ومع التدقيق في الملفات موضوع الدراسة، تبين أنه في حالات أربع، ثمة اجراءات جزائية موازية لاجراءات العمل: الحالة الأولى، أمام قاضي التحقيق وموضوعها تعرض العاملة لضرب شديد أدى الى عطب عينها عطبا كليا.أما الدعاوى الثلاث الاخرى فقدمتهن المدعيات أمام القاضي المنفرد الجزائي على خلفية اساءة المعاملة والضرب والايذاء (المادة 554 عقوبات)، وكان أرباب العمل قد ادعوا في هذه الحالات الثلاث بالسرقة وادعت النيابة العامة عليهن بجرم عدم تجديد الاقامة (المادة 36 من قانون ال 1962). ويلاحظ أن الأحكام الجزائية الصادرة بحق العاملات قد برأتهن من جرم السرقة لعدم كفاية الدليل (خاصة أن القاضي اعتبر أنه لو قامت العاملة بالسرقة لكانت من باب أولى أخذت جواز سفرها الذي هو مع رب العمل). كما تم ابطال التعقبات ضدهن بجرم عدم تجديد الاقامة على اعتبار أن مسؤولية هذا الأمر تقع على الكفيل كما لم يثبت أنهن عملن عند شخص آخر بل لجأن مباشرة الى سفارات بلادهن التي أعلمت سلطات البلد فورا بذلك.
تحقيق أولي لدى الأمن العام، وغياب تام لوزارة العمل
وتقوم المؤسسة عموما فور لجوء العاملة اليها بإعلام الأمن العام مباشرة. ويصار الى التحقيق مع العاملة من قبل الأمن العام بوجود المحامي المعين لها من قبل المؤسسة المذكورة. وفيما قامت المؤسسة في حالة واحدة بتقديم اخبار للنيابة العامة تعلمها فيه أن العاملة في الخدمة المنزلية موجودة لديها وتعرض سبب تركها لعملها وتطلب أن يحال الاخبار الى الأمن العام للتحقيق، ليحال من بعدها الى القضاء المختص، لم يقدم أي طلب لوزارة العمل لإرغام صاحب العمل بتسديد العاملة حقوقها. والواقع أن وجود الأمن العام الطاغي وغياب وزارة العمل عن الملف انما يعكسان غلبة نظام الكفالة (أي ربط علاقة العمل بالاقامة المشروعة)، بحيث يتقدم دور الأمن العام ويتلاشى تماما دور الوزارة.  
المدة الزمنية للدعاوى: سنوات بأقل تقدير
وثمة مسألة أخرى متصلة بهذه الملفات وهي أن هناك فارقا بين تاريخ التحقيق الذي يقوم به الأمن العام وتاريخ تقديم الدعوى أمام مجلس العمل التحكيمي. فعلى سبيل المثال، تم التحقيق في 4 من الملفات الـ22 في عام 2007، في وقت تم تقديم 3 دعاوى عمل متصلة بها في عام 2010 (صدر حكم الاستئناف الجزائي الذي صدق الحكم الأولي، في عام 2009) وواحدة في عام 2009. ولربما يعود ذلك الى الربط الحاصل بين المسألة الجزائية وقضية العمل، وتأثير الأولى على الثانية عملا بمبدأ أن الجزاء يعقل الحقوق. كما قد يكون مرد ذلك هو السعي الى مصالحة بين الأطراف قبل اللجوء الى مجلس العمل التحكيمي، الا أن الملفات القضائية المرفوعة أمام مجلس العمل التحكيمي لا تتضمن ما يسمح بفهم ذلك لا من قريب ولا من بعيد. ويلاحظ أيضا أن 4 من الملفات لا تحتوي على محضر تحقيق، وبالتالي لا يمكن معرفة وتحديد الفترة الزمنية التي تفصل بين تاريخ اجراء التحقيق وتاريخ تقديم الدعوى، علما أن أحد هذه الملفات مقدم أمام مجلس العمل التحكيمي في بعبدا منذ عام 2008.
اضافة الى ذلك، يتبين أن جميع هذه الدعاوى تم تقديمها قبل عام 2013، ولم يبت بها حتى اليوم علما أن على مجلس العمل النظر في الدعاوى المقدمة أمامه بالطريقة المستعجلة. وقد تم تقديم الملفات العالقة أمام مجلس العمل التحكيمي في بيروت، بنسبة 6 دعاوى في 2010، ونسبة 4 منها في عام 2011 ولم يقدم أي منها في 2012. أما بالنسبة للملفات العالقة أمام مجلس العمل التحكيمي في بعبدا، نجد دعوى مقدمة منذ عام 2008، وأخرى منذ عام 2009، و4 دعاوى تم تقديمها خلال عام 2010، و5 خلال عام 2011 ودعوى واحدة فقط قدمت خلال عام 2012. ويتبين أن قلة عدد الملفات يعود الى عوامل عديدة، منها على سبيل المثال أن مجالس العمل التحكيمية في لبنان بقيت معطلة طوال سنة كاملة (عام 2011-2012) بسبب خلاف المراجع الوزارية المعنية على تعيين ممثلي العمال وأصحاب العمل، مما ثنى كثيرا من الأجراء عن تقديم دعاوى في هذا المجال.وهذا الأمر يشكل أيضا أحد أسباب تأخير البت بالدعاوى تضاف اليه أسباب أخرى، منها اشكالية التبليغات التي تظهر في غالبية الملفات اضافة الى اشكالية عدم حضور أحد أطراف الدعوى (سواء المدعية او المدعى عليها)، حيث أنه في ملفين من بين الملفات الـ12 في بعبدا وفي 7 ملفات من أصل 10 في بيروت، تم تأجيل الجلسات لعدم ابلاغ المدعى عليه. لا بل يسجل شطب دعوى منها من جدول الجلسات لغياب الفرقاء المتكرر (غاب وكيل المدعية في أكثر من 5 جلسات)، وأخرى تم شطبها خلال عام 2011 بسبب غياب وكيل المدعية المتكرر وأعيد تسجيلها خلال عام 2012 على الجدول.
المطالب: أجور غير مدفوعة وعطل وضرر
أما بخصوص ماهية المطالب المقدمة في هذه الدعاوى، يلحظ أن جميعها ترمي الى تسديد أجور ومطالبة بعطل وضرر نتيجة فسخ العقد من قبل رب العمل/ الكفيل. وهنا يتبين أن العطل والضرر المطلوب يتراوح في الغالب بين 10000 و20000 دولار امريكي بغض النظر عن قيمة المبلغ المتعلق بمطلب تسديد الأجور الذي يختلف بين حالة وأخرى، وفق عدد الأشهر غير المدفوعة وقيمة البدل الذي يبقى جد زهيد في غالبية الحالات. وهكذا، بلغ الأجر المطالب به في بعض الحالات 450 دولارا أميركيا وهو يمثل أجر ثلاثة أشهر غير مدفوعة تقريبا، ليصل الى 3000 دولار في حالات أخرى وهي بمثابة كامل الاجر المترتب للعاملة والذي لم يدفع منه شيء طوال فترة عملها. علما أن الملفات لا تبرز بشكل منهجي مدى تناسب التعويضات المطالب بها مع الضرر الحاصل.
اضافة إلى ذلك، إنه من غير الواضح على أي اساس يبنى مطلب العطل والضرر، بين ما اذا كان لتعويض الضرر الناتج عن فسخ العقد أو ذلك المتعلق بالاساءة التي تعرضت اليها العاملة، حيث أن معظم لوائح الاستحضار لم تفصل هذه المسألة، اذ أن بعضها يشير الى أن مطلب العطل والضرر مبني على أساس الاساءة في وقت أن اخرى تسنده الى الضرر الحاصل نتيجة فسخ العقد.
يبقى أن أكثر من نصف المذكرات المقدمة في هذه الدعاوى (14) لا تذكر المادة القانونية التي يستند اليها المحامي. بالمقابل، يظهر السند القانوني واضحا في حالات أخرى  تستند الى نصوص عامة واردة في قانون الموجبات والعقود، كالمواد242 و654 و656 من قانون الموجبات والعقود. والفرق بين هذين النوعين من المذكرات يتجلى في مطالب المدعية، حيث أن المذكرات التي لا تذكر مادة قانونية تحصر المطالب بالمطالبة بتسديد الاجور وبالعطل والضرر، بينما تلك التي تستند على مواد قانونية فتطالب، اضافة الى الاجور المستحقة وبدل العطل والضرر، ببدل انذار، أو بدل صرف تعسفي.
صاحب العمل: الفرار أصبح موضة والافتراء كذلك
وأيضا يتبينأن صاحب العمل يبقى غائبا في مسار الدعوى، فهو يظهر فقط في مرحلة التحقيق الاولي الذي يجريه الأمن العام، ليغيب من بعدها اما بسبب عدم تبلغه واما لعدم حضوره الجلسات. وعليه، نلحظ أن ثلاثة ملفات فقط تضمنت لائحة جوابية من المدعى عليه. وفي جميع الملفات، ينفي صاحب العمل نفيا قاطعا تعرضه للعاملة بالضرب والايذاء، كما تراه ينفي تهمة عدم تسديد الأجور في عديد من الحالات. وفي الحالات القليلة التي يقر فيها بوجود أجور غير مدفوعة، فانه يعمد الى المنازعة في قيمة المبلغ المطالب به من قبل العاملة بقوله إنه يفوق ما يترتب لها بذمته. ويلاحظ أيضا وجود نمط منهجي لدى أصحاب العمل يتمثل بالتقدم بشكاوى سرقة عند فرار العاملة، شكاوى غالبا ما تكون افترائية. وهذا الأمر يبدو ظاهرا في افادة أحد أصحاب العمل في أحد محاضر التحقيق حيث يدلي هذا الأخير بأنه "تقدمت بشكوى لدى النيابة العامة في جبل لبنان بجرم الفرار وذكرت فيها بحق الادعاء عليها بجرم السرقة في حال تبين ذلك لاحقا"، أو في افادة صاحب عمل آخر اتهم أيضا العاملة بسرقته حيث طلب من الأمن العام اعادة العاملة للعمل لديه "أطلب من حضرتكم اعادة الفليبينية المذكورة الى منزلي لتتابع عملها حتى تاريخ انتهاء عقد العمل الموقع من قبلها لمدة ثلاث سنوات وفي حال قبولها إنني اتنازل عن الشكوى المقدمة من قبلي ضدها وفي حال رفضت فانني غير مستعد للتنازل عن الشكوى وأطلب مقاضاتها أو إني على استعداد لدفع رواتبها المستحقة لمدة عشرين يومافقط وليس لمدة ثلاثة أشهر وانني على استعداد لتنفيذ أي قرار يصدر عن الأمن العام وأتعهد بتأمين تذكرة سفرها لإعادته الى بلادها". وهذا أمر يثير الاستغراب: ففي حال كانت العاملة قد أقدمت فعلا على سرقة رب عملها، فكيف يطلب هذا الأخير من الأمن العام اعادة العاملة الى المنزل لتتابع العمل لديه؟ بل ألا يشكل كتاب مماثل دليلا واضحا على أن اتهامها بالسرقة انما رمى الى تحقيق غاية واحدة، وهي ارغامها للعودة الى العمل لديه؟ وما يبدو أيضا مثيرا للاستغراب هو أنه يبدو عاديا أن يطلب من قوى الأمن "اعادة العاملة الى المنزل" وكأننا نتحدث عن سلعة أو عن عبد مملوك يعاد الى بيت الطاعة وليس عن انسان له حرية الخيار في مسائل كهذه.  
أما اللوائح الجوابية فتبرز بشكل خاص النظرة السائدة الى العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية. فمثلا عندما يتعلق الأمر بمسألة عدم تسديد أجور، نقرأ في احدى اللوائح الجوابية أنه "من المستحيل أن تقوم خادمة بالعمل دون ارسال رواتبها الشهرية الى بلدها أو عائلتها في وطنها الأم، الأمر الذي يؤكد أن طلب المدعية برواتب وأجور مستحقة مخالف للقانون ولواقع الحال"، كما نقرأ "أما بالنسبة لمبلغ العطل والضرر المبالغ به، فانه غير مستحق على الاطلاق وذلك أن المدعية ولو كان لها أية حقوق لدى المدعى عليها لكانت مؤسسة (مؤسسة خيرية) اهتمت بهذا الوضع وألزمت بطريقة أخلاقية المدعى عليها بتسديد الرواتب والأجور المتوجبة عليها". وكأنه بذلك يوحي بأن عل عاملات المنازل مبدئيا تحصيل حقوقهم من خلال مؤسسات خيرية تؤدي دور الوسيط بينهن وبين أصحاب العمل في حال وجود أي خلاف. بالمقابل، يشكل لجوؤهن الى القانون والقضاء دليلا ليس على تخلف صاحب العمل عن الدفع انما على فشل تلك الخادمات بإقناع المؤسسات الخيرية بحقوقهن. ومن هذا المنطلق، رأى صاحب العمل أنه يكفي في هذه الحالة الادلاء بهذه القرينة من دون أن يشعر بالمقابل بأي حاجة لتقديم أي اثبات (ابراز ايصال حوالات) على أنه تم تسديد أجور العاملة. لا بل ذهب أحدهم أبعد من ذلك بحيث ذكر في لائحته الجوابية أنه "من الثابت أن فرار الخادمات "موضة" أصبحت دارجة خاصة في هذه الأيام حيث اذا ما هزها الشوق لأهلها واشتاقت لديارها حملت أمتعتها وغادرت منزل مخدومها مجهزة نفسها برزمة من الأكاذيب والافتراءات جهزها من سبقها على هذا الدرب وهم كثيرون". وفي مذكرة أخرى، طلب محامي المدعى عليه الحكم على العاملة بتسديد عطل وضرر لتعسفها باستعمال الحق في التقاضي كونها هي التي هربت من المنزل وتقع عليها اذا مسؤولية فسخ العقد عليها.وأما عن مسألة عدم تسديد الأجور فاكتفى المحامي بتكرار أقوال صاحب العمل بأنه قام بتسديد الأجور من دون ابراز أي دليل على ذلك، وكأن كلمة صاحب العمل هي كلمة الحق، لا بل مجرد مخالفة كلمة هذا الأخير والقول إنه لم يسدد الاجور واللجوء الى القضاء بهذا الصدد يشكل تعسفا باستعمال الحق! لا بل أكثر من ذلك، توحي هذه الاجابات بأنه من وجهة نظر صاحب العمل، فان الفرار (ترك العمل) يشكل دوما المخالفة الكبرى وهي موضة غالبا ما تحصل نتيجة نزوة ومخطط احتيالي من قبل الخادمة وعصابات أخرى، من دون أن يكون في تصرفات صاحب العمل من اساءة معاملة أو تخلف عن دفع البدلات ما يبررها.
مفوض الحكومة يدين "الفرار" بسبب عدم تسديد البدلات
وبعد تبادل اللوائح الجوابية، يحال الملف الى مفوض الحكومة ليطلع عليه ويقدم مطالعته بشأنه ليعاد من ثم أمام مجلس العمل التحكيمي ليبت به. ومن ضمن الملفات الـ 22 موضوع المقال، يتضمن ملف واحد فقط رأي مفوض الحكومة في القضية، وهو ملف طالبت به العاملة بتسديد أجور ستة شهر غير مدفوع فضلا عن تعويض صرف تعسفي. وتعليقا على هذه الدعوى، اعتبر مفوض الحكومة أن عبء اثبات دفع الأجور يقع على رب العمل، مما يوجب اجابة طلب المدعية وتسديد الأجور المستحقة طالما أن صاحب العمل لم يقدم أي اثبات على هذا الأمر. أما بخصوص المسؤولية عن فسخ العقد، ورغم أنه أكد على أن صاحب العمل لم يبرز أي اثبات على أنه سدد أجور العاملة، فإنه عاد واعتبر أن مسؤولية فسخ العقد تقع على العاملة لأنها هي التي "فرت" من منزل المدعى عليه. وبالطبع، هنا أيضا نلقى أنفسنا أمام رأي مسبق آخر، مفاده أنه ليس للعاملة أن تترك مجال عملها مهما تعسف صاحب العمل، أقله مهما تخلف عن تسديد أجورها. وبالطبع، أن يصدر هذا الرأي المسبق عن مفوض الحكومة (وهو موظف في وزارة العمل) انما يطرح اشكالية كبرى في كيفية تعاطي هذه الوزارة مع هذه الفئة من العمال. ونسأل: ماذا بشأن العاملة أن تفعل برأي مفوض الحكومة في حال التخلف عن تسديد أجورها لأشهر عدة، هي التي تركت كل شيء للعمل في أقسى الظروف للحصول على هذه الأجور؟ أليس لها أن توقف خدماتها كنتيجة طبيعية لتخلف الطرف الآخر عن القيام بموجباته تجاهها؟ وألا يشكل ذلك مبدأ أساسيا في القانون قوامه المساواة بين المتعاقدين، أم هنا أيضا علينا أن نقبل بقاعدة الامتياز في علاقات العمل هذه؟
وبالرغم من عدم امكانيتنا الجزم بأن بحوزتنا جميع الملفات القضائية المتعلقة بالعاملات في الخدمة المنزلية المعروضة أمام مجالس العمل التحكيمية، الا أن وصول 22 حالة الى القضاء عبر جمعية واحدة وبعد لجوء العاملات الى سفارات بلادهن يؤشر الى عدد من الأمور: لم تلجأ العاملة الى الضابطة العدلية أو وزارة العمل أو أية مؤسسة تابعة للدولة اللبنانية أو نقابة لطلب الحماية وهذا يمكن أن يدل على أن العاملة لا تجد في الدولة اللبنانية أو في أي من اجهزتها أي حماية لها. كما يؤشر الى أن اللجوء الى القضاء مرتبط بشكل وثيق بالخدمة المقدمة من قبل الجمعية بالتنسيق مع السفارة مما يعني أن هذا أمر استثنائي وليس أمرا متاحا لغالبية الحالات. بقي أن نقولإن المسائل التي ظهرت عبر دراسة الملفات والتي تطرق اليها المقال من الممكن أن يشكل كل منها على حدة موضوع مقال يتناوله بعمق أكثر، وهذا ما سوف نتطرق اليه في الحلقات القادمة.
*باحثة في القانون، فريق عمل المفكرة القانونية
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية

[1] على الرغم من سعينا للحصول على كل الملفات الموجودة أمام هذه المحاكم، لا يمكننا أن نجزم بأنها تمثل جميع الملفات العالقة، وذلك بسبب عدم مكننة سجلات الدعاوى القضائية وبالتالي اضطرار الكتاب ورؤساء الاقلام الى العودة الى سجلات المحاكم التي لا تزال حتى اليوم تنجز يدويا. كما أن غياب احصاءات صادرة عن وزارتي العدل والعمل تصعب علينا التحقق من حصولنا على جميع الملفات. وبالتالي حصلنا على ما هو متوفر وما عثر موظفو القلم عليه في سجلاته الورقية.