بتاريخ 28/8/2017، أنهى مجلس القضاء الأعلى اعتكاف القضاة عن العمل والذي كان دعا إليه في 19/7/2017 احتجاجا على إقرار مشروع قانون يجيز للحكومة إعادة النظر بتقديمات صندوق تعاضد القضاة ويجعل رواتب موظفي الفئة الأولى وبعض موظفي الفئتين الثانية والثالثة أعلى من رواتب القضاة. وقد برر المجلس تعليق الاعتكاف بما لقيه من تفهم ووعود من الرؤساء الثلاثة (رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس المجلس النيابي) ووزير العدل، وبعدما تم إعداد اقتراح قانون معجل مكرر يرمي إلى معالجة "الآثار السلبية" الناتجة عن إيراد أحكام قانونية في قانون ينظم سلسلة رتب ورواتب موظفي القطاع العام" وقيام وزارة العدل بإعداد مشروع قانون جديد لسلسلة رتب ورواتب القضاة يصحح "الخلل" اللاحق بهذه السلسلة. وفيما كان تم تثبيت الاعتكاف بجمعية عمومية حضرها أكثر من 400 قاضيا في 24 تموز 2017 وشهدت تماهيا في المواقف بين مجلس القضاء الأعلى ومجموع القضاة، فإن المجلس استساغ الرجوع عن قرار الاعتكاف أحاديا من دون الرجوع إلى جمعية القضاة. ولم ينس المجلس أن يشكر في ختام بيانه المتقاضين على تفهمهم للاعتكاف، داعيا القضاة إلى مزيد من العطاء للإرتقاء بمستوى العدالة.  

وتبعا لتعليق الاعتكاف، وبانتظار ما سيؤول إليه مقترحا القانون المذكوران، من حق جميع المتقاضين والقضاة أن يتساءلوا عما حققه هذا الاعتكاف، وفيما إذا كان ما تحقق يبرر التضحيات الكبيرة التي فرضت على جميع المتقاضين بنتيجته. وهذه الأسئلة ضرورية لاستشراف سبل متابعة الحراك أو أي عمل جماعي مستقبلا.

ماذا حقق الاعتكاف على صعيد حقوق القضاة المالية؟

هنا، يظهر أولا أن ثمة اتفاقا سياسيا معلنا على الرجوع عن تهديد صندوق تعاضد القضاة، بمعنى أن ثمة اتفاقا على العودة إلى نقطة الصفر. وهو رجوع يفترض أن يتم من خلال إقرار اقتراح القانون المعجل المكرر الذي وقعه على حدّ ما علمت به المفكرة القانونية أربعة نواب من كتل مختلفة، وذلك في أول جلسة للهيئة العامة لمجلس النواب. بالمقابل، فإن تصحيح سلسلة رواتب القضاة على نحو يزيل التفاوت الحاصل بينها وبين رواتب موظفي الفئة الأولى أمامه مسار طويل: فعدا عن أن ثمة خلافا بين الكتل السياسية حول ملاءمة هذا التصحيح،  ثمة اتفاق فيما بينهم على وضعه على نار هادئة بعيدا عن آلية المعجل المكرر. وحاليا، ما يزال مشروع التصحيح على شكل مسودة مشروع قانون في وزارة العدل، وهو أمر يفترض بعد إنجازه أن توافق الحكومة عليه (وهو أمر غير مضمون) ومن بعدها لجان نيابية عدة قبل عرضه على الهيئة العامة. ومن المعلوم أن كل خطوة من هذه الخطوات ستستغرق أشهرا طويلة، قبل حسمها إيجابا أو سلبا. وعليه، بإمكاننا القول أن جلّ ما تحقق في ختام الاعتكاف هو الرجوع إلى النقطة صفر على صعيد صندوق تعاضد القضاة من دون إحراز أي تقدم على صعيد الرواتب. وأكثر من ذلك، تحاول مصادر عدة لدى السلطة السياسية التخفيف من حجم انتصار القضاة في العودة إلى الصفر بقولها أن هذه العودة لا تحصل بفعل اعتكاف القضاة أو بضغط منهم، إنما بإرادة صرفة منها. وهذه الادعاءات تستند إلى مجموعة من العوامل منها أن إقرار القانون حصل غفلة (بحض من النائب فؤاد السنيورة) وأن مختلف القوى السياسية أبدت استعدادها منذ بداية الأزمة بالعودة عنه حسبما اتضح من المقابلات التي أجراها مجلس القضاء الأعلى مع الرؤساء الثلاثة ووزير العدل وأن تعليق الاعتكاف حصل بأية حال نتيجة وعود وليس نتيجة إقرار القانون، مما يؤكد أن السلطة السياسية تتصرف بحرية في هذا المضمار من دون أي ضغط.

مهما يكن، حتى ولو افترضنا أن القضاة كسبوا في معركة الدفاع عن مكسب الصندوق، فإن ظاهر الأمور يبين أنهم فشلوا في معركة الدفاع عن نبل الوظيفة القضائية وعلو شأنها. وسيكون طبعا لهذا الأمر انعكاسات وخيمة على مستقبل القضاء واستقلاليته، وسيشجع السلطة السياسية على مزيد من التنكيل ووضع اليد.

ماذا حقق الاعتكاف على صعيد تعزيز قدرات القضاة في الدفاع عن حقوقهم؟    

هنا، وفيما اقتضى تسجيل بعض التقدم النسبي على مستوى تعزيز قدرات القضاة في الدفاع عن حقوقهم، فإن مجريات الاعتكاف شكلت في الوقت نفسه بالنسبة إلى القضاة مناسبة اكتشفوا بمعرضها مكامن ضعفهم، وبعضها بنيوي يحتاج إلى تغيير جذري في البيئتين القانونية والمهنية للقضاء.

تعزيز قدرة القضاة في التأثير على مجلس القضاء الأعلى؟

الاطلاع على النصوص القانونية يؤكد ضعف تأثير القضاة على قرارات الهيئات القضائية الناظمة لعملهم.  فبموجب هذه النصوص، يعيّن 8 من أصل 10 من أعضاء مجلس القضاء الأعلى من بينهم رئيسه والنائب العام التمييزي، كما يعين جميع أعضاء هيئة التفتيش القضائي من السلطة التنفيذية. إلا أن التفاعلات الأخيرة، منذ آذار 2017 وبالأخص منذ تموز 2017، بينت أن القضاة نجحوا ولو بدرجة محدودة، في اكتساب قدرة ولو محدودة نسبيا على التأثير على مجلس القضاء الأعلى وفي دفعه إلى الاستماع إلى مطالبهم والاستجابة لها أو على الأقل لبعضها. وقد تمثل هذا الأمر في تداعي القضاة للقاءات عدة على هامش الاعتكاف، أهمها لقاءان في قاعة محكمة التمييز، الأول في 24 تموز والثاني في 21 آب، وأيضا في العريضة التي وقعها 352 قاضيا في 7 آب، اضطر أعضاء مجلس القضاء الأعلى على حضورها والاستجابة لمطالبها. وقد بدت بنتيجة ذلك قرارات المجلس بالاعتكاف وبإعلان استمراره منسجمة مع المطلب العام للقضاة الذين استشعروا مسا كبيرا في حقوقهم المادية الأساسية ومصالحهم المعنوية. وقد بدا هذا الأمر واضحا بشكل خاص في أعقاب لقاء 21 آب، حيث أدى الحراك القضائي العام إلى دفع المجلس إلى إعلان الاستمرار بالاعتكاف بأكثرية أعضائه وتحديدا بأكثرية 6/10 منهم.

إلا أن مؤشرات عدة تؤكد بالمقابل أن قوة القضاة في التأثير على قرارات المجلس تبقى محدودة. ولعل أهم مؤشر على ذلك هو قرار العودة عن الاعتكاف والذي حصل من دون تشاور مسبق: فكأنما العملية التشاورية تتم فقط عند وجود تماهٍ بين المجلس أو على الأقل قسم منه ومجموع القضاة فيما تصبح غير مرغوبة في الحالات الأخرى منعا للإحراج.

ومن المؤشرات السلبية الأخرى هو كيفية تعامل رئيس مجلس القضاء الأعلى مع عريضة 352 قاض: فقد نما إلى المفكرة أن رئيس المجلس أوعز للوفد الانتظار لأكثر من ساعتين قبل استلامها على نحو يؤشر إلى عدم رضاه عن حصولها وأنه اشترط بداية أن يتم تسليمه إياها من خلال الهيئات الاستشارية والرؤساء الأول لمحاكم الاستئناف، من باب السعي إلى إحباطها أو إعاقة تنظيمها.

وفي موازاة ذلك، يسجل مؤشران مقلقان:

الأول، إقالة رئيس مجلس شورى الدولة بقرار من مجلس الوزراء ومن دون أي تعليل. وفيما تكثر الشواهد على أن قرار العزل كان متخذا من قبل، فإن توقيته في خضم الاعتكاف جاء بمثابة تذكير بسلطة الحكومة على إقالة رئيس مجلس القضاء الأعلى بقرار سياسي في أي حين، وتاليا تنبيه له أن منصبه تتحكم فيه السلطة السياسية وليس القضاة وأن عليه تاليا تغليب مصالح الأولى على مصالح هؤلاء.

والمؤشر الثاني المقلق هو إثارة قضايا تؤشر إلى وجود ملف فساد بحق رئيس مجلس القضاء الأعلى وفق ما نشرته ليبانون ديبايت، وهو أمر يرشح عن رسائل واضحة موجهة إلى هذا الأخير وفق حديث مستمر حول توجه السلطة السياسية إلى تغييره.

تعزيز روابط التضامن بين القضاة:

تحصين الواتساب وعريضة وتضامن للمرة الأولى ضد إجراءات تأديبية وناد افتراضي للقضاة

بالرغم مما شهدناه من تطور على هذا الصعيد، تبقى الأمور رمادية غلى حد كبير. فعلى صعيد الإيجابيات، يمكن ذكر عدد منها، أبرزها الآتية:

أولا، تم تحصين الواتساب الذي يشكل دعامة الكترونية أساسية لتعزيز التواصل بين القضاة، وتاليا لنشوء رأي عام وحراك قضائيين. وقد تم ذلك من خلال زيادة عدد الأعضاء المنضمين إلى المجموعتين المنشأتين لقضاة لبنان. ويذكر هنا أن المجموعتين كانتا نشأتا في آذار 2017 في موازاة الجلسات التشريعية الأولى لإقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب وقد ضمتا آنذاك ما يزيد عن 300 قاضيا، ثم عادتا لينحسر عدد القضاة فيهما إلى قرابة 100 بعدما أصدر مجلس القضاء الأعلى بتاريخ 11/5/2017 تعميما للقضاة بوجوب الانسحاب منهما. وما ان تم إقرار قانون السلسلة في 19 تموز، حتى عاد القضاة للانضمام إلى المجموعتين ولتعود تفاعلاتهم إليه بزخم أقوى من السابق،

ثانيا، شكلت مجموعتا الواتساب عاملا رئيسيا في بناء الرأي العام والحراك القضائيين. فبفعلهما، نجح القضاة في التداعي إلى أكثر من لقاء في الفترة الممتدة من آذار حتى آب 2017، وإلى فرض آرائهم بنسبة أو بأخرى، ولو مؤقتا على مجلس القضاء الأعلى .  

ثالثا، أن القضاة نجحوا من خلال مجموعتي الوتساب في تطوير قدراتهم على صوغ مطالبهم رغم تباعدهم جغرافيا في فترة العطلة القضائية. وقد أسفرت نقاشاتهم على صياغة عريضة وتوقيعها إلكترونيا للمرة الأولى من قبل 352 قاضيا. وقد جاءت هذه العريضة بما تضمنته لتخرق صمت القضاة إلى حد ما،

رابعا، أن القضاة تضامنوا في سابقة لم تشهدها العدلية من قبل، مع زملاء لهم تم استدعاؤهم إلى هيئة التفتيش القضائي على خلفية نشاطهم في الحراك القضائي. ويرجح أنه كان لهذا التضامن القضائي أثر إيجابي على تحويل الاستدعاء من استدعاء فردي يغلب عليه طابع المساءلة ل 8 قضاة كلا على حدى إلى استدعاء لهؤلاء جميعا لجلسة استماع مشتركة تم التباحث فيها بشأن أخلاقيات القضاة وحدود حرية التعبير للقضاة، بعيدا عن أي إجراء تأديبي. وهذه السابقة تكتسي أهميتها كاملة عند مقارنتها بحالات أخرى، تم فيها استدعاء قضاة إلى تحقيق تأديبي على خليفة محاضرات ألقوها (الحالة الأشهر هي حالة القاضي الراحل نسيب طربيه) أو مشاركتهم في تعندوة لإصلاح القضاء (ندوة المفكرة في 16 ديسمبر 2013).

خامسا، أن القضاة سجلوا خطوة إضافية على صعيد تعزيز روابط التضامن فيما بينهم مع تغيير تسمية المجموعتين من "قضاة لبنان" إلى "نادي قضاة لبنان". وتغيير التسمية هذه يعني عمليا إنشاء ناد للقضاة في العالم الافتراضي وذلك على غرار ما فعله قضاة المغرب في 2011 حين أنشأوا صفحة فايسبوك بتسمية نادي قضاة المغرب قبلما يخرجوا إلى العالم الواقعي بعد أشهر من ذلك.

إلا أنه بالمقابل، شهدت روابط التضامن هذه تحديا في محلات عدة، نتيجة اتهامات متبادلة بالتسييس والتبعية ومجاملة السياسيين. وقد سرت هذه الشكوك لدى بعض أعضاء الفريق المؤيد لاستمرار الاعتكاف كما لدى بعض القضاة المعارضين له. وعليه، سرت اتهامات من نوع أن القضاة المؤيدين لرئيس مجلس النواب يتعمدون تعميق الأزمة إحراجا للعهد وأن ما يحصل هو عمل سياسي تحت غطاء حراك قضائي، فيما سرت اتهامات مقابلة من أن القضاة المقربين من العهد يهادنونه أملا بارتقاء مناصب عالية. ورغم ضآلة عدد القضاة المعنيين مباشرة بهذه الاتهامات، فإنه كان لها مفعول لا يستهان به في إضعاف الثقة فيما بين القضاة، في ظل التطييف الاعتيادي للمواقف السياسية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التفاعل الحاصل على الواتساب ليس هو السبب في التسييس أو التطييف، إنما هو مجرد مناسبة لتظهير درجة ما وصل إليه هذا التسييس أو التطييف بفعل أذرعة السلطة السياسية الممتدة داخل القضاء منذ عقود. وعليه، فإنه يشكل مرآة يقتضي الـتأمل فيها لوقف تغلغله في الجسم القضائي.

ماذا حقق القضاة على صعيد تعزيز ثقافة استقلال القضاء؟

منذ بدء الحراك، وضع مجلس القضاء الأعلى والقضاة مطالبهم في خانة الدفاع عن استقلالية القضاء واعتباره كسلطة، وإن كشف الحراك كالعادة عن مفاهيم مختلفة في هذا الخصوص. ففيما سلّط بيان المجلس الضوء على تجاوز آرائه وعدم الاستماع إليه والإخلال بالوعود المقدمة له (هو كممثل للسلطة القضائية)، ركز القضاة على أهمية الاستقلالية المالية للقاضي وعلى أهمية مقارنة راتبه برواتب أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية. وشكّل ادعاء الاستقلالية مبررا هاما لتبرير الاعتكاف وخاصة بعد تطويل أمده. وفي هذا الصدد، يسجل حدثان على مستوى عال من الأهمية:

الأول، العريضة التي وقعها 352 قاضيا وقد تم تضمينها مطلب وضع قانون جديد يضمن قيام السلطة القضائية المستقلة. وقد ذهب القضاة أبعد من ذلك في اتجاه وضع بعض العناوين التوضيحية ومن أبرزها على الإطلاق تكريس مبدأ عدم نقل القاضي إلا برضاه ووضع آلية لاختيار أعضاء مجلس القضاء الأعلى والهيئات القضائية الأخرى بعيدا عن أي تأثير من السلطات السياسية. وهذه العريضة تشكل الأولى من نوعها منذ عشرين سنة، بحيث أن آخر عريضة للقضاة تناولت وجوب إعادة النظر في التشريعات لتكريس استقلال القضاء تعود إلى حزيران 1997 (وقد وقعها آنذاك 300 قاض). إلا أنها ورغم أهميتها، فإنها لم تلق أي صدى لدى مجلس القضاء الأعلى الذي تجاهلها تماما في بيان تعليق الاعتكاف وكأنها مسألة نافلة،

الثاني، إعلان الائتلاف المدني لدعم استقلال القضاء وشفافيته والذي اشترك في تكوينه عدد كبير من المنظمات الحقوقية والنقابية (27). وقد أصدر الائتلاف بعد يوم واحد من تنظيم العريضة بيانا داعما لمطالب القضاة. كما ضمّنه دعوة لرئيس الجمهورية لإطلاق ورشة وطنية واسعة لإصلاح القضاء ودعم استقلاليته. وهو بذلك التقى مع عريضة القضاة بوجوب العمل على وضع قانون ضامن لاستقلال القضاء.

وبالمقابل، بقي الخطاب الإعلامي في غالبيته مناوئا لمطالب القضاة. وقد ألمح بعض الإعلاميين من باب انتقاد الاعتكاف إلى أن القضاة يتحركون من أجل حقوقهم المالية وليس من أجل الاستقلالية. واستنتجوا ذلك من إحجام القضاة عن أي تحرك في مختلف المحطات السابقة التي تم فيها تعرض فاقع لاستقلاليتهم، وخصوصا في ما يتصل بمراسيم التشكيلات والمناقلات المجهضة. وقد زاد على هذا التشكيك، الاستثناءات الحاصلة ضمن فترة الاعتكاف والتي بينت أن عددا من القضاة "المعتكفين" قاموا بأعمال قضائية بناء على طلب سياسيين أو اشخاص نافذين. وقد بدا الاعتكاف من هذه الزاوية وكأنه أصبح سببا آخر للتمييز بين المتقاضين: فإذا كنت نافذا، أهلا وسهلا. وإذا لم تكن كذلك، فعليك الانتظار، فالقضاء في حال اعتكاف. ومن هذه الزاوية، أدى الاعتكاف الهادف من حيث إعلانه إلى مزيد من الاستقلالية، إلى تظهير ما يناقض ذلك تماما أي مزيد من التبعية. وقد تميزت عن ذلك قناة lbc التي أعدت إنطلاقا من أعمال المفكرة عددا من الأعمال المرئية عن تحركات القضاة ومساعي السلطة التنفيذية لوضع يدها على القضاء.  

وهنا، ربما اكتشف القضاة وجها آخر من الخلل في التنظيم القضائي، وهو خلل ناجم عن تقاليد الصمت والتحفظ لدى القضاة وانقطاع التواصل بينهم وبين الرأي العام: فعدا عن العامل المزمن المتمثل بتراجع ثقة الناس بالقضاء، وقف القضاة عاجزين عن تبرير مواقفهم أو سبب اعتكافهم بشكل مناسب، وبكلمة أخرى عن الاحتكام إلى الرأي العام في مواجهتهم مع السلطات السياسية. حتى المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى لزم الصمت وبقيت بيانات المجلس مقتضبة ومليئة بالعبارات الغامضة (الطلاسم) من قبيل مفهومي "الآثار السلبية" و"الخلل" من دون أن يكبد المجلس نفسه عناء توضيح هذه الآثار أو هذا الخلل. وعليه، شهدنا أمرا غير اعتيادي في حراكات مماثلة، حيث اقترن اعتكاف القضاة بانكفائهم التام عن أي حضور عام. وبدا تاليا كأنما معركة القضاة تنحصر في الضغط السلطات السياسية، من دون إعطاء الناس (الشعب مصدر السلطات) أي دور فيها سوى أنها تتم على حسابهم (سوى أنهم رهائنها) بفعل اعتكاف القضاة عن النظر في قضاياهم. وتحديد المعركة على هذا الوجه إنما يقودنا إلى خسارة حتمية. فأن يواجه القضاة على انقساماتهم السلطة السياسية بما لها من أذرعة ونفوذ، من دون أي جهد لاستمالة الرأي العام أو الاحتكام إليه، هو بمثابة مواجهة طفل عارٍ لتنين من دون عدّة، بل أيضا من دون حيلة.