"أرفع اليكم هذا الكتاب بصفتكم الساهرين على حسن سير القضاء وعلى كرامته وحسن سير العمل في المحاكم، والمولجين اتخاذ القرارات اللازمة بهذا الشأن انطلاقا من كون سلطة الاشراف المعطاة للنائب العام لدى محكمة التمييز على النيابات العامة يجب أن لا تخرج عن الغاية التي أعطيت من أجلها ألا وهي حسن سير العدالة وأن تبقى ممارسة هذه السلطة في اطارها المشروع بما يحافظ على المبادئ التي يقوم عليها التنظيم القضائي وعلى الالتزام بالقوانين المرعية بعدم تجاوز مرجع قضائي لمرجع قضائي آخر وعلى كرامة القضاة واستقلاليتهم مع ثقتي الكاملة باتخاذ ما ترونه مناسبا وعاجلا بناء على ما ورد أعلاه".
بهذه العبارات، ختمت رئيسة الهيئة الاتهامية في بيروت، القاضية ندى دكروب كتابها الموجه في 13-5-2013 الى رئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى، للتنديد بثلاثة تعاميم صدرت مؤخرا عن النائب العام التمييزي حاتم ماضي. وقد أسهب الكتاب في اثبات عدم قانونية هذه التعاميم التي عكس كل منها شكلا من أشكال تمدد التنظيم الهرمي في اتجاه انتاج سلطة سوبرمانية تصبح استقلالية القضاء في ظلها مفهوما مخادعا لا معنى له. فإلى جانب التمدد العمودي والأفقي لسلطة رأس الهرم (النيابة العامة التمييزية)، بدا هذا الرأس وكأنه بات يرغب بنشر اشعاعاته مباشرة على الهرم في مختلف طبقاته في تجاوز لنظام التسلسل الاداري.   
التمدد العمودي: عزل القضاة بات ممكنا
أول هذه التعاميم، التعميم الذي وجهه ماضي الى الضابطة العدلية بوجوب الامتناع عن تلقي اشارات من بعض القضاة العاملين في النيابة العامة الاستئنافية في بيروت، وهما القاضيتين رندا يقظان ومايا كنعان، مما يؤدي عمليا الى عزل هاتين الأخيرتين ومنعهما من القيام بواجباتهما القضائية المحددة قانونا. وبمعزل عن خلفية هذا التعميم، فانه يبقى بمثابة عقوبة من غير الجائز اتخاذها من دون اتباع أصول الملاحقة القانونية كما جاء في كتاب دكروب. فمهما يكن السبب الداعي الى ذلك، فان إطلاق يد النائب العام التمييزي، في اتخاذ قرارات مماثلة من دون إعطاء قضاة النيابة العامة أي ضمانات في محاكمة عادلة، انما يؤدي الى استباحتهم. وما يزيد الأمر سوءا هو تنفيذ هذه العقوبة بشكل ملتو: فالتعميم لم يمنع قضاة النيابة العامة من توجيه إشارات الى الضابطة العدلية، انما توجه الى هذه الضابطة لمنعها من تلقيها. وعليه، وبدل أن تصب الجهود في اتجاه إلزام الضابطة العدلية على احترام أعمال القضاة وتنفيذها من دون تأخير (وهذا ما نعاني منه بشدة سواء في أعمال الأمن العام فيما يتصل بتنفيذ قرارات الافراج عن الأجانب أو في أعمال قوى الأمن الداخلي فيما يتصل بسوق السجناء)، آل هذا التعميم الصادر عن رأس النيابة العامة الى اشراك الضابطة العدلية في تحجيم القضاة وفرض العقوبات عليهم والتعامل مع الإشارات الصادرة عنهم وكأنها معدومة الوجود. وبذلك، بدا ماضي وكأنه يوجه رسالة شديدة البلاغة الى الضابطة العدلية مفادها أن السلطة القضائية تكمن في رأس الهرم الذي لا رأس سواه، فلا سلطة ولا مكانة لقاض الا برضاها وبإمكانها متى شاءت تجريده منها واقصاؤه. وفي ذلك بالطبع تمدد عمودي خطير للهرمية.   
التمدد الأفقي: حق الاطلاع المسبق على قرارات منع السفر كافة  
أما التعميم الثاني الذي وجهه ماضي للضابطة العدلية[1]فمفاده عدم تنفيذ القرارات بمنع السفر الصادرة عن النيابات العامة الاستئنافية والعسكرية والمالية، وعن جميع قضاة التحقيق والهيئات الاتهامية قبل مراجعته شخصيا. والواقع أن سلطوية النائب العام التمييزي بلغت تبعا لهذا التعميم درجة أعلى بكثير لأسباب عدة. فمداه لا يقتصر على أعمال النيابات العامة الخاضعة لنظام التسلسل الوظيفي، انما يشمل أيضا أعمال قضاة التحقيق الذين يفترض بهم التمتع باستقلالية تامة إزاء النيابات العامة كافة. كما أن التعميم لا يتصل بأمر محدد أو بقاض محدد كما هي حال التعميم المشار اليه أعلاه، انما له طابع تنظيمي يشمل مجمل قرارات منع السفر الصادرة عن دوائر النيابات العامة (بالواقع ليس للنيابات العامة اصدار هكذا قرارات كما جاء في كتاب دكروب) وقضاة التحقيق. وبنتيجة ذلك، يؤول هذا التعميم عمليا الى توسيع دائرة نفوذ النائب العام التمييزي وتمددها أفقيا، بحيث تظهر القرارات القضائية بموجبه وكأنها أصبحت مجردة عن أي قوة ذاتية فلا تكون نافذة الا بعد اطلاع النائب العام التمييزي (وربما موافقته) عليها، مما يتيح ربما للأشخاص الممنوعين من السفر تجاوز المنع الصادر بحقهم في الفترة الفاصلة بين اصدار القرار ومراجعة ماضي شخصيا بشأنه مع ما يستتبع ذلك من ضياع للحقوق. وبالطبع، يفقد القضاء على ضوء ذلك مكانته كسلطة منتشرة على الهيئات القضائية كافة كلا وفق الصلاحية المناطة به قانونا ليصبح محكوما من فوق. ولعل أخطر ما في هذا التعميم هو أنه يفتح بابا واسعا لإصدار تعاميم بشأن قرارات أخرى قد تمتد لتشمل قرارات أكثر خطورة كقرارات اخلاء السبيل، على نحو يفرز حالات جديدة من الاحتجاز التعسفي. درس آخر لا يقل بلاغة عما سبقه حول قيمة القرارات القضائية ومصدر مشروعيتها.
الهرمية من دون تسلسل
أما التعميم الثالث فهو يتصل بتنظيم العمل الإداري داخل النيابات العامة وتحديدا بتنظيم عمل المدعين العامين وتوزيعه والزامهم بالحضور اليومي. وتذكّر دكروب في كتابها أن الصلاحيات الممنوحة للنائب العام لدى محكمة التمييز تخضع لنظام التسلسل الإداري ولا تجيز له الحلول محل النيابات العامة المختصة في ممارسة مهامها المحددة قانونا بما فيها الحق بتوزيع الأعمال على المحامين العامين من الناحية الادارية والذي يعود حصرا للنائب العام المختص الذي يرأس دائرته. وبالتالي، فان التعميم المتعلق هو في غير محله ويمس بمبادئ قانون التنظيم القضائي. وبفعل ذلك، تكتسي الهرمية حلة أخرى: فرأس الهرم يسعى الى ممارسة سلطته مباشرة على مجمل المدعين العامين من دون المرور بالنواب العامين الاستئنافيين في المناطق، وبذلك نخرج من النظام الهرمي القائم على طبقات مختلفة تمارس فيه كل طبقة سلطة على الطبقة التي هي أدنى منها[2]، لنلج في نظام يتوجس فيه رأس الهرم ممارسة سلطته مباشرة على طريقة الاشعاعات في هرمية شاملة يجتاح فيها مجمل طبقاته.  
وبنتيجة ذلك، تتبدى بوضوح كلي خطورة التعاميم الصادرة مؤخرا عن النيابة العامة التمييزية والتي يعكس بعضها توجهات وممارسات سابقة مماثلة على نحو يؤدي الى تراجع مبدأ استقلالية القضاء ومعها حقوق المتقاضين بشكل مواز تماما لتوسيع نفوذ النيابة العامة التمييزية وتقدم نظام الهرمية. والملفت أن مجلس القضاء الأعلى تدخل هذه المرة، في غضون أقل من 24 ساعة من ورود كتاب دكروب، كما نقرأ في الإعلان المنشور في الوكالة الوطنية والذي جاء فيه رجوع ماضي عن قراريه المشار اليهما أعلاه، بشأن منع الضابطة العدلية من الاتصال بالقاضيتين يقظان وكنعان، "تبعا للتشاور مع رئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى". وقد ورد في الخبر المنشور في الوكالة الوطنية أن المجلس أشاد بالقاضيتين ونوه بمسيرتهما المهنية.
والواقع أن هذا البيان يطرح على ضوء السرعة القياسية والطريقة التي صدر فيها أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة: فماضي اكتفى بإعلان قراره مقرونا بإشادة المجلس من دون أن يجد أي حاجة لاطلاع الرأي العام على سبب اصدار قراريه والرجوع عنهما. فاذا كان قراراه صائبين، فما هي أسباب الرجوع عنهما؟ وإذا لم يكونا كذلك، وهذا ما يبيّنه جليا كتاب دكروب، فما هي الخطوات المتخذة لإصلاح الأضرار التي تسببت بها الأخطاء المرتكبة أو لمنع تكرارها؟ فألا يجدر بماضي الاستقالة أو على الأقل الاعتذار رسميا واحتفاليا من القاضيتين المذكورتين، أم أن كرامة القضاء وهاتين القاضيتين أمور غير مهمة لا تستدعي أي عمل من هذا القبيل، فيبقى بإمكانه التصرف والمس بهما تهميشا واقصاء كما يشاء من دون أن تترتب عليه أي حاجة لتفسير أو تصحيح أو مراجعة ذاتية؟ بهذا المنطق، تبلغ الهرمية درجة أعلى: فهي لا تقوم فقط على توسيع الهرمية أفقيا وعموديا، ليس فقط على الغاء التسلسل في اتجاه اعتماد النظام الهرمي الاشعاعي كما سبق بيانهأعلاهأ‘رلا، بل قبل كل شيء على تسويغ رأس الهرم لنفسه ارتكاب الأخطاء والرجوع أو عدم الرجوع عنها، بخفة من دون أي حاجة للتعليل أو التفسير وبأية حال من دون أي حسيب. وبكلمة أخرى، انها الهرمية التي لا يقيم فيها رأس الهرم أي اعتبار لمن يخضعون لسلطته.   
بقي أن نذكر أنّ البيان بقي خاليا من أي إشارة للتعاميم الأخرى التي ورد ذكرها في كتاب دكروب، وهو سبب إضافي لإبقاء النقاش في هذا الشأن مفتوحا.
*محام وباحث في القانون
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية


[1] وقد تمت الإشارة الى هذا التعميم في كتاب دكروب ولم يتسن لنا التأكد من هذه المعلومة من مصدر آخر.
[2]النائب العام التمييزي يمارس سلطته على النواب العامين الاستئنافيين الذين يمارسون سلطاتهم على المدعين العامين