قبل يوم من إعلان نادي قضاة فلسطين ونادي أعضاء النيابة العامة عن استكمال فعاليات احتجاجاتهم التي بدأوها في 21/8/2017، أصدر الرئيس الفلسطيني بتاريخ 6/9/2017 مرسوماً رئاسياً آل إلى تشكيل لجنة وطنية لتطوير قطاع العدالة ولمراجعة منظومة التشريعات القضائية وإعداد رؤية شمولية لتطوير قطاع العدالة والقضاء. وقد تكونت اللجنة من: رئيس مجلس القضاء الأعلى، المستشار القانوني لرئيس الدولة، وزير العدل، النائب العام، نقيب المحامين، مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عميد كلية الحقوق في جامعة النجاح الوطنية، وعميد كلية الحقوق والإدارة العامة في جامعة بيرزيت. في إثر ذلك، أعلن ناديا القضاة والنيابة تعليق فعالياتهما بشكل مؤقت على اعتبار أن صدور قرار الرئيس بتشكيل اللجنة يعتبر إنهاء لمشروع القانون الذي تقدم به وزير العدل السابق وأثار موجة من الاحتجاجات دعت الناديين وبمشاركة نقابة المحامين لتنظيم وقفة احتجاجية أمام مبنى مجمع محاكم رام الله بتاريخ 23/8/2017.

القانون الأساسي الفلسطيني ومبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء محددات لعمل اللجنة

على نحو لافت، أشارت المادة 2 من القرار الرئاسي إلى جملة من المحددات  لعمل اللجنة وحدود صلاحياتها، تضمنت القانون الأساسي الفلسطيني ومبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة وحفظ حقوق المواطن وحرياته الأساسية وغيرها من المحددات.

وتعتبر هذه المحددات إشارة لافتة إلى الاستجابة لطلبات النادي بضرورة تكريس ضمانات استقلال القضاء في أي حراك يستهدف تطوير منظومة العدالة، الأمر الذي رأى فيه الناديان تطورا إيجابيا يستدعي تعليق الفعاليات الاحتجاجية انتظارا لأعمال ونتائج وتوصيات اللجنة المذكورة التي يجب أن تقدم توصياتها للرئيس الفلسطيني في مدة أقصاها ستة شهور وفقا للمادة 4 من القرار المذكور.

بيان ناديي القضاة والنيابة العامة

في عقب صدور قرار الرئيس بتشكيل اللجنة الوطنية المشار لها، دعا رئيس المحكمة العليا، رئيس مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني المستشار عماد سليم سعد مجلس إدارة جمعية نادي القضاة إلى اجتماع في كتبه بالمحكمة العليا، وسلّم رئيس النادي نسخة من القرار الرئاسي، وتباحث الطرفان بمشتملات هذا القرار، ليصدر نادي القضاة مع نادي النيابة العامة بعد ذلك بياناُ أكدا فيه تعليق الفعاليات انتظارا لما ستقوم به اللجنة من أعمال وتوصيات.

وقد تضمن البيان على أنّ "من المفترض الذي لا يقبل الجدل أو التأويل أنّ ولاية هذه اللجنة لا تمتد إلى المساس بقانون السلطة القضائية، لكون هذا القانون يعتبر مكملاً للقانون الأساسي، بوصفه قانونا عضويّاً ينظم عمل سلطة دستورية مستقلة بذاتها، وهي السلطة القضائية التي لا يجوز لأي جهة أن تنال منها خارج الأطر الدستورية المقررة في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003،" وأشارا إلى أنه "حيث ترتب على هذا المرسوم إلغاء كل المحاولات السابقة لتعديل قانون السلطة القضائية بمقتضى المشروع المقدم من وزير العدل... وحيث لم يأت المرسوم على أي ذكر لتعديل قانون السلطة القضائية إنما ابتعد عن ذلك وجاء على ذكر تعديل القوانين التي من شأنها تطوير القضاء، فإن جمعية نادي القضاة ونادي أعضاء النيابة العامة علقوا فعالياتهم لعدم وجود سبب لها في الوقت الراهن لأن المواقف لا تبنى على احتمال المساس بهذا القانون، وفي حالة المساس به فان جمعية النادي ونادي أعضاء النيابة العامة ستعود للتصدي والمواجهة لإفشال أي محاولة تصب في التعديل، وخلافا لذلك، وما دامت اللجنة لم تباشر أعمالها، وما دامت محاولات المس بقانون السلطة القضائية السابقة قد تم وأدها وتخطيها في هذا المرسوم،  فإن فعالياتنا ستعلق إلى أجل آخر ما دامت هذه اللجنة لم تفصح أو توصي بموقف من تعديلها لهذا القانون ."

كما أكدّ البيان على رفض المساس بقانون السلطة القضائية أو إصدار أية قوانين تمس حقوق وضمانات استقلال السلطة القضائية الفردي والمؤسسي دون مراعاة الاشتراطات الدستورية وعلى رأسها انعقاد ولاية المجلس التشريعي الفلسطيني دون غيره بتعديل قانون السلطة القضائية. وأشار  البيان إلى أنّ الناديين "يرحبان بأية جهود وطنية لتطوير منظومة العدالة والذي هو مطلبنا، وبذات الوقت فإننا ننظر إلى تشكيل هذه اللجنة على أنها شكلت في سياق التطوير لا الوصاية من خلال التزام هذه اللجنة بالمحددات التي وردت في المادة 2 من القرار والتي تنطوي على وجوب احترام القواعد الدستورية ومبادئ الأمم المتحدة لسنة 1985 بشأن استقلال القضاء ولم تأت على ذكر تعديل قانون السلطة القضائية."

وأكد الناديان على أنّ "تطوير منظومة العدالة ينطوي بالأساس على حظر تدخل السلطة التنفيذية بشؤون القضاء والعدالة بالدرجة الأساسية، والسهر على تنفيذ أحكام قانون السلطة القضائية بشأن ضمان الاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية، وكذلك تطوير بيئة التقاضي من أبنية وإمكانات لوجستية، وتطوير القوانين الإجرائية، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية، وتعزيز استقلال القضاة، وتحفيز التعاون بين مختلف قطاعات العدالة، بما يكفل تقديم خدمة قضائية أفضل للمواطنين لتمكينهم من الوصول للعدالة الناجزة وحماية الحقوق والحريات العامة."

وفي موقف لافت، أعرب الناديان في بيانهما عن معارضتهما لعضوية وزير العدل أ. علي أبو دياك في هذه اللجنة ، لكونه تبنى مشروع تعديل قانون السلطة القضائية،  والذي يحمل رأياً مسبقا يدعو لتعديل هذا القانون، وكذلك الاعتراض على عضوية كل من  تقدموا من السابق باقتراحات لتعديل هذا القانون، والتي تضمنت مساسا خطيرا بالقواعد الدستورية الناظمة لاستقلال القضاء والفصل بين السلطات، علاوة عن مواقف مسبقة لأعضاء آخرين معلنة ومعروفة وتتضمن انتهاكا لذات القواعد الدستورية التي تضمنها قرار تشكيل اللجنة، لاسيما أحكام القانون الأساسي.

ولم ينس القضاة في ختام بيانهم تثمين موقف الرئاسة بعدم الإستجابة لمحاولات واقتراحات تعديل قانون السلطة القضائية التي قدمها وزير العدل وكذلك الوقفة المشرفة لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الرافضة لتعديل قانون السلطة القضائية جملة وتفصيلا. كما ثمّن البيان الوقفة المشرفة لأعضاء الهيئة العامة لنادي القضاة والالتزام الوثيق بالفعاليات الاحتجاجية التي صدرت عن جمعية النادي، والوقفة المشرّفة لنقابة المحامين النظاميين جنباً إلى جنب مع زملائهم القضاة وأعضاء النيابة العامة وموقف الكتل البرلمانية وكافة مؤسسات المجتمع المدني التي ناصرت القضاة في مواقفهم ورفضت مقترحات تعديل قانون السلطة القضائية.

بالمقابل، أبقى البيان الباب مفتوحا لاحتمال إعادة العمل بالفعاليات الاحتجاجية، حيث أشار صراحة إلى أن الناديين سوف يتابعان عن كثب "كافة التطورات اللاحقة وأية توصيات تصدر عن لجنة تطوير القضاء، والتقرير بشأنها على كافة الأصعدة"، وأن مواقفهما ستبنى "على ضوء نتائج اللجنة وتوصياتها التي سوف ترفعها أو أي محاولة لمناقشة اي تعديل لقانون السلطة القضائية قبل رفعها للنتائج والتوصيات".