صادق مجلس نواب الشعب التونسي مساء يوم 13-09-2017 على مشروع القانون الأساسي المتعلق بالمصالحة الإدارية. وتمت المصادقة بأغلبية 117 صوتا مقابل اعتراض 9 نواب واحتفاظ نائب وحيد بصوته. ويلاحظ هنا أن ضعف الأصوات المعارضة لمشروع القانون على مستوى نتائج التصويت لا يعكس حقيقة قوتها أثناء مناقشته وأهمية التجاذبات التي حكمت مسار الجلسة المخصصة لنظره.

تصدع في الأغلبية ينذر بسقوطه 

دعا نواب الأغلبية مجلسهم للانعقاد في جلسة استثنائية خلال العطلة النيابية يومي 12 و 13 من الشهر التاسع من سنة 2017 تضمّن جدول أعمالها مسألتين فقط: أولهما سد الشغورات بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وثانيهما التصويت على مشروع قانون المصالحة. لم يفلح المجلس التشريعي في توفير النصاب اللازم لمعالجة البند الأول، فكان أن قرر إرجاء النظر في سدّ الشغورات لأجل غير مسمى ودعوة المجلس للانعقاد في اليوم الثاني لنظر مشروع القانون. في بداية جلسة اليوم الثاني، كشف نواب حزب حركة النهضة عن معارضتهم لتغيير جدول أعمال الدورة الذي يفرض أن يتم سدّ الشغور بهيئة الانتخابات أولا[1]. التقى عند هذا الحد جانب من نواب الأغلبية مع نواب المعارضة بما دفع  للاعتقاد بسقوط سريع لمشروع القانون سببه تصدع الأغلبية الحاكمة الداعمة له.

داخل قبة المجلس التشريعي، لم يتحقق هذا الأمر. فقد اتفقت لاحقا كتل الأغلبية  النيابية على أن يتم عقد جلسة أخرى للمجلس النيابي بتاريخ 20-09-2017 في إطار الدورة الاستثنائية لمجلس نواب الشعب، موضوعها سد الشغورات بهيئة الانتخابات بما أزال سبب تصدعها الداخلي وأذن بأن ينحصر الخلاف  بينها والمعارضة.

أغلبية حسمت أمرها في مواجهة معارضة صاخبة

مع بداية جلسة نظر مشروع القانون، أعلنت المعارضة هدفا لها قوامه منع مناقشة مشروع القانون لسببين أولهما دستوري وثانيهما مبدئي حسب وصفها.

فعلى الصعيد الدستوري، أثار نواب المعارضة أن طلب الإستشارة التي وجهها مجلس نواب الشعب للمجلس الأعلى للقضاء بشأن مشروع القانون لم يرد الجواب عنها، وأن الفصل 114 من الدستور يفرضها كإجراء وجوبي، فيجب عدم نظر مشروع القانون قبل ورودها. وفي هذا السياق، أجاب نواب الأغلبية بأن المجلس التشريعي وجه طلب الاستشارة للمجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 20-07-2017 وأن هذا الأخير طلب لاحقا منحه أجلا إضافيا لنظر الاستشارة. وقد استجاب المجلس النيابي  للطلب ومنحه مهلة ثانية  نهايتها يوم 12-09-2017 ولكن  مجلس القضاء لم ينجز المطلوب، بما يفرض نظر مشروع القانون منعا لتحول الاستشارة لسبب تعطيل لا تعرف له نهاية.

الجدل على الصعيد المبدئي كان أكثر حماوة. فقد اعتبر نواب المعارضة مشروع القانون الذي يمنح عفوا تشريعيا للموظفين العموميين المتهمين في قضايا فساد مالي متعارضا مع قيم الثورة وأنه لا يجوز للأغلبية النيابية أن تستغلّ هيمنتها على المجلس التشريعي لتفرض المصادقة عليه. وعليه، تمسك نواب الغالبية بكون الواجب الوطني يفرض عليهم منع تمرير مشروع القانون بكل الوسائل[2]. وعلى هذا الأمر، أجاب نواب الأغلبية بأن لجنة التشريع العام عدلت من نص المشروع الأساسي بما يرفع كل الاعتراضات حوله ويجعل أحكامه تنسحب فقط على الموظفين العموميين الذي اضطرهم خضوعهم للتعليمات خلال الحقبة الاستبدادية للتورط في قضايا فساد لم تتحقق لهم منها أي استفادة مالية. وتمسك هؤلاء بكون آلية الحكم الديموقراطي تفرض أن يتم الحسم بالتصويت في المسائل الخلافية معتبرين  مشروع القانون من مسارات إنجاح الانتقال الديموقراطي، لكونه سيؤدي لنزع هاجس الخوف على الكفاءات الإدارية التي باتت حسب ذكرهم لا تبادر لاتخاذ القرارات[3].

واجهت المعارضة إصرار الأغلبية على نقاش مشروع القانون بتظاهرات احتجاجية داخل المجلس التشريعي لم يشهدها هذا المجلس سابقا. فقد حاول نوابها فرض حالة من التشويش بقاعة الجلسة بغاية فرض رفع الجلسة لعدم توفر شروط انعقادها. تصدى نواب الأغلبية لهذا المسعى وأصروا على تمرير مشروع القانون فكان لهم ما أرادوا. أنهت المصادقة على مشروع القانون الصراع السياسي حوله والذي استمر لأكثر من سنتين. وهي مصادقة باعتبار ملابساتها تعلن  بداية صراع قضائي حول هذا المشروع سيكون حاسما في تحديد مآله.

فقد نجحت المعارضة خلال ذات ليلة التصويت في التوصل للنصاب اللازم لإيداع عريضة طعن في مشروع القانون لم تحرر لائحتها بعد. لكن يبدو مؤكدا أن الخلل في إجراءاته سيكون من أبرز مطاعنها.

 

[1] يتهم حزب نداء تونس  بكونه يسعى لتأجيل الاستحقاق الانتخابي البلدي المعين مبدئيا موعده ليوم 17-12-2017 و ذلك لعدم جهوزيته لخوضه بسبب صراعاته الداخلية . وتتمسك في المقابل شريكته في الحكم حزب حركة النهضة  باجراء الانتخابات البلدية في موعدها . ويتمسك حزب نداء تونس على مستوى اخر بضرورة سرعة المصادقة على قانون المصالحة .استجاب جدول عمل الدورة النيابية الاستثنائية لرغبات الحليفين فيما تعلق بما يطلب كل منهما استعجال نظره . ويتهم  نواب حزب نداء تونس بتعمد الغيب عن الموعد المحدد لجلسة سد الشغور بهيئة الانتخابات بما منع توفير نصاب انعقادها  وعد ذلك  تلاعبا بمصالح حليفه حزب حركة النهضة. و هو امر يؤشر على المصاعب التي باتت تعترض توافقهما وتهدد استمراره .
[2] تصريح رئيس كتلة الجبهة الشعبية بمجلس نواب الشعب النائب احمد الصديق والذي تضمن اعلان المعارضة توجهها لاستعمال كل الوسائل لمنع مناقشة مشروع القانون                                                                                                                         
[3] ذكر الوزير مديير الديوان الرئاسي محمد العزابي في دفاعه عن مشروع القانون ان اعتمادات الموازنة التي تخصص للجهات لا يتم صرف الا خمسة وثلاثين بالمائة منها بسبب غياب المبادرة والخوف من التتبعات  كما ذكر ان الادارة التونسية تراجع اداؤها بعد الثورة لذات السبب