غدا، ينتظر أن يصدر المجلس الدستوري قراره بشأن دستورية القانون 45 المتصل بتمويل سلسلة الرتب والرواتب، وذلك في الطعن الذي قدمه عشرة نواب بدفع من حزب الكتائب. ويهم المفكرة الإضاءة هنا على ثلاث نقاط تراها مركزية:

  • سيكون المجلس مدعوا أولا للنظر في مسألة دستورية آلية التصويت على القانون. ومن المعلوم أن النواب أثاروا في طعنهم أن النواب أقروا القانون برفع الأيادي خلافا للمادة 36 من الدستور التي تنص على أنه "فيما يختص بالقوانين عموما ...، فإن الآراء تعطى دائما بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عال". وقد أثارت الجهة الطاعنة أنه لدى البدء بالتصويت على القانون، "حصلت عملية هرج ومرج أدت إلى بلبلة كبيرة داخل القاعة العامة لمجلس النواب وكأن هناك خطة ممنهجة للضغط على رئيس مجلس النواب لمنعه من متابعة التصويت بالمناداة ... وقد أدى هذا الضغط إلى توقف رئيس المجلس عن المناداة وانتقاله إلى المصادقة على القانون برفع الأيدي". وقد أرفقت الجهة الطاعنة بطعنها تسجيلا صوتيا. وكانت المفكرة دونت في محضرها اعتراضات عدد من النواب حيال طلب الجميل بالتصويت بالمناداة، على أساس أن القانون نوقش بندا بندا وتمت المصادقة على بنوده بالمناداة. وقد علا صوت الجميل تبعا لقرار رئيس مجلس النواب بالتصويت برفع الأيادي بعدما كان قرر حصول ذلك بالمناداة. وقد قال آنذاك: "هيدي مخالفة للدستور وسوف نطعن بالقانون. هيدي هرطقة دستورية".  

ومهما يكن موقف المجلس، يؤمل أن يضع قراره قواعد سليمة لعملية التصويت التي طالما لقيت انتقادات من نواب عدة، أبرزهم الجميل، انتقادات بقيت من دون جواب مقنع. وقد برر النواب الطاعنون أهمية التمسك بآلية المناداة بقولهم: "إن الهدف الأسمى من هذه الآلية الأخيرة هو وضع الناخبين على بينة مما يتخذه ممثلوهم من مواقف سياسية داخل الندوة البرلمانية تسهيلا لمحاسبة النواب المنتخبين عند حلول الدورة الإنتخابية اللاحقة". وفي حال قبل المجلس الطعن على أساس المادة 36، فإن ذلك يؤدي إلى إبطال القانون برمته. وفيما يرفع هذا الأمر عن المجلس الدستوري الحاجة للنظر في دستورية مواد القانون التفصيلية، فإنه يستحسن رغم ذلك أن يعلن موقفه من مدى دستورية بقية المواد من باب إنارة المشرع إلى المخالفات الدستورية الأخرى، توفيرا للوقت ومنعا لحصول طعون مستقبلية أخرى حول نفس القانون في حال عاد المجلس النيابي وأقره بطرق التصويت التي يراها المجلس الدستوري صحيحة.

  • النقطة الثانية هي مسألة ازدواجية الضريبة المثارة في طعن النواب والمتمثلة في المادة 17 من القانون المطعون فيه. تنص هذه المادة على زيادة معدل الضريبة على فوائد وعائدات وإيرادات الحسابات المالية والسندات لدى المصارف من 5% إلى 7%. وتضيف المادة في فقرتها ثانيا "إذا كانت هذه الفوائد والعائدات والإيرادات داخلة ضمن أرباح مؤسسات مصرفية أو مالية أو مؤسسات تجارية خاضعة للتكليف بضريبة الدخل على أساس الربح الحقيقي، فإنها تبقى خاضعة للضريبة المنصوص عليها في الفقرة (أولا) أعلاه وتعتبر قيمة الضريبة المسددة عنها عبءا ينزل إيرادات تلك المؤسسات. وإذا كانت هذه الفوائد والعائدات والإيرادات عائدة إلى مؤسسات تجارية أو مهن حرة خاضعة للتكليف بضريبة الدخل على أساس الربح المقطوع، فإنها تبقى خاضعة للضريبة المنصوص عليها في الفقرة (أولا) أعلاه وتضاف قيمتها الصافية بعد حسم قيمة ضريبة الباب الثالث، إلى الإيرادات السنوية لتلك المؤسسات والمهن، ويطبق عليها معدل الربح المقطوع لاستخراج الربح الصافي الخاضع لضريبة الباب الأول." وقد رأى النواب الطاعنون أن هذه المادة غير دستورية لسببين:

- الأول أن القانون أخطأ حين اعتبر الضريبة المسددة من الفوائد التي تجنيها المصارف (وغالبها عن سندات الخزينة) عبءأ ينزل من الإيرادات، فيما كان يفترض به أن يعتبرها سلفة على ضريبة الأرباح. ورأى الطاعنون بأن القانون كلّف بذلك ذات الدخل (الفائدة) مرتين (مرة لكونها فائدة، ومرة لكونها جزءا من ربح المصرف) مما يشكل ازدواجا ضريبيا واضحا وتاليا مخالفة لمبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور. كما رأى الطاعنون بأن هذا الأمر يدخل تمييزا لناحية معدل الضريبة على الأرباح بين المصارف العاملة في لبنان حسب بنية توظيفات كل مصرف، بمعنى أن المصرف الذي يوظف نسبة كبيرة من ودائعه وأمواله في سندات الخزينة سيدفع ضرائب وفق نسب أعلى (ضريبة على الفائدة قدرها 7% وضريبة على الربح قدرها 17%) من المصرف الذي يوظف معظم أمواله في عمليات مصرفية صرفة كالقروض (وليس في سندات الخزينة) فلا يسدد عن أرباحه إلا نسبة 17%. وما تراه الجهة الطاعنة من المسلمات هو ليس كذلك، وذلك لأن للمشرع مبدئيا كامل الحق في وضع ضرائب مختلفة لنشاطات مصرفية مختلفة، وذلك في سياق تقييمه لأهمية هذا النشاط أو ذاك اجتماعيا، أو لحجم الخطر أو الإنفاق الذي قد ينجم عن هذا النشاط أو ذاك. فأن تودع المصارف أموالها في سندات خزينة هو عمل إداري يبقى بالغ السهولة وأقل مخاطرة من سائر الأعمال المصرفية الأخرى، مما يخول المشرع إخضاع الأرباح الناجمة عنها لفائدة أعلى.  

- الثاني، أنها تميز بين المكلفين بحيث تفرض على المصارف والمؤسسات التجارية والمهن الحرة إدراج الفوائد (بعد حسم الضريبة) ضمن إيراداتهم وذلك بخلاف سائر المكلفين (وفي مقدمتهم الموظفين والأجراء). وعيب هذه الحجة أنها تعتبر أن هؤلاء المكلفين هم في وضعيات مماثلة فيما هم على الغالب في وضعيات مختلفة، مما يقلل أيضا من فرص الأخذ بهذا الدفع. ويذكر أن نقابة المحامين في بيروت تضرب منذ أكثر من شهر على خلفية أن هذا البند غير دستوري، وسيتم إذا على قرار المجلس الدستوري أقله جزئيا تقييم مدى سدادة السبب الذي انبنى عليه هذا الإضراب.  

- النقطة الثالثة هو ما أثاره ائتلاف الشاطئ اللبناني بالتعاون مع المفكرة القانونية في مذكرتهما حول المخالفات الدستورية للأملاك البحرية. وهنا ربما يكمن الدور الحمائي الأساسي للمجلس الدستوري في مجال حماية الملك العام والحقوق الأساسية. ويؤمل أن يضع المجلس أسسا هامة لحماية الملك العام ولتكريس حق المواطن بالتمتع بالبيئة والشاطئ وأخيرا لكيفية التعامل مع الماضي. ونكتفي هنا بالإحالة إلى نص المذكرة في هذا الشأن.

يؤمل إذا أن تكون حصيلة الغد هامة على الصعيد الدستوري والقانوني، بما يعمق المنظومة الدستورية في لبنان. فلنرتقب.