القرار مركزي في مجلس شورى الدولة وهو غير قابل للطعن، ولا محاكم في المناطق خلافا لما فرضه القانون منذ 13 سنة. على هذا المنوال، تستمر المحاكمات الإدارية الناظرة في طعون المواطنين ضد أعمال الإدارات العامة، وكأنما أصول المحاكمة العادلة وعلى رأسها قرب المتقاضي من المحكمة والتقاضي على درجتين لا محل لها في نزاعات مماثلة. في ظل نظام كهذا، تصبح الإدارة العامة بالطبع أقل قابلية للمحاسبة ويصبح المواطن أقل حماية (المحرر).    
 
في كتابه الصادر في17-04-2012، طالب بسام الدايه، نقيب المحامين في طرابلس آنذاك، وزير العدل السابق شكيب قرطباوي بتطبيق القانون التعديلي لنظام مجلس شورى الدولة (2000) المتعلق بشكل أساسي بإنشاء محاكم إدارية بالمحافظات. ومن المعلوم أن مجلس شورى الدولة ينظر اليوم بالدرجة الأولى والأخيرة في كم كبير من القضايا الادارية، فيما أن هذا القانون يؤدي في حال تنفيذه الى اعمال نظام قضائي في الدعاوى الادارية بحيث ينظر مجلس شورى الدولة فقط في الطعون المقدمة على الأحكام الصادرة عن المحاكم الادارية المزمع انشاؤها. وتحسيسا للوزير على خطورة التخلف عن تنفيذ هذا القانون، استعاد الكتاب بعض أسبابه الموجبة. فإنشاء هذه المحاكم يؤدي الى تقريب العدالة من المتقاضين وتخفيف الكلفة على عاتقهم، فلا يحتاج محامو الشمال وسائر المناطق الانتقال الى بيروت لتقديم الدعاوى. كما أنها تؤول الى تأمين عدالة أسرع وأكثر فعالية ومطابقة لمقتضيات المجتمع طالما أن حصر المراجعات الإدارية بمجلس شورى الدولة قد أغرقه بأعداد كبيرة من المراجعات بحيث أصبح بتّها من قبله يستغرق وقتا طويلا وأحيانا من دون جدوى وفي وضع يوازي الاستنكاف عن إحقاق الحق (الجملة الأخيرة وردت في تصريح للنقيب من خارج الكتاب). كما أشار الكتاب الى أهمية وجوب تكريس "مبدأ التقاضي على درجتين" مما يسهم في المساعدة على تجنُّب الأخطاء. هذا فضلا عن أن هذا المبدأ بات يشكل ملازما لحق التقاضي المكرس في المادة 20 من الدستور وفي المواثيق الدولية التي باتت جزءا لا يتجزأ منه.
وبالطبع، توفُر هذه المزايا في القضاء الاداري يبقى شرطا لتشجيع المواطن الى اللجوء إلى القضاء كلما شعر بأن هناك تعديا على حق من حقوقه من قبل الدولة أو إداراتها، ودون "حسب ألف حساب"، ولا سيما أن العدالة البطيئة هي ظلم جائر، وأن القضاء الإداري موجود ليحمي المواطن بالدرجة الأولى ازاء تعسف الادارة والحفاظ على حرياته. فيما أن غيابها يشكل على خلاف ذلك كابحا أساسيا أمام الطعن على قرارات الادارة العامة.
وتجدر الاشارة الى أن المشرع الفرنسي كان عدل نظام أحادية مجلس شورى الدولة في اتجاه انشاء محاكم مماثلة منذ 1953، وذلك تحت وطأة تراكم عدد القضايا غير المفصولة. وقد سجل عدد المراقبين أن هذا البطء دفع آنذاك عددا كبيرا من الأفراد إلى تقديم دعاويهم الإدارية أمام المحاكم العدلية "السريعة نسبيا"، مخالفين بذلك مبدأ الفصل بين القضاء الإداري والقضاء العدلي.فأتى المشرع عام1953 ليعطي القضاء الإداري تركيبة جديدة تساعده على القيام بعمله بشكل لائق وتضع حدا لاحتقان مجلس شورى الدولة مضيفا ضمن أهدافه ارادته في منح قضاة المجلس الوقت الكافي لتوضيح قراراتهموتعليلها بالاستناد إلى تحاليل قانونية.فجاء قولRaymond Odent في هذا السياق:
« Une jurisprudence qui ne se fonderait que sur des raisonnements purement logiques serait trop inhumaine pour être acceptable, mais unejurisprudence qui n’aurait comme ligne directrice que l’arbitraire de ses auteurs serait incohérente »[1]
وبعد حواليثلاثة عقود، عاد المشرع الفرنسي وأنشأ محاكم استئنافية عام 1987 وذلك بهدف تخفيف الضغط على المحاكم الإدارية وتعزيز التماثل مع المحاكم العدلية (التي تتمتع بثلاث درجات محاكمة)، بالإضافة إلى تعزيز دور مجلس شورى الدولة وهيبته في دوره كوصي على الاجتهادات الإدارية التي تتكون في عمل المحاكم الابتدائية والاستئنافية، لتخضع من ثم لرقابته. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن عدد محاكم الاستئناف في فرنسا ما زال يتزايد ليصل اليوم إلى 8 محاكم استئناف إدارية، بالإضافة إلى الدور الفقهي الكبير الذي يلعبه مجلس شورى الدولة الفرنسي كونه اليوم "حاميا للحريات". وقد ذهب في الاتجاه نفسه عدد من الدول الأخرى الخاضعة للتأثير الفرنسي ومنها المغرب والجزائر ومصر وتونس ومعظم الدول الغربية معتبرين اياه ضمانة لاستقلالية القضاء وتقويته.
واللافت أن انشاء هذه المحاكم في لبنان قد حصل في سياق تعديلات أوسع لنظام مجلس شورى الدولة بهدف تفعيل عمله. فقد طوّر قانون 2000 مفهوم "الدعوى المستعجلة" في القضاء الاداري، سواء لغايات الحصول على مستندات أو حتى للحكم بسلفة مالية عن قيمة المبلغ المطالب به عندما تكون مراجعته مرتكزة على أسباب جدية وهامة. لكن هنا أيضا تبقى النتائج جد محدودة، على نحو يعكس البعد الشاسع بين مجلس شورى الدولة والمتقاضين بحيث لم يتجاوز عدد دعاوى العجلة المقدمة في السنة القضائية (2011-2012) أربعا فصلت ثلاث منها فقط، حسبما ورد في التقرير السنوي لمجلس شورى الدولة.
واللافت في كل ذلك، هو أن المجلس يتجاهل هذا الواقع ببلاغة متناهية. وهذا ما نقرؤه بوضوح كلي في مقترحاته الواردة في القسم الثالث من تقريره السنوي عن السنة القضائية تلك. فبعدما أثبت المجلس أن إنتاجيته "ما تزال بعيدة عما يطمح اليه القضاة الاداريون وما هو منتظر منهم من الشعب اللبناني الذي يحكمون باسمه"، انتهى الى التأكيد "على ضرورة أن يثابر المستشارون والمستشارون المعاونون على التحقيق في الملفات المحالة إليهم ووضع التقارير بشأنها"، من دون أي اشارة الى امكانية تفعيل المحاكم الابتدائية وفق ما يفرضه القانون أو زيادة عدد القضاة[2]. وهذا ما يتأكد في تصريح وزير العدل شكيب قرطباوي للمفكرة ردا على سؤال حول عدم انشاء المحاكم في المناطق بأن المجلس طلب منه صراحة ارجاء تفعيل هذه المحاكم ريثما ينتهي من اعداد مشروع قانون جديد أكثر ملاءمة[3]. بكلام آخر، يظهر مجلس شورى الدولة وكأنه راض بأن يبقى المسؤول الأول والأخير في القضايا الادارية متمسكا بعبئه وبطئه وضعف اجتهاده مما ينعكس بالضرورة سلبا على إمكانية محاسبة الادارة العامة. في ظل نظام كهذا، الرابح الأكبر هو كل هؤلاء الذين يسخرون الادارة خدمة لمصالحهم، والخاسر الأكبر هو المواطن.    
*طالبة في الحقوق، فريق عمل المفكرة القانونية
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية

[1]Odent Raymond, Contentieux administratifs, 1970-1971, Fascicule I, p. 36
[2] تم قبول قاضيين متدرجين جديدين بموجب مباراة جرت في 2012 وذلك للمرة الأولى منذ 2006.
[3] مقابلة مع وزير العدل شكيب قرطباوي في 17-1-2013 منشورة على الموقع الالكتروني.