للقضاء الإداري في مصر دور بارز في حماية حقوق الإنسان وحرياته، منذ إنشائه في 1946 وحتى الآن. وتتمثل هذه الحماية في تصديه للعديد من القضايا التي تمس بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية والذود عنها في مواجهة السلطة. ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على أهم الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم القضاء الإداري في مصر منذ تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية. فهذه الفترة التي شابتها مخالفات أساسية عدة للقانون من جانب الرئاسة، بدأت بإصدار قرار بعودة مجلس الشعب المنحل بموجب حكم المحكمة الدستورية العليا في 14-6-2012، وبلغت درجة جد عالية مع صدور الإعلان الدستوري المكمل في 21-11-2012، الذي نص على إعادة التحقيقات والمحاكمات في جرائم القتل والشروع فيه وإصابة المتظاهرين وجرائم الإرهاب المرتكبة ضد الثوار، وتحصين كافة الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة من رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في نهاية يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد من الطعن عليها، وانقضاء جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية.
وقد جاء هذا الإعلان نتيجة الخوف من صدور أحكام بحل الجمعية التأسيسية للدستور، ومجلس الشورى، وشكل بوضوح افتئاتا من صلاحيات السلطة القضائية واستقلالها. هذا فضلا عن أنه أوجد أزمة جديدة تمثلت في أزمة النائب العام عندما قرر إعفاء المستشار عبد المجيد محمود من منصبه كنائب عام، وتعيين المستشار طلعت إبراهيم نائبًا عاما جديدا. ومن أهم هذه الأحكام، الآتية:
قضية حل الجمعية التأسيسية: عدم جواز تحصين أي قرار اداري:
مسألة حل الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور نشأت مع صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب (الشعب) وبطلانه، طالما أن أعضاء هذه الجمعية المائة كان قد تم انتخابهم من قبل أعضاء مجلسي الشعب والشورى المنتخبين. وكان رئيس الجمهورية قد أصدر بعد توليه السلطة قانونا بشأن معايير انتخاب هذه الجمعية لوضع دستور جديد للبلاد، وتضمن هذا القانون ما مفاده أن قرارات أعضاء مجلسي الشعب والشورى غير المعينين بانتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية والأعضاء الاحتياطيين فيها لا تخضع لرقابة القضاء على الأعمال الادارية والتي يمارسها القضاء الاداري، انما تخضع للرقابة على دستورية القوانين والأعمال البرلمانية فقط. وقد هدف هذا القانون عمليا الى اخراج هذه القرارات من رقابة المحاكم الادارية وعمليا تحصين الجمعية التأسيسية ضد مطالب ابطالها تبعا لإبطال مجلس الشعب، علما أن الأعمال البرلمانية لم تخضع يوما للرقابة من أية جهة قضائية في مصر.
وتبعا لتقديم 43 دعوى طعنا بكيفية تشكيل الجمعية التأسيسية أمام القضاء الاداري، اعتبر هذا الأخير في قراراته الصادرة في 23-10-2012 أن هذا القانون جاء سالبًا لاختصاصه، مما يؤدي إلى وجود شبهة عدم دستورية في هذا القانون، ذلك لأن القرارات التي تصدر من أعضاء مجلسي الشعب والشورى بهذا الخصوص ما هي إلا قرارات إدارية فردية، ولا تعد تشريعا ولا أعمالا برلمانية بالمعنى الموضوعي. هذا بالإضافة إلى أن الهدف من وضع مثل هذا القانون منع محاكم القضاء الإداري من النظر في الطعون التي أقيمت لوقف تنفيذ وإلغاء القرار الصادر بتشكيل الجمعية التأسيسية. على أثر ذلك، تمت احالة الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية القانون من عدمه، والتي لم تصدر فيها حكما حتى الآن.
إن هذا الحكم انما يؤكد على العديد من الأمور، أهمها صون حق التقاضي وكفالته للمواطنين كافة، الذي كفلته الدساتير المصرية المتعاقبة، وعدم جواز تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، والذي طالما انتهجته الدساتير المصرية وتحديدًا دستور 1971 والإعلان الدستوري الصادر من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، عندما قرر تحصين القرارات التي تصدر عن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية. كما أنه بعث برسالة إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية مفادها عدم التدخل في شؤون السلطة القضائية باعتبارها سلطة مستقلة تتمتع بحصانة دستورية. فضلا عن أنه خص سلطة التشريع برسالة أخرى مفادها أن أية محاولة لإطلاق أوصاف على هذه القرارات تخالف نوعها أو جوهرها، لا يغير من طبيعتها.
وقف الانتخابات النيابية[1]: النظام السياسي لم يعد رئاسيا، ولا تفرد في السلطة
أقيمت هذه الدعوى بهدف وقف تنفيذ ثم إلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 134 لسنة 2013 بشأن دعوة الناخبين إلى انتخاب أعضاء مجلس النواب (مجلس الشعب وقد تغير اسمه بموجب الدستور الجديد)، المعدل بالقرار رقم 148 لسنة 2013. وقد أصدرت المحكمة حكمها بوقف تنفيذهما، وبالتالي وقف إجراء انتخابات مجلس الشعب بمراحلها المختلفة المحدد لبدايتها 22-4-2013.
فقد ذكرت المحكمة في حكمها رئيس الجمهورية الذي كان انفرد في توقيع الدعوة الى الانتخابات بأن الدستور الجديد اعتنق "نظامًا سياسيًا جديدًا وهو النظام المختلط (البرلماني الرئاسي) وما يستتبعه ذلك من عدم انفراد رئيس الجمهورية باتخاذ تلك القرارات وإلا اعتبر القرار مخالفًا للدستور وخضع لرقابة المشروعية. وحيث أن الأصل أن يتولى رئيس الجمهورية سلطاته بواسطة رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء، أما اختصاصات رئيس الجمهورية التي يباشرها منفردا فهي استثناء من الأصل"، لتخلص تبعا لذلك الى عدّ القرار "باطلًا لمخالفته المبدأ الدستوري المتعلق بممارسة رئيس الدولة سلطاته بواسطة رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء على وجه يشكل عدوانا على الاختصاصات الدستورية المقررة لمجلس الوزراء".
إلزام الحكومة بعلاج مصابي الثورة على نفقة الدولة بالخارج: حق المواطن بالصحة[2]
أقامت والدة أحد مصابي الثورة (أحداث محمد محمود) طعنا أمام محكمة القضاء الإداري بإلزام رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والأمين العام للمجلس القومي لرعاية أسر الشهداء ومصابي الثورة بعلاجه على نفقة الدولة بالخارج، نظرًا لأن نجلها قد أصيب -لدى قيامه بالمشاركة في إسعاف المصابين بالمستشفى الميداني بميدان التحرير- بطلق ناري في الرأس أدى إلى كسر متفتت بعظام الجمجمة وشلل كامل بالأطراف وغيبوبة، وقد سافر إلى دولة النمسا لإجراء الجراحة اللازمة على نفقة بعض رجال الأعمال والحكومة النمساوية، واستقر رأي الأطباء على حاجته إلى رعاية مكثفة في مركز متخصص. وعندما لجأت إلى الحكومة المصرية لمساعدتها رفضت الأخيرة تقديم أي دعم مالي لها.
وقد قررت المحكمة أن "الدساتير المصرية المتعاقبة –احترامًا منها لحق الأفراد في الحياة والمحافظة على الصحة العامة للمواطنين- دعمت التأمين الاجتماعي والصحي، وأناطت بالدولة كفالة تقديم الخدمة الصحية للمواطنين وهو ما يمثل الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية لهم، وهذا الواجب الدستوري المنوط بالدولة محظور عليها النكول عن القيام به، وكذلك لا يرخص لها في مباشرته بدعوى ارتفاع أسعار نفقات تلك الرعاية الصحية للمواطنين أو قصور في الموازنة المخصصة أو غير ذلك من الأسباب، خاصة إذا انجلى مرض المواطن بتقارير طبية قاطعة يستوجب ترياقًا غلا سعره أو تدخلا جراحيا حاسما يخفف عن المريض آلامه. ونظرًا لما نتج عن ثورة 25 يناير المباركة – والتي أزالت نظامًا فاسدًا- من سقوط العديد من الشهداء والآلاف من المصابين الذين تتفاوت إصاباتهم ما بين الطفيفة وما أدت إلى عجز جزئي أو كلي، فقد كان لزامًا على الدولة –وانطلاقًا من واجبها تجاه مواطنيها بصفة عامة، وتجاه شهداء ومصابي ثورة 25 يناير 2011 بصفة خاصة- فقد تم إنشاء مجلس قومي باسم "المجلس القومي لرعاية أسر الشهداء والمصابين"، ومنحته الدولة الشخصية الاعتبارية، وجعلته جهاز الدولة المسؤول – دون غيره - عن القيام بكافة أوجه الرعاية الاجتماعية والصحية لأسر الشهداء ومصابي الثورة، وأوجبت عليه - في سبيل تحقيق ذلك - حصر ضحايا ثورة 25 يناير وإعداد قاعدة بيانات لهم، وتوفير العلاج المناسب لمصابي الثورة وفقًا لاحتياجات كل منهم والتي تحددها التقارير الطبية من المؤسسات العلاجية المعتمدة، وتوفير التأهيل الطبي اللازم لهم، وصرف كافة نفقات العلاج التي تحملها أسر المصابين. ومن ثم فلا ترخص للمجلس القيام بواجباته سالفة البيان تحت أية دعوى واستنادًا لأي سبب، طالما ثبت في حق ذي الشأن صفة المصاب، خاصة وأن الدولة قد خصصت له من الموارد ما يكفل له القيام بذلك. إذ جعلت موارده تتمثل في المبالغ التي تخصصها الدولة سنويًا لدعم المجلس، والمنح والهبات والإعانات والتبرعات النقدية والعينية التي يقبلها مجلس إدارة المجلس سواء من الداخل أو الخارج، وعوائد استثمار أموال المجلس".
جدير بالذكر أنه قد سبق لهذه المحكمة أن أصدرت حكمها بإلزام رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ووزير التضامن الاجتماعي بتقرير معاشات لمصابي الثورة أسوة بأسر الشهداء[3]، عندما أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 203 لسنة 2011 بمنح أسر شهداء الثورة معاشا استثنائيا قدره 1500 جنيه أو مكافأة قدرها 50000 جنيه في حالة عدم وجود مستحق للمعاش، من دون أي اشارة الى مصابي الثورة رغم أنهم شاركوا في ذات العمل الجليل – الثورة حسب القرار.
إلغاء قرار رئيس مجلس الشورى بعزل رئيس تحرير جريدة الجمهورية من منصبه: لا للعقوبات الفورية في مجال الصحافة[4]:
بعد انتخاب مرسي رئيسًا للجمهورية، حصل استهداف لعدد من الصحافيين على نحو بدا معه أن هناك اتجاها لإسكات صوتها في نقل الحقائق. وقد اتخذ هذا الاستهداف أشكالا عدة منها محاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي أو إحالة صحفيين عدة إلى المحاكمات الجنائية بتهم من نوع اهانة رئيس الجمهورية أو السب أو القذف، أو عزلهم من مناصبهم بحجج واهية. كما سجل مقتل الصحفي الحسيني أبو ضيف الملقب بـ "شهيد الصحافة".
وفي هذا الإطار، تم عزل الصحفي جمال عبد الرحيم من رئاسة تحرير جريدة الجمهورية بموجب قرار رئيس مجلس الشورى، ذلك على أثر نشره خبر غير صحيح بعنوان "قلاع الفساد تترنح... قرار منع طنطاوي وعنان من السفر خلال ساعات". وعلى اثر الطعن المقام منه أمام محكمة القضاء الإداري لوقف تنفيذ وإلغاء هذا القرار، قررت المحكمة وقف تنفيذه. وقد أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن "القرار الصادر من رئيس مجلس الشورى بصفته رئيس المجلس الأعلى للصحافة، لإبعاد الطاعن عن رئاسة تحرير الجمهورية، قد صدر مما لا يملك سلطة إصداره، متضمنًا اغتصابًا للسلطة التي عينها القانون، ومهدرًا لكافة إجراءات وضمانات التأديب، التي قررها المشرع للصحفيين، حيث إن النظام القانوني المصري، قد سما بحرية الصحافة إلى أوسع الآفاق، وكفلها بحسبانها المظهر الأسمى بحرية التعبير، وبدونها تفقد حرية التعبير مغزاها، وتفرغ من مضمونها، إن حرية التعبير لا يجوز فصلها عن أدواتها ووسائل مباشرتها، وذلك إدراكا منه أن الأمل معقود بنواصيها بكشف أوجه الخلل والقصور، تنبيها وتحذيرا وتقويما لأي اعوجاج، ولكونها الأداة الفاعلة المؤثرة في تكوين وتنوير الرأي العام وبحسبانها رافدًا من روافد الفكر والثقافة لدى الأفراد.
إن حرية الصحافة لن تكون مكفولة إلا بحماية القائمين عليها، فقد أحاط القانون رقم 96 لعام 1996 بشأن تنظيم الصحافة تأديب الصحفيين بسياج من الضمانات، أهمها قصر ولاية تأديب الصحفيين على نقابة الصحفيين نفسها دون سواها، ورسم لها السبيل الذي انبغى عليها أن تسلكه، إذا ما ارتقت في مسلك يمثل خروجًا عن مقتضيات الشرف والأمانة والصدق وآداب المهنة وتقاليدها، على أن يستلزم المساءلة، وإنزال العقاب إذا ما وجد ذلك مقتضى، حيث نصت المادة 34 من قانون تنظيم الصحافة على أن نقابة الصحفيين تختص وحدها بتأديب الصحفيين من أعضائها".
 حق التظاهر السلمي:[5]أقام عدد من المنظمات الحقوقية المصرية دعوى أمام القضاء الإداري لوقف تنفيذ وإلغاء قرار وزير الداخلية رقم 156 لسنة 1964 بشأن استخدام الأسلحة والذخائر، والقرار السلبي بالامتناع عن إصدار قرار بقصر تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين والمعتصمين السلميين من قبل قوات الأمن على خراطيم المياه عبر استخدام عربات المطافي، وحظر تفريق المتظاهرين والاعتصامات بالرصاص الحي أو المطاطي أو الخرطوش أو قنابل الغاز أو أية أسلحة أخرى تعرض حياة المصريين للخطر. وفيما كانت الدعوى قد قدمت قبل حراك 2011 للطعن بقرارات لا صلة للسلطة الحالية فيها، فإنه كان لصدور الحكم في مارس 2013 في موازاة الإعداد لمشروع قانون ناظم للتظاهر أثر هام في تحديد الأصول التي يتعين على السلطة مراعاتها.
فقد قررت المحكمة أن "الدستور الحالي قد سار على منهج الوثائق الدستورية السابقة في توفير الحماية الدستورية لحقوق حريات الإنسان، وزاد عليها في بعض صور الحماية، وقد ألزم الدولة بحماية الأنفس والأعراض، واعتبر الكرامة الإنسانية حقاً لكل إنسان، وأوجب حفظ كرامة الإنسان في كل أحواله ولو كان مقيد الحرية تنفيذاً لحكم أو قرار قضائي، فلا يجوز ترهيبه أو إيذاؤه بدنياً أو معنوياً أو تعريض صحته لخطر، وكشف الدستور عن أن الحرية الشخصية حق طبيعي، وكفل حرية الفكر والرأي وحمى حق كل إنسان في التعبير عن رأيه بوسائل التعبير المختلفة، وأمر بحق المواطنين في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية غير حاملين سلاحاً بناءً على إخطار ينظمه القانون وحظر الدستور أي تعطيل أو انتقاص من الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن وحظر على المشرع عند تنظيم تلك الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها أو جوهرها".
وانطلاقا من هذه المبادئ، رأت المحكمة أن "استعمال الأسلحة وإطلاق النار منها على المتظاهرين لفض المظاهرات هو تصريح من المشرع لها باستخدام وسيلة في هذه الحالة قد تؤدي للقتل على اعتبار أن تلك الأسلحة من أدوات القتل وإزهاق الروح وإطلاقها على جموع المتظاهرين إما أن يؤدي إلى قتل بعضهم أو إلحاق عاهات جسدية أو إصابات ببعضهم، وتجويز إطلاق النار على المتظاهرين لفض المظاهرات الواردة بالمادة المشار إليها تشوبه شبهة مخالفة أحكام الدستور لأنه يشكل عدواناً على الحق في الحياة وفي سلامة الجسد الإنساني بالمخالفة لنص المادة (31) من الدستور التي توجب على الدولة حماية الأنفس، والتي تحظر اهانة أي إنسان أو ازدراءه ذلك أن قتل الإنسان بغير حق يشكل أكبر اهانة لإنسانيته ولحقه في الحياة، وللمادتين 36 و37 من الدستور اللتين حظرتا التعذيب أو الترهيب أو الإيذاء البدني أو المعنوي أو تعريض الصحة للخطر بالنسبة للمقبوض عليهم والسجناء وهي حقوق يتعين أن يتمتع بها من باب أولى المواطن البريء والمسالم الذي لم يقبض عليه ولم يحكم عليه بالسجن.
كما يشوب النص المشار إليه شبه مخالفة نص المادة (76) من الدستور التي حظرت توقيع العقوبة إلا بحكم قضائي، إذ أن منح جهة الإدارة سلطة إطلاق النار على المتظاهرين لفض المظاهرة وما قد يرتبه ذلك من قتل أو إصابة بعض المتظاهرين يشكل تفويضاً من المشرع لجهة الإدارة عند ممارستها أعمال الضبط الإداري - وهي أعمال وقائية بطبيعتها – في القيام بعمل إداري يتجاوز في شدته وفي آثاره العقوبة الجنائية التي يجوز للقضاء أن يوقعها على المتظاهرين حال مخالفتهم نصوص القانون رقم 14 لسنة 1923 الذي ينظم المظاهرات، الأمر الذي ينطوي علي توقيع عقوبة من جانب جهة الإدارة على المواطنين المتظاهرين بغير حكم قضائي، كما يشكل عدواناً من جانبها على اختصاص السلطة القضائية.
كما ينطوي النص المشار إليه على شبهة مخالفة نصوص المواد 24 و45 و50 من الدستور التي تكفل الحرية الشخصية وحرية التعبير وحق تنظيم المظاهرات السلمية، وينتقص من حرية المواطنين ومن حقهم بالمخالفة للمادة (81) من الدستور لأن السماح بفض المظاهرات بالأسلحة بإطلاق النار على المتظاهرين يشكل عدواناً على حق التظاهر السلمي وعلى حرية التعبير، لا سيما أن المشرع  لم يحدد سببًا خاصًا أو خطراً جسيمًا يلجئ جهة الإدارة إلى إطلاق النار على المتظاهرين واكتفى بالنص على حالة تعريض الأمن العام للخطر وهو غرض فضفاض ويجوز تحقيقه بوسائل أخرى أقل ضررًا بالمواطنين، والأسلحة النارية أدوات قتل وإزهاق للأنفس، وقتل النفس حين يحكم به القضاء هو أشد العقوبات كافة، ولا يقضي به الأعلى من يرتكب أبشع الجرائم بعد التمكين من حقوق الدفاع ولا ينفذ إلا بعد استنفاذ طرق الطعن، ولم يتضمن النص المشار إليه وجود خطر استثنائي يهدد النظام العام حتى يبرر لجهة الإدارة استعمال الأسلحة النارية".
كما دققت المحكمة في الضوابط التي وردت في النص التشريعي وفي قرار وزير الداخلية والتي اشترطت ألا يلجأ إلى استعمال الأسلحة إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى كالنصح واستخدام العصي أو الغازات المسلية للدموع، فرأت أن المشترع لم يشترط "على جهة الإدارة عرض الوسائل على محكمة أو جهة قضائية قبل إطلاق النار على المتظاهرين لفض المظاهرة لبيان مدى استنفاذ الوسائل والإجراءات المقررة قبل إطلاق النار ومدى توافر مبررات إطلاق النار" وأن قرار وزير الداخلية قد أحل عمليا الادارة من هذه الضوابط من خلال تضمينه "عبارة كلما كان ذلك ممكناً الأمر الذي يجرد تلك الوسائل والإجراءات من فاعليتها لأن تقدير إمكان اتباع تلك الوسائل والإجراءات يخضع لتقدير جهة الإدارة، والقرار الذي يصدر بإطلاق النار على المتظاهرين هو قرار وقتي يصدر وينفذ في الحال ولا وقت أمام المتظاهرين المشاركين في المظاهرة في الطعن عليه أمام محكمة القضاء الإداري، كما أنه لا جدوى من الطعن عليه بعد تمام تنفيذه".
الجمعيات الأهلية: المبدأ هو الحرية
أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكما في ... يقضي ببطلان القرار الصادر من وزارة الشؤون الاجتماعية بامتناعها عن إشهار إحدى الجمعيات الأهلية نظرًا لإغلاق المقر، معتبرة أن صدور مثل هذا القرار يشكل مخالفة للقانون ولا يصلح أساسا لرفض إشهار الجمعية. وبالتالي تعتبر الجمعية مشهرة ومكتسبة لشخصيتها الاعتبارية بمرور مدة الستين يومًا وفقًا للقانون.
كما بعث الحكم برسالة إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، تتلخص في ضرورة تنظيم عمل الجمعيات والعمل على إطلاق يدها في مباشرة الدور المحدد في نظامها الأساسي، ولا يجوز للسلطة المنظمة لها الحق تشريعيا أو القيام على تنفيذ أحكام القانون المنظم للجمعيات أن يحد من دورها أو يضع من القيود على وجه ينال من هذا الحق الدستوري، ومقتضى ذلك إذا رهن المشرع إنشاء الجمعية بتوافر شروط تتصل بالإنشاء أو إجراءات الإشهار، ألزمت السلطة التنفيذية بأن تكون روح التطبيق متفقة مع تمكين الجمعية من مباشرة دورها. وحيث أن الدستور الحالي قرر إنشاء الجمعيات بالإخطار، اقتصر دور السلطة التنفيذية على تلقي الإخطار وتمكين الجمعية من ممارسة نشاطها بحرية واكتساب من ثم الشخصية الاعتبارية بحكم الدستور. ولا خلاف على أن استقامة أمر الجمعيات وتحقيق الهدف المرتجى منها يستوجب إصدار تشريع يهتدي بالقاعدة الدستورية الكافلة لحرية تكوين الجمعيات. 
تكمن أهمية هذا الحكم، في أنه جاء مقررًا لعدة مبادئ منها، من شأنها الاسهام أيضا في ورشة وضع تشريع جديد لتنظيم العمل الأهلي: فعلى السلطة التشريعية أن تمتنع عن وضع القيود التي من شأنها إعاقة كيانات العمل الأهلي في مجال تحقيق أهدافها ودورها في المجتمع. كما أنه على السلطة التنفيذية تطبيق روح القانون وليس التطبيق الجامد للنص. هذا فضلًا عن حسمه لقضية هامة برزت عند مناقشتنا لمشروعات قوانين العمل الأهلي، وهي قضية المقر. فإن أغلب تلك المشروعات كانت تؤيد حل الجمعية إذا توقفت عن أداء عملها بقوة القانون. ومن المتوقع أن يتغير هذا الرأي بعد صدور هذا الحكم.
 *محام وباحث قانوني بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية

[1] الدعوى رقم 28560 لسنة 67 قضائية – بتاريخ 6-3-2013.
[2] الدعوى رقم 31044 لسنة 67 قضائية – بتاريخ 2-4-2013.
[3] الدعوى رقم 33152 لسنة 65 قضائية – بتاريخ 10-1-2012.
[4] الدعوى رقم 11277 لسنة 67 قضائية – بتاريخ 6 نوفمبر 2012.
[5] الدعوى رقم 9544 لسنة 66 قضائية – بتاريخ 26-3-2013.