قد يكون قرار المجلس الدستوري اليوم أهم قراراته على الإطلاق، أقله من حيث وضع حدّ لمخالفات دستورية مزمنة، دفع ثمنها النظام الديمقراطي اللبناني طوال عقود. وعليه، وأيا تكن أبعاده السلبية على مالية الدولة، فإن أبعاده الدستورية الإيجابية بالغة الأهمية ويقتضي التوّقف عندها مليا. فبالإضافة إلى إبطاله المعالجة المعيبة وغير المتكافئة للمخالفات البحرية الحاصلة منذ عقود بحجة "غموضها"، فإنه تضمّن مقررات ثلاث بالغة الأهمية، هي الآتية:

 

القوانين تقرّ بالمناداة

المقرر الأول وقوامه أن على المجلس النيابي أن يقرّ القوانين بالمناداة وليس برفع الأيدي. ومن يتابع أعمال المجلس النيابي والنقاشات الدائرة فيه، يعلم أن بإمكان النائب سامي الجميل التفاخر بنتيجته بحق، على اعتبار أنه كان الصوت الأكثر قوة طوال السنوات الماضية في المناداة به. وقد رأى المجلس الدستوري أن المادة 36 من الدستور والتي تنص على أنه فيما "يختص بالقوانين عموماً أو بالاقتراع على مسألة الثقة، فإن الآراء (أي آراء النواب) تعطى دائما بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عالٍ"، وأن أي خروج عنها يشكل مخالفة دستورية. وقد رأى المجلس أن الغاية من نص المادة 36 هي التصويت على القوانين بشفافية تامة ليكون الشعب مطلعاً على ما يقوم به نوابه، وبخاصة أن القوانين التي يقرّها مجلس النواب، وعلى الأخص تلك المتعلقة بالمالية العامة، لها تأثيرات مباشرة عليه، وأنها من هذه الوجهة تشكل عاملا أساسيا في تعزيز شفافية العمل البرلماني وترتبط "جذريا بطبيعة النظام الديمقراطي البرلماني الذي نص عليه الدستور". ومن اللافت أن المجلس الدستوري تمسك بحرفية نص المادة 36 بعدما أكد أنه لم يجرِ المس بها نظرا لأهميتها، رافضا تاليا الأخذ بالنظام الداخلي لمجلس النواب أو التسليم بأي أعراف قد تكون تكوّنت منذ ذلك الحين على اعتبار أنها تكون في حال وجودها مناقضة تماما لـ “طبيعة نظامنا الدستوري". وختم المجلس الدستوري حيثياته بالقول أن التصويت العلني وبالمناداة بصوتٍ عالٍ ليس قاعدة شكلية بل شرط ضروري للمراقبة والمحاسبة في الأنظمة الديمقراطية البرلمانية. ومن هذا المنطلق، أتى القرار الدستوري بمثابة إدانة لطريقة إدارة العملية التشريعية (والتي يغلب عليها طابع كوميدي) منذ توّلي الرئيس نبيه بري رئاسة المجلس النيابي، وإدانة لمجموعة كبيرة من القوانين التي أقرت برفع الأيدي فباتت كلها مشوبة بحكم غير الدستورية.

جباية الضرائب غير قانوني بغياب قوانين قطع الحساب والموازنة العامة

المقرر الثاني، وهو لا يقلّ أهمية، فهو يشكل إدانة للمخالفة المتمثلة في تجاوز النصوص الدستورية المتصلة بالموازنة العامة وأصول فرض الضرائب وجبايتها. وبإمكان الوزير السابق شربل نحاس أن يفاخر هنا طالما أنه كان الصوت الأقوى في العقد الأخير في المناداة بوجوب الإلتزام بهذه القواعد وفي عدم قانونية أي جباية للضرائب في غياب قانون جديد للموازنة العامة وفي عدم دستورية تطبيق القاعدة الإثني عشرية منذ الشهر الثاني من سنة 2006. وقد طوّر نحاس هذه المناداة من خلال لجوئه مع سياسيين آخرين (منهم رئيس مجلس النواب السابق وغسان مخيبر ونجاح واكيم والياس سابا) إلى مجلس شورى الدولة، طالبا منه تعيين لجنة قضائية للإشراف على الإنفاق العام تحت إشراف القضاء ريثما تلتزم السلطات السياسية بالمواد الدستورية الخاصة بإقرار قانون الموازنة العامة. وفيما ردّ آنذاك مجلس شورى الدولة الدعوى، فمن الواضح لمن يقرأ قرار المجلس الدستوري أنه كان لها أثر واضح وبيّن عليه. وفي هذا السياق، جاء في القرار الدستوري الحيثيات الآتية:  

"بما إن المجالس النيابية نشأت في الأساس من أجل الحفاظ على المال العام، وعدم فرض الضرائب العمومية والترخيص بجبايتها وإنفاقها إلا بموافقة ممثلي الشعب في السلطة، كون المال العام هو مال الشعب ولا يجوز التفريط به،

... وبما أن انتظام المالية العامة وضبطها لا يتم إلا من خلال موازنة سنوية، تقدّر فيها الواردات والنفقات لسنة قادمة، ويُعمل على تحقيق التوازن في ما بينها، وتتضمن إجازة بالجباية،

وبما ان الواردات والنفقات الحقيقية تتطلب إجراء قطع حساب في نهاية كل سنة مالية،

وبما أن الدستور اعتمد مبدأ سنوية الموازنة، وهو يتيح وضع الضرائب والرسوم في القسم المخصص للواردات، ووضع المصاريف في القسم المخصص للنفقات، وإجراء التوازن في ما بينهما للسنة القادمة، ويفسح في المجال أمام مجلس النواب لممارسة رقابة منتظمة ودورية، وخلال فترة وجيزة من الزمن، على المالية العامة، وعلى أعمال الحكومة في السنة التي انقضت،

وبما أن انتظام مالية الدولة العامة، وخضوع السلطة الإجرائية لرقابة السلطة الاشتراعية في مجال الجباية والإنفاق، يقتضي معرفة حقيقية للواردات والنفقات من طريق قطع الحساب،

...وبما أن مضمون القانون المطعون فيه لا يشير إلى تخصيص الموارد الناتجة عنه لدفع الفروقات الناجمة عن زيادة الرواتب والأجور الناجمة عن القانون رقم 46/2017، إنما لتغطية ما يترتب من نفقات إضافية على خزينة الدولة، كون الرواتب والأجور تدخل في النفقات العامة للدولة،

وبما أن ما تمّ إقراره من واردات وعلى النحو المذكور جاء خارج إطار الموازنة العامة للدولة، لا بل في غياب هذه الموازنة المستمر منذ سنوات عديدة، وكان ينبغي أن تصدر الموازنة في مطلع كل سنة، وأن تشتمل على جميع نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة، عملاً بأحكام المادة 83 من الدستور المشار اليها سابقاً،

وبما أن قانون الموازنة يجيز الجباية والإنفاق لمدة سنة وفقاً لما ورد فيه، وقد جاء في المادة 3 من قانون المحاسبة العمومية أن "الموازنة صك تشريعي تقدّر فيه نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة وتجاز بموجبه الجباية والانفاق"،

وبما أنه لا يجوز للدولة الجباية إلا بصك تشريعي يتجدد سنوياً وهو بالتحديد الموازنة،

وبما أن قوانين الموازنة تجيز الجباية لسنة واحدة وفقاً لقانون الموازنة، وتجدد الإجازة السنوية بالجباية في مطلع كل سنة في قانون الموازنة الجديدة،

وبما أنه في الأنظمة الديمقراطية لا شرعية للضريبة إلا إذا كانت قد أقرت جبايتها بحرية من قبل الأمة، يعود لمجلس النواب أن يعبّر عن هذه الموافقة التي لا يمكن إلا أن تكون مؤقتة، والتي يجب تجديدها دورياً، وينبغي أن تجيز قوانين الموازنة السنوية، لكل سنة، تحصيل واردات الدولة،

وبما أنّ المادة 86 من الدستور، وتأكيداً على هذه القاعدة، نصت على أنه في العقد الإستثنائي المخصص لإقرار الموازنة تجبى "الضرائب والتكاليف والرسوم والمكوس والعائدات الأخرى كما في السابق، وتؤخذ ميزانية السنة السابقة أساساً، ويضاف إليها ما فتح بها من الاعتمادات الإضافية الدائمة ويحذف منها ما أُسقط من الاعتمادات الدائمة، وتأخذ الحكومة نفقات شهر كانون الثاني من السنة الجديدة على القاعدة الاثني عشرية"، فلولا هذا الإذن الاستثنائي لما أجيز للدولة القيام بالجباية خلال شهر واحد،

وبما أن القاعدة الاثنتي عشرية وردت في المادة 86 من الدستور وفي المادة 60 من قانون المحاسبة العمومية التي جاء فيه ما يلي: "توضع الموازنات الاثنتا عشرية على أساس الاعتمادات الدائمة المرصدة في موازنة السنة السابقة على أن يؤخذ بعين الاعتبار ما أضيف اليها وما أسقط منها من اعتمادات دائمة"، ما يعني أن القاعدة هذه صالحة لشهر واحد فقط، وهي مرتبطة بالدعوة لعقد استثنائي من أجل اقرار الموازنة، أي حتى آخر شهر كانون الثاني،

وبما أنه لا يجوز فرض ضرائب ظرفياً إنما في إطار موازنة سنوية تشكل برنامجاً إصلاحياً وانمائياً واقتصادياً واجتماعياً، بحيث تأتي الضرائب والرسوم وفق متطلبات الخطة الموضوعة،

وبما أن القانون المطعون فيه صدر في غياب الموازنة وخارجها فقد خالف مبدأ الشمول الذي نصت عليه المادة 83 من الدستور، وكان ينبغي أن يأتي في اطار الموازنة العامة السنوية، وفقاً للقواعد التي نص عليها الدستور، لذلك هو مخالف للدستور".

وعليه، يشكل القرار إدانة لكل عمليات الإنفاق والجباية والاستدانة الحاصلة منذ 1 شباط 2006 وتاليا إدانة لممارسات السلطات السياسية برمتها طوال هذه الفترة. وهو يضع المجلس النيابي أكثر من أي وقت مضى أمام ضرورة الإيفاء باستحقاق الموازنة العامة من دون أي تأخير، ضمانا لسلامة الخزينة العامة، وتحت طائلة انهيار الدولة برمتها.

 

نحو إشراك منظمات المجتمع المدني والمواطنين في تطوير المنظومة الدستورية

المقرر الثالث – وهو لا يقل أهمية- فيتمثل في القبول الضمني للمذكرة التي تقدم بها "ائتلاف الشاطئ اللبناني" بالتعاون مع "المفكرة القانونية" والتي سعيا فيها إلى إثبات عدم دستورية المادة 11 المتصلة بمعالجة المخالفات البحرية والاعتداءات على الأملاك العامة الحاصلة منذ عقود. فانطلاقا من حيثيات ستسيل الكثير من الحبر في الفقه الدستوري، وضع المجلس الدستوري يده على المادة 11 التي لم يشملها طعن "حزب الكتائب" ليقرر بالنتيجة أنها غامضة وغير دستورية. وهو بذلك، أعلن ضمنا انفتاحه على مذكرات منظمات المجتمع المدني والمواطنين، على نحو سيشجع جميع هؤلاء لمشاركة أكثر فعالية في الطعون المقدمة أمامه مستقبلا. ومن شأن هذا الانفتاح أن يؤسس لممارسة ديمقراطية يكون فيها المواطن شريكا في تطوير المنظومة الدستورية والحقوقية. ويلحظ أن "المفكرة القانونية" كانت تقدمت سابقا بمذكرة مشابهة بمناسبة الطعن على قانون استعادة الجنسية، وانتهت آنذاك بتأييد أحد أعضاء المجلس الدستوري القاضي طارق زيادة لمضمونها في رأي مخالف تميّز فيه عن جميع أعضائه.

ختاما، تجدر الإشارة إلى قبول اعتراض نقابة المحامين في بيروت والمهن الحرة بشأن المس بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة فيما يتصل بالمحامين وأصحاب هذه المهن. بالمقابل، تجدر الإشارة إلى أنه وخلافاً لما تداولته بعض وسائل الاعلام، فإن المجلس الدستوري أقرّ إمكانية فرض ضرائب على المصارف وفق ما جاء في المادة 17 من القانون المطعون فيه، على أن يتمّ إقرارها وفق قواعد إقرار القوانين بالمناداة وليس برفع الأيدي وبعد إقرار قانون الموازنة العامة.