مع انتهاء المنازعة حول مرسوم زيادة غلاء المعيشة، انفتحت منازعة من نوع آخر بين المالكين والمستأجرين القدامى حول نسبة زيادة بدل الايجارات القديمة. وبدل أن تقدم أجهزة الدولة قراءة موضوعية موحدة حول نسبة الزيادة، أصدرت على العكس من ذلك تفسيرات متباينة ومختلفة باتت معها نسبة الزيادة مدعاة لنزاع دائم وشامل بين هاتين الفئتين، وانقسم الرأي العام بين مؤيد لهذا الفريق أو ذاك. واذ يخفي هذا الاختلاف الحسابي اختلافا مبدئيا أكثر عمقا حول مشروعية تمديد الايجارات القديمة، فإنه يشكل في الوقت نفسه مؤشرا على تقاعس أكثر خطورة من قبل الدولة لتحمل مسؤولياتها سواء في ضمان حق السكن أو ضبط السوق العقارية أو أيضا في التوفيق بين الحقوق المتعارضة بناء على معايير ومبادئ حقوقية واضحة، بمنأى عن منطق موازين القوى الواقعية. فبتوازنات مماثلة، يخرج النظام القانوني أكثر ثراء ويؤدي دوره الأبرز والأكثر ضرورة كعامل تهدئة اجتماعية (المحرر). 
 
17% أو 50% لا بل 12.8%؟ أرقام ونسب اجتاحت عناوين المقالات و"الدراسات القانونية" في الصحف اللبنانية في البحث عن تحديد نسبة الزيادة القانونية على بدل الايجارات القديمة الخاضعة لقانون 60/1992 نتيجة لزيادة الأجور بموجب المرسوم  2012/7426حتى انتقلت هذه السجالات من صفحات الصحف وكراسي المقاهي الى أروقة قاعات المحاكم والدوائر الرسمية. ففي حين اعتمدت وزارة المالية زيادة الـ12.8% تماشيا مع رأي لمجلس شورى الدولة[1]، انحازت هيئة التشريع والاستشارات الى الـ50%[2]، كما وأعربت محكمة الاستئناف المدنية في بيروت في قرارها الصادر بتاريخ 7/2/2013 عن مبدأ فسّره البعض على أنه ينضم الى الجهة القائلة بان الزيادة القانونية على الايجارات تبلغ 50%[3].
ومن أجل فهم المعضلة المطروحة، يجدر بادئ ذي بدء التذكير بالقاعدة التي طرحها المشرع في قانون 160/92 من أجل تحديد بدل الايجارات الخاضعة له والكامنة في ربط زيادة بدل الايجار بزيادة غلاء المعيشة المحددة بموجب المراسيم، اذ أنه عملا بالمادتين 6 فقرة ج و13 من القانون 160/92، ترتبط وتزاد تباعا بدلات الايجار بنسبة تعادل نصف نسبة الزيادة الطارئة في كل مرة على الجزء الأول من الرواتب المحددة في المراسيم المتعلقة بزيادة غلاء المعيشة وتحديد أجور المستخدمين والعمال وذلك اعتبارا من تاريخ العمل بكل زيادة.
بناء عليه، طبقت على بدلات الايجارات القديمة زيادة بمعدل 33% بعدما صدر بتاريخ 14-10-2008 المرسوم رقم 500 الذي قضى بمادته الثانية بانه "تضاف إلى أساس الأجور الذي كان يتقاضاه الأجير بتاريخ 30-4-2008 زيادة غلاء معيشة قدرها /200.000/ ل.ل (مئتي ألف ليرة لبنانية)"،وألحق هذا المرسوم بالقانون رقم 63 بتاريخ 31-12-2008 الذي قضى بمادته الأولى بأنه "يرفع الحد الأدنى للرواتب والأجور في الإدارات العامة والبلديات وفي الجامعة اللبنانية وفي المؤسسات العامة غير الخاضعة لقانون العمل إلى /500.000/ ل.ل (خمسمائة ألف ليرة لبنانية) أي بزيادة نسبتها 66% على الحد الأدنى للأجور" و"تطبق على بدلات الإيجار المنصوص عليها في المادتين 6و13 من القانون رقم 160 تاريخ 22-7-1992 (إيجار العقارات المبنية) نصف نسبة الزيادة الملحوظة في الفقرة السابقة وذلك اعتباراً من تاريخ العمل بهذا القانون".
ومنذ 1-5-2008، ظلت بدلات الايجار القديمة على حالها على اثر زيادة قدرها 33% لحين أن اقرّ المرسوم رقم 7426/2012 الذي بعد أن قضى بمادته الاولى بالغاء المرسوم 500/2008 وعمليا بالغاء زيادة الـ200 ألف ليرة لبنانية، عاد وحدد نسبة زيادة على الجزء الأول من الراتب بنسبة قدرها 100% ابتداء من 1-2-2012 تزاد على رصيد الأجر بعد اقتطاع هذا المبلغ.  
وبالطبع، نظرا لتعقيدات المرسوم وتناقضاته لجهة احتساب نسبة غلاء المعيشة على الوجه الذي تقدم، بدلا من تحديد نسبة زيادة معيشية واضحة، ارتدّ غموض المرسوم على بدلات الايجار القديمة، فبرزت آراء مختلفة:
الرأي الأول القائل بوجوب احتساب نصف الزيادة الطارئة على الشطر الأول أي 50% عن طريق اقتطاعها على بدل ايجار ما قبل الزيادة الطارئة بموجب المرسوم 500/2008 أي ما يعادل زيادة قدرها 12.78% على بدل ايجار ما بعد 2008،
الرأي الثاني القائل بوجوب احتساب 17% على بدل ايجار ما بعد 2008 مستندا الى الفرق بين نسبة الزيادة الطارئة في 2008 وتلك التي طرأت في 2012،
الرأي الثالث القائل بوجوب احتساب 17.5% على بدل ايجار ما بعد 2008 مستندا الى قيمة الزيادة على الحد الأدنى للأجر الذي كان 500 ألف ليرة، وأصبح بعد الزيادة 675 ألف ليرة، فتصبح الزيادة 675000 - 500000 = 175000 ليرة. وبالآلية الثلاثية، نصل الى زيادة تساوي 35 في المئة على الحد الأدنى للأجور نصفها 17,5 في المئة[4].
على اثر هذه النقاشات، أصدرت هيئة التشريع والاستشارات رأيا شكل قنبلة ما بين المالكين والمستأجرين حيث اعتمدت زيادة قدرها 50% على بدل ايجار ما بعد ا2008 معللة الحل الذي توصلت اليه عبر التحليل الآتي:
"لا يجب احتساب الزيادة في ضوء اقتطاع مبلغ مائتي ألف ل.ل. بعد الغاء المرسوم 500/2008 لاستخراج أساس الراتب الذي يجب اعطاء زيادات الراتب على أساسه لأن هذا الحساب الأخير يجري لتحديد الراتب وليس لتحديد الزيادة على بدلات الايجار التي تبقى محكومة بمؤشر وحيد هو نسبة الزيادة المحددة في مراسيم زيادة غلاء المعيشة أي ما ذكر في هذه المراسيم من نسبة دون الرجوع الى مفعولها العملي اذا تطرقت هذه المراسيم الى أصول محددة لاحتساب الراتب"،
أما محكمة الاستئناف في بيروت، فقد قررت التعبير عن رأيها في المسألة عبر obiter dictumباختصار عبر القول بأن مرسوم لا يمكن أن يلغي قانونا حسب الهرمية القانونية وقد استنتج البعض من هذا القول أن المحكمة قد اعتمدت زيادة الـ50% بالرغم من أن محكمة الاستئناف لم تتطرق الى زيادة بدل الايجار ما بعد الـ2012 فاختصر القرار على تحديد بدلات الايجار المتوجبة لغاية 31-8-2011 مع "التنويه بأن الزيادة التي طرأت عام 2008 انما تمت بموجب قانون ولا يمكن للمرسوم رقم 7426/2012 ان يلغيها او يمسّها عملا بتراتبية الهرمية القانونية للنصوص القانونية".
ولعل ما يبرز في جميع هذه النقاشات والآراء والقرارات والأحكام هو غياب أي اعتبار لسياسة اجتماعية أو اقتصادية تقودها الدولة والمحاكم حتى الآن في ادارة أزمة السكن في لبنان أو حتى في احتساب زيادة غلاء المعيشة وحصر التضخم الذي قد ينتج عن هكذا زيادة على عكس ما ادعته الدولة في الصراع الذي دار بينها وبين هيئة التنسيق النقابية على اثر المطالبة باقرار سلسلة الرتب والرواتب حيث أعربت الحكومة وحاكم مصرف لبنان عن خطورة اقرارها لما قد ينتج عنها من آثار أليمة في الاقتصاد اللبناني.
فكل ما نقرؤه في الآراء المذكورة أعلاه هو جدل جبري عقيم حول كيفية احتساب الزيادة حيث تتقدم معالجة مسألة الزيادة كأنها رهينة عملية احتسابية بحت بغض النظر عن أية تداعيات اجتماعية او اقتصادية.
بالطبع، ان رأي هيئة التشريع والاستشارات يثير الانتقاد الشديد اذ أن الهيئة التي تشدد على أنها محكومة "بمؤشر وحيد هو نسبة الزيادة المحددة في مراسيم زيادة غلاء المعيشة أي ما ذكر في هذه المراسيم من نسبة" لتعود وتفصل بين هذه النسبة و"مفعولها العملي" لجهة احتساب الراتب تفرغ مبدأ الزيادة القانونية من أي منطق واقعي وتفصلها عن قدرات المستأجر الفعلية المعيشية (وهو أمر يتناقض تماما مع ارادة المشرع)، فيصبح المستأجر محكوما" بزيادة على بدلات الايجار تفوق النفقة المعيشية مما من شأنه بالتأكيد التضخم في الأسعار نتيجة لارتفاع بدلات الايجار دون أي اعتبار للنفقة المعيشية. فتختبىء هيئة التشريع والاستشارات تحت ستار التقنية القانونية (وهي تقنية خاطئة كما قد بيناه اعلاه)، من اجل اتخاذ قرار سياسي وايديولوجي بحت بعيد عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
ويختبر الآن الاقتصاد اللبناني تضخم اكيد من جراء عدم الحد من الزيادات على بدل الايجارات الجديدة التي تبقى محكومة بارادة الفرقاء دون فرض أي نظام لحصر الزيادة الطارئة عليها. لا بل أنه بفعل هذه الآراء المتضاربة والتي شاركت فيها هيئات استشارية ووزارات ومحاكم، أصبح كل مالك منجرا لمطالبة المستأجر بتسديد زيادة 50%، وكل مستأجر منجرا لعرض النسبة الأدنى بالطبع، مما قد يفتح فيما بينهم مشروع دعاوى لا تنتهي.
ويتبين من هذه القضية، أن الدولة في مختلف أجهزتها تجري في اتجاه معاكس تماما لدورها. فبدل من العمل على التخفيف من النزاعات الاجتماعية apaisement des conflits sociaux، تراها تؤججها بين المالكين والمستأجرين القدامى.
وبالطبع، وأبعد من قضية تحديد الزيادة الطارئة، سياسة تأجيج النزاعات هذه لا تقتصر على نسبة الزيادة الأخيرة، بل تمتد لتشمل قضية الايجارات القديمة برمتها. فعدا عن أن الدولة تبقى متقاعسة عن تحمل أية مسؤولية كانت في تأمين حق السكن لذوي الحاجة تاركة هذا العبء بكامله على المالكين، فإنها تشرع في هذا المضمار من خلال خيارات ليس لها أي سند مبدئي كالحاجة المشروعة للمستأجرle besoin légitimeمثلا في السكن. فالمستأجر المتيسر يعامل بمثابة المستأجر المتعسر، يفرض على المالك القديم الذي يرغب باسترداد المأجور بالتعويض على المستأجر ما بين 25% و50% من قيمة المأجور، فيصبح المستأجر يتشارك مع المالك بملكيته، ويستفيد المستأجر من حق التمديد دون أن يأخذ بعين الاعتبار امكانياته المالية أو العملية للاستحصال على ايجار جديد.
فيبقى بالتالي على المحاكم اللبنانية أن تعتمد سياسة اجتهادية [5]Politique jurisprudentielleفي تطبيقها لقوانين ومراسيم الايجارات القديمة تراعي بين الحق في السكن Le droit au logementوحق الملكية droit de propriétéوما يتضمنه من حق بالانتفاعabusus .
ومن أجل الخروج من هذه الدوامة المفسدة، ربما يترتب على المحاكم الاستعانة بآليات قانونية عديدة من أجل تأمين أن يكون حق المستأجر القديم متناسبا مع أهداف القانون وهي تأمين السكن لذوي الحاجة المحددة على أساس معايير موضوعية.
ومن هذه الآليات عدم الحكم على المالك بالتعويض للمستأجر في حالات الاسترداد القانونية التي تبررها حاجة المالك المشروعة بناء على تعارض هكذا أحكام مع حق الملكية المكرس في الاتفاقيات الدولية من جهة، وثانيا" الحكم على المستأجر الذي لا يبرر أي حاجة مشروعة للسكن بالاسقاط من حق التمديد باعتباره متعسفا باستعمال الحق “abus de droit”.
وأخيرا"، لا بد للمحاكم من حث الدولة على تأمين مسؤولياتها في هذا المجال عبر تكريس حق السكن لذوي الحاجة بوجه الدولة من أجل حثها على تأمين مساكن لذوي الحاجة على سبيل ما فعلته المحاكم الفرنسية الذي كرست اجتهادها بقانون في عام 2007[6].
 
*محامية متدرجة في بيروت
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية


[1]قرار وزير المالية رقم 375/1 تاريخ 2-4-2011 استنادا" لرأي مجلس شورى الدولة رقم 149/2011-2012 تاريخ 12-3-2012
[2]رأي هيئة التشريع والاستشارات رقم 441 تاريخ 24-5-2012
[3]قرار محكمة الاستئناف في بيروت، الغرفة الحادية عشر، رقم 181/2013 تاريخ 7-2-2013
[4]نبيل العرجه، "فذلكة الـ50% نظرية حق يُراد بها باطل، دراسة قانونية شاملة للزيادة الأخيرة على الإيجارات"، جريدة السفير، 2-4-2013: "الخطأ في هذا التفسير أنه استند إلى قيمة الزيادة على الحد الأدنى للأجر من أجل تحديد الزيادة على الإيجارات. والصحيح أن قانون الإيجارات نصّ على أن الزيادة على الإيجارات تعادل نصف الزيادة على الجزء الأول من الراتب وليس على الحد الأدنى".
 
[5]Guy Canivet et Nicolas Molfessis, “la politique jurisprudentielle"
[6]قانون 5-3-2007