أن تنشأ هيئة مدنية للتنسيق البرلماني، هيئة قادرة على تحريك مشاريع واقتراحات القوانين العالقة داخل البرلمان من منطلق مواطني، بات حاجة ملحة من دون ريب. ولإدراك ذلك، يكفي التدقيق في المراجعة التي أجرتها المفكرة القانونية للأعمال التشريعية 2012 لجهة عددها أو مستواها الفني المتدني أو أيضا غاياتها التي بالكاد تستر طابعها التمييزي أو الفوقي. ولكن، ثمة أسئلة لا بد منها عند اطلاق مبادرة من هذا النوع: أولا، كيف عساها تحدد مشاريع القوانين التي ستحظى بالأولوية في أعمالها؟ وما هي المعايير التي ستأخذها بعين الاعتبار لاختيار هذه المشاريع؟ وبكلام أكثر صراحة، هل ستغلب في اختيارها المشاريع ذات الطابع التوافقي على المشاريع التي تثير حساسيات سياسية أو اجتماعية معينة، كمشروع قانون ذوي المفقودين، على نحو قد يؤدي في نهاية المطاف الى التناغم بشكل كبير مع تطلعات السلطة وتسويقها؟ وثانيا، ماذا بشأن ساحة البرلمان؟ وهل ستفتح لأصحاب المطالب ومشاريع القوانين ليرفعوا راياتهم فيها كما يحصل في مجمل الدول الديمقراطية، أم على المواطنين المحتجين أن يعبروا عن مطالبهم على بعد كيلومتر منه على الأقل، تجنبا لإزعاج أصحاب المطاعم؟ وهل سيتواكب العمل التنسيقي داخل البرلمان مع العمل الشعبي خارجه، أم أنه سيؤخذ كذريعة لتجريد هذا الأخير من أية مشروعية؟ وثالثا، ماذا بشأن حق المواطن في الاطلاع على مشاريع القوانين ومتابعة أعمال اللجان النيابية؟ وكيف ستمارس الهيئة عملها داخل البرلمان، وهل ستعمل من خلال وجودها على مقربة من البرلمان على ضمان الشفافية في العمل التشريعي بشكل أوسع؟ ورابعا، هل ستحد الهيئة عملها بصناعة قوانين جديدة تتزين بها موسوعات التشريع اللبناني، أم أنها ستخصص بعض جهودها لحث النواب على مساءلة السلطة التنفيذية بشأن تنفيذ هذه القوانين، ولا سيما القوانين التي أقرت حقوقا اجتماعية، والتي يبقى غالبها بمثابة الأميرة النائمة التي تنتظر من يوقظها (المحرر).   

تتبلور مبادرة جديدة في لبنان ترمي إلى تأسيس جسر تواصل متين بين هيئات المجتمع المدني ومجلس النواب وتواصل تحكمه آليات ذات فاعلية عالية وجدية. المبادرة المقصودة تتلخص بـ"هيئة المجتمع المدني للتنسيق البرلماني" (المؤلفة من 72 جمعية)، وببدء المراحل الأولى من عملها، حيث تم اختيار 5 مشاريع قوانين لمتابعتها مع أعضاء المجلس النيابي والضغط من أجل اقرارها وفق صيغ تراعي حقوق المواطن ومعايير الشفافية العامة.
بدايات المشروع، أو بالأصح بدايات التفكير فيه، تمت من خلال الحملة التي نُظمت لإقرار قانون منع التدخين في الأماكن العامة. كانت مجموعة الضغط تقيم اعتصامات أمام المجلس النيابي، وكان الناشطون يعلنون "صوتنا لا يصل كما نريد" ويتحدثون عن مشكلة في منظومة التواصل مع أعضاء المجلس النيابي وإن كانت غالبيتهم ترغب بالتواصل مع المجتمع المدني، لكن لا توجد "حيثيات ولا آليات لمتابعة ما يُناقش معهم، باختصار في الوضع الحالي لا يمكن بناء علاقة مؤسساتية تسمح بملاحقة مشاريع القوانين التي تُطرح معهم"، وفق ما يشرح طارق ذبيان منسق المشروع في جمعية "اندي أكت" (وهي من الجمعيات المؤسسة للهيئة).
يرى أصحاب المبادرة الجديدة، ضرورة التوصل إلى آلية تنظم التعاطي بين مجلس النواب والمجتمع المدني، ومن المفترض أن يكون عنوان هذه الآلية أو أبرز بديهياتها بأن "تكون أبواب المجلس مفتوحة أمام الشعب والجمعيات غير الحكومية المختصة بشؤون يتابعها النواب".
المبادرة تندرج في إطار عناوين يشجعها "صندوق الأمم المتحدة للمبادرات"، وباشر تجمع الهيئات المشاركة العمل على خمسة مشاريع قوانين، أولها مشروع "قانون مشاركة المواطن" (أو مشاركة المجتمع المدني في الاضطلاع برأي وإبدائه في مشاريع القوانين المقدمة إلى المجلس النيابي). أما المشاريع الأخرى فتم اختيارها من ضمن عناوين طرحتها الهيئات، وهي أكثر من 30 مشروعاً (بعضها متعلق بحماية الأبنية الأثرية أو بعلاج مشاكل الإدمان). وُضعت معايير لاختيار أربعة منها، بناء أولاً على عدد الهيئات المهتمة بها، وإمكانية تحقيق المشروع، ومدى تقدم العمل عليه، وغير ذلك من المعايير "العملانية"، وتم التوصل إلى التركيز على مشاريع القوانين التالية: مشروع استراتيجية وطنية متكاملة للنقل المستدام، ومشروع قانون حرية الوصول إلى المعلومات، وملف إدارة ومعالجة النفايات، ومشروع قانون متكامل يضمن حقوق المعوقين. ويتوقف البعض عند عملية اختيار مشاريع القوانين التي كانت بحد ذاتها غاية في الصعوبة والحساسية في ظل وجود عدد كبير من المشاريع المهمة، وثمة من يتخوف من العراقيل أو المشاكل التي يمكن أن تواجهها الهيئة في إطار الضغط من أجل المشاريع التي تم اختيارها، كما يرى آخرون أن المبادرة نفسها شديدة الأهمية، وتشجيعها وتقديم الدعم لها أمر ضروري، ولكن يؤكد على ضرورة أن يُعطى ممثلو الجمعيات – في المرة المقبلة- المزيد من الوقت للتبحر أكثر وأكثر في اقتراحات مشاريع القوانين التي سيتم اختيارها للضغط من أجل إقرارها.
أنهت "هيئة المجتمع المدني للتنسيق البرلماني" المرحلة الأولى من عملية تأسيسها، إذ تم وضع الميثاق التأسيسي والنظام الداخلي، وتنطلق المرحلة الثانية المتمحورة حول عملية الضغط Lobbyingحول مشاريع القوانين التي وقع عليها الاختيار.  
ضد المحارق
فيما يتعلق بملف النفايات الصلبة، ترفع الهيئة الصوت عالياً ضد مشاريع وقرارات اعتماد المحارق، وأبرزها الخطة الجديدة لمعالجة مشكلة النفايات التي أقرها مجلس الوزراء في آب/أغسطس عام 2010 والتي ترتكز على إقامة المحارق. وفي هذا الإطار تحذّر الهيئة من المخاطر العالية على البيئة بما يجعل اعتماد المحارق أشبه بالتأسيس لـ "كارثة بيئية جديدة". المشروع الذي تدافع عنه الهيئة عنوانه "التحالف نحو صفر نفايات" فلبنان ينتج يومياً نحو 4 آلاف طن من النفايات معظمها وفق الهيئة "مصنفة خطرة تُطمر وتُحرق وتُكب بشكل عشوائي في كل المناطق اللبنانية". تلفت أوراق الهيئة إلى أن قضية الإدارة السليمة للنفايات المنزلية لا تزال قضية مطروحة وملحة جداً، خاصة أن معظم هذه النفايات "مواد ذات قيمة". ويتم التعامل الرسمي مع هذا الملف باعتماد خطط طارئة، وبذلك تُتخذ قرارات بصفة الاستعجال، هي في حقيقة الأمر "غير سليمة بيئيّاً، وغير ملائمة اقتصاديّاً واجتماعيّاً، وعالية الكلفة وفي الاتّجاه الاستراتيجي الخاطئ"، وبالتالي دون أن تُطرح حلول جذرية لهذه المشكلة. فقد كانت الخطة الطارئة الأولى عام 1997 لإيجاد مطمرين صحيين في بصاليم والناعمة، وتم إقفال محرقتين في العمروسية والكارنتينا بسبب المعارضة المتزايدة عليهما.
إذاً يمكن القول إن المطروح في النقاشات "الرسمية" اللبنانية أو في اقتراحات لمشاريع قوانين يتلخص بإقامة محارق للنفايات، أما الاقتراح الذي تعمل من أجله "هيئة المجتمع المدني للتنسيق البرلماني" فيرتكز على "سياسة إدارة الموارد واستردادها ومن ثم إزالة المواد غير القابلة للاسترداد". وتلفت الهيئة إلى أن المحارق "تقنية ثقيلة، وعالية الكلفة في الإنشاء والتشغيل" وهي بحسب الهيئة "منشآت لإنتاج ونشر أخطر الملوّثات وأكثرها سميّة على الإطلاق بأعلى كلفة على الإطلاق"، فمنذ ثلاثة عقود بدأت الدول الصناعية تتخلى عنها، إذ ظهرت مساوئها على البيئة والصحة العامة.
المقترح الذي تطرحه الهيئة هو اعتماد معامل التسبيخ، لا المطامر التي تتطلب موازنات كبيرة لإنشائها وتشغيلها وإعادة تأهيلها.
النقل العام للجميع
من المشاريع التي تنشط الهيئة في تطوير النقاشات حولها هي قضية النقل العام. وفي هذا الإطار أكد ذبيان للـ"مفكرة" على جدية وإيجابية المشاريع التي ناقشتها وزارة الأشغال العامة و"الهادفة إلى تشجيع اللبنانيين لاستخدام النقل العام". أما الهيئة فتطرح مشروع "الحملة الوطنية للنقل المستدام من أجل مستقبل أفضل"، يتحدث ذبيان عن ضرورة مشاركة الدولة في إدارة هذا القطاع، أو أن تكون ثمة باصات تحت إدارتها إضافة إلى ما تملكه شركات أو رجال أعمال من القطاع الخاص.
تعزيز الشفافية العامة
حق الوصول إلى المعلومات هو من الحقوق الأساسية وفق ذبيان، ومن الوسائل المهمة لمحاربة الفساد. وقد بدأ العمل والحث للوصول إلى قانون يشرّع الوصول إلى المعلومات منذ عام 2009، قام عدد من النواب بتقديم مشروع قانون يستند إلى حد كبير إلى مظلة "شبكة الولوج إلى المعلومات التي أُنشئت عام 2008، وهي مؤلفة من أعضاء من القطاعين العام والخاص". لم يُحرز تقدم مهم في هذه القضية رغم أن أعضاء الشبكة نظموا بين عامي 2010 و2011 عدداً كبيراً من الأنشطة الهادفة إلى زيادة وعي المواطنين حول هذه القضية والضغط على المجلس النيابي للتصديق على مشروع القانون المرفوع من النواب أعضاء الشبكة. إلا أن الناشطين من أجل هذه القضية لم يعلنوا يأسهم إذ استمرت التحركات والضغوطات. ففي 20 أيلول / سبتمبر الماضي، نظمت الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية (التي يعتبر النائب غسان مخيبر من أبرز أعضائها)، فاجتمع نحو 30 شخصاً من الجمعيات والأحزاب، للضغط على لجنة الإدارة والعدل في المجلس النيابي لإقرار مشروع القانون المرسل إلى البرلمان، ثم كان اجتماع مع رئيس المجلس نبيه بري "لحثه على الإسراع في عملية دراسة وتصديق القانون". الضغط الذي مورس في هذا الاتجاه أدى إلى "تعيين لجنة فرعية لمناقشة وإقرار المشروع في 26 تشرين الثاني"، وقد تم إرساله إلى لجنة الإدارة والعدل لمزيد من المناقشات، وفق ما نقرأه في اوراق الهيئة. وهذا ما تم بالفعل بحيث تمت المصادقة على مشروع القانون في هذه اللجنة.
المتابعون لعمل الهيئة يلفتون في هذا الإطار إلى أن الطريق الذي تسلكه وعر وتعترضه الحواجز، ويتخوفون من تفاقم هذه الصعوبات حين يتعلق الأمر بمشاريع تمس بالمصالح الخاصة لعدد من البرلمانيين والسياسيين. تجربة جديدة: وقد تكون مجرد خطوة أولى مؤداها الأساسي اسماع البرلمانيين صوتا آخر، صوتا من خارج شبكة المصالح التي باتت تحاصرهم بل تغزوهم كشبكات عنكبوت مترابطة.
*فريق عمل المفكرة القانونية
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية