لماذا تريد الفلسفة أن تقحم نفسها في كل المعارف البشرية؟ سؤال مشروع لا سيما اليوم في عصر باتت فيه مجموعة كبيرة من المواضيع خارج البحث الفلسفي. فكم من حقل معرفي كان مجرد فرع في هرمية العلوم الفلسفية تحرر من هيمنة الفلسفة وأصبح علما قائما بذاته، له مناهجه الخاصة وأدوات بحثية قائمة بذاتها تؤمن استقلاليته وتحصره في مجال التجربة بعيدا عن كل اعتبارات ميتافيزيقية؟
 لكن ألا تدخل الاعتبارات الميتافيزيقية في صميم التجربة البشرية وتعطي الانسان ما يميز وجوده ككائن في رحلة دائمة نحو ما هو أكمل وأسمى؟ فمصطلحات كالعدالة والجمال والخير هي في المقام الأول أهداف يجب أن يسعى إليها كل فرد ولا يمكن في الحقيقة تخيل حياة بشرية لا تخضع لمعايير مماثلة.
وبما أن غاية الانسان تكمن في الخاصية التي تميزه عن غيره من الموجودات، كان من البديهي أن تكون غايته في العقل، أي هذه القوة التي تدخل في تعريف ماهيته. ويقول لنا القديس توما الأكويني في شرحه كتاب "ما بعد الطبيعة" لأرسطو ما حرفيته:
‘Tout être possède un penchant naturel pour son agir propre ; …Or l’opération qui caractérise l’homme en sa qualité d’homme, c’est de faire acte d’intelligence. En quoi il diffère de tout le reste. Voilà pourquoi il incline naturellement à comprendre et à savoir’[1].
ولما كان الشأن العام أنبل من الأمور الخاصة التي تتعلق فقط بالفرد كان التفكير بالاجتماع البشري وبالمبادئ التي تقوم عليها الدول أكثر خطورة وأشد تأثيرا على حياة البشر. ومن أهم هذه المبادئ الناظمة للمجتمع، القانون الذي يشكل حسب تعبير شيشرون الرابطة التي توحد بين المواطنين في دولة ما. وهذه الرابطة هي مدماك الحياة السياسية التي تعكس قيم المجتمع والطريقة التي ينظر بها أفراد هذا الأخير إلى كيفية تكوّن الشرعية (légitimité)وممارسة السلطة.   
وإذا كان القانون على هذه الدرجة من الأهمية فالشارع الذي يتولى اقرار القانون يحتل المكانة الأولى والصدارة المطلقة كونه يهتم بالخير العام الذي من أجله يجتمع البشر في دولة. فأفلاطون مثلا، في محاورة "الجمهورية"، يصر على أن الشارع ينبغي أن يكون فيلسوفا: وحده الرجل الذي بلغ منتهى الحكمة يحق له أن يحكم المدينة. أما أرسطو فانه يقول لنا إن الوظيفة السياسية الأرفع تعود للمشرع لأن وحده هذا الأخير يمتد نظره وتنبسط يده على الكل بخلاف الاجتماعات الجزئية (العائلة والقرية والجمعيات على اختلاف أنواعها...) التي لا تسعى إلا وراء تحقيق الخير الخاص والمحدود.
  لذلك يتبين لنا بما لا يقبل الشك أن البحث في القوانين التي تحكم العمران البشري هو أرقى ما يستطيع المرء الخوض فيه وتدبره في هذه الحياة الدنيا. فمجرد الركون إلى مبادئ كالحق والعدالة والشرعية كفيل بنقل الباحث إلى فضاءات فكرية رحبة فلسفية الطابع حيث العقل هو النبراس الوهاج "والقسطاس المستقيم" (نعتذر من الامام الغزالي لتحوير فحوى عبارته) في النوازل والأحكام.
وقد سارت الفلسفة العربية على الدرب نفسه وتبنت أفكار أفلاطون حول من يعود له حكم الدول. يقول لنا الفارابي مثلا عندما يشرح الصفات التي من المفترض أن توجد في الحاكم: "الملك في الحقيقة هو الذي غرضه ومقصوده من صناعته التي يدبر بها المدن أن يفيد نفسه وسائر أهل المدينة السعادة الحقيقية، وهذه هي الغاية والغرض من المهنة الملكية. ويلزم ضرورة أن يكون ملك المدينة الفاضلة أكملهم سعادة إذا كان هو السبب في أن يسعد أهل المدينة"[2].  
والذي "يدبر" المدينة (أي الدولة) في عصرنا الحالي هو من يتولى السلطة التشريعية بالدرجة الأولى. والسعادة التي يتكلم عنها الفارابي قطعا لا يتم تقديرها حسب معايير اليوم التي تقوم على النجاح المادي والشهرة وما يرافق ذلك من جاه وترف في المعاش. فالسعادة في فكر الفارابي هي الحياة الفاضلة التي يصل إليها الانسان بالحكمة والعقل. فلكي يكون الشعب فاضلا ولكي تستقيم أمور الدولة حسب مقتضيات العدالة، من المفترض أن يكون الشارع قد بلغ أقصى درجات الحكمة والفضيلة. وهكذا يتبين لنا من جديد مدى أهمية القانون في المجتمعات والدور الخطير الذي تمارسه السلطة التشريعية بتحديد مصير الشعوب. لكن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه بعد هذا الشرح المسهب هو: لماذا علينا أن نقارب القوانين من الناحية الفلسفية؟
والجواب سهل لا يحتاج إلى عناء في الشرح: لا بد من فلسفة القانون كي نتمكن من نقده. فكل محاولة لرفض أو تعديل قانون ما لا تتم إلا باسم العدالة والخير العام. وبما أن تعريف العدالة والخير يختلف وفق الايديولوجيات والتوجهات السياسية للسلطة الحاكمة بات من الضروري التفكير في هذه المبادئ بشكل مستقل عن الأهواء والمصالح الخاصة. ولما كانت الفلسفة هي هذا التفكير المستقل الذي يهدف للوصول إلى الحقيقة لم يعد أمامنا غير الفلسفة كسبيل ناجع لنقد القوانين الجائرة أو لاقتراح تلك التي يحتاج إليها مجتمعنا اليوم. ولكي نوضح هذه الصورة أكثر سنقوم بمقارنة بينتعريف فلسفي للقانون والتعريف الوضعي (positiviste) الذي يهيمن على كليات الحقوق منذ فترة طويلة من الزمن.
يتبنى القانون الإداري حسب كل من العميد "فيدل" والعلامة "ديلفولفيه" التعريف التالي للقانون:
‘Dans notre droit public, le terme de loi, au sens strict, est défini de façon purement formelle: est loi l’acte fait par les organes exerçant le pouvoir législatif et selon la procédure législative’[3].
القانون هو إذا وبكل بساطة النص الذي تقره السلطة التشريعية حسب آلية التشريع المحددة في الدستور القائم، أو بتعبير آخر القوانين هي تجسيد لإرادة الشارع. لكن الإرادة مفهوم شكلي صرف كونها لا تتعلق بمضمون ما يتمتع بقيمة معيارية يسمو عليها ويحصرها في حدود واضحة المعالم، بل الإرادة حرة بتحديد مادتها وهي بالتالي تستطيع أن تفعل كل شيء يحلو لها.
ومخاطر هكذا تعريف بينة لا تحتاج إلى جهد بغية شرحها. فالسلطة التشريعية، نتيجة لهذا الفهم للقانون، يمكنها سن أكثر القوانين جورا بذريعة أن ارادتها كافية لاسباغ سلطة الدولة القهرية على أي نص. والنقطة المركزية التي يجب القاء الضوء عليها هي أن القانون في الديمقراطيات الحديثة هو تعبير عن سيادة الشعب. فالسلطة التشريعية باتت اليوم منتخبة وهي بالتالي تتمتع بشرعية لا يمكن ردها.
وحقيقة الأمر أن المجالس النيابية في العالم لم يعد يحق لها أن تقر ما شاءت من القوانين، بل يترتب عليها أن تحترم جملة من المبادئ التي أصبحت غالبية دساتير الدول تكفلها، كالمساواة وحرية الاعتقاد إلى ما هنالك من مفاهيم تتعلق بحقوق الانسان. لكن هذه المفاهيم ليست حقوقية الطابع بل هي كلها نشأت بعد تسويغها على الصعيد الفلسفي، لذلك لا يجب النظر فقط إلى دستور ما كمجرد نص قانوني يحتل رأس هرمية النصوص بل يتوجب علينا أيضا أن ندرسه كتطبيق عملي للفلسفة السياسية. ومن هنا نستطيع أن نفهم الطبيعة المبهمة للمجالس الدستورية التي لا تستطيع في معرض عملها الاقتصار على المبادئ الحقوقية المحضة بل يتحتم عليها أن تتبنى جملة من المفاهيم الفلسفية التي من دونها سيفقد أي مجلس دستوري مرتكزه النظري وتاليا دوره.
القانون هو إذا النص الذي تقره السلطة التشريعية (تعريف شكلي) شريطة أن تحترم هذه الأخيرة مجموعة من المبادئ العليا غير القابلة للإلغاء (تعريف مادي). لكن كيف نستطيع تحديد هذه المبادئ الملزمة؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي سيسمح لنا بعرض التعريف الفلسفي للقانون الذي وعدنا به القارئ آنفا.
التعريف الشكلي يحتاج إلى تعريف مادي بغية لجم جموح الإرادة وتفلتها من كل عقل. هذه هي النتيجة التي وصلنا إليها حتى الآن. ولكي تكتمل الصورة لدينا ما علينا سوى الاجابة عن سؤال بسيط: ما هي الجهة التي توجه الإرادة في الانسان؟ والجواب هو العقل، فكل إرادة لا يحكمها العقل تصبح اعتباطية وخطيرة. لذلك، لا بد من اضافة العقل على التعريف الشكلي كي يكتمل فهمنا للقانون. وها هو القديس توما الأكويني يختصر لنا في جملة بالغة الدقة نتاج أكثر من ألف عام من الفلسفة المشائية فيقول: "الشريعة (أي القانون) ليست إلا نظاما عقليا يقصد به المصلحة العامة مذاعا (أي صادرا) ممن يلي أمر الجمهور"[4]
وهكذا نستطيع أن نستخلص مجموعة من الشروط التي تسمح بتعريف القانون:
1-القانون نظام عقلي أي انه حكم يصدره العقل، فكما أن أفعال الانسان يحكمها عقله كذلك القانون الذي يهدف إلى تحديد أفعال المواطنين، إن كان عبر اباحة هذا التصرف أو منع ذاك، يجب أن يخضع لسلطان العقل.
2-القانون يسعى لتحقيق المصلحة العامة لأن غايته هي صلاح المجتمع ككل وليس تأمين منفعة فئة معينة فقط.
3-القانون يصدر عن الجهة التي تلي أمر الجمهور أي عن سلطة الدولة. فإذا كانت القوانين تطبق على الجمهور ككل، فالذي يحق له أن يشرع هو الجمهور أو من ينوب عنه.
في محصلة الموضوع، التعريف الأمثل للقانون هو ذاك الذي يجمع بين التعريف الشكلي (الشرط الثالث) والتعريف المادي والغائي (الشرطان الأول والثاني). وكل قانون لا يحترم هذه الشروط مجتمعة يجوز رفضه وعدم الانصياع اليه. وحده التعريف الفلسفي يسمح للانسان بالحفاظ على حريته لأنه يخضع السلطة السياسية إلى نقد عقلي ويسمح للإنسان بأن يتحرر من أهواء الإرادة وأوهام الايديولوجيات. فلنفلسف القانون كي نحافظ على انسانيتنا، وكي يتحول التشريع إلى مهمة نبيلة تجمع بين الحكمة والفضيلة.
 
*كاتب في الفلسفة السياسية والقانون الدستوري
  نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية


[1]Métaphysique d’Aristote/commentaire de Thomas d’Aquin, traduction de Guy-François Delaporte, l’Harmattan, Paris, 2012, p. 80.
[2] الفارابي، فصول منتزعة، دار المشرق، بيروت، 1993، ص. 47.
[3]Georges Vedel et Pierre Delvolvé, Droit administrative, PUF, Paris, p. 463.
[4] توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية، المجلد الرابع، تعريب بولس عواد، بيروت، 1898. طبعة جديدة: دار وكتبة بيبليون، جبيل، 2009، ص. 567.