بتاريخ 18/10/2017، وجه رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد كتابا إلى رؤساء المحاكم الاستئنافية والمسؤولين القضائيين، لغاية التحضير لحفل افتتاح السنة القضائية 2017-2018 المقرر حصوله بتاريخ 27/10/2017. وموضوع الكتاب: "باسم الشعب، تبنى الدولة"، وصفته: "عاجل جدا". وقد جاء فيه حرفيا الآتي:

"نحيطكم علما أن مجلس القضاء الأعلىقرر بالتوافق مع دوائر القصر الجمهوري افتتاح السنة القضائية 2017-2018 بحفل عنوانه "باسم الشعب، تبنى الدولة"، وذلك نهار الجمعة الواقع فيه 27 تشرين الأول 2017 عند الساعة الثالثة من بعد الظهر في قاعة الخطى الضائعة في قصر العدل في بيروت. إن فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سيشرف القضاء برعاية وحضور هذا الحفل الذي سينقل مباشرة على الهواء عبر شاشات التلفزيون ويشكل هذا الحدث المناسبة الوحيدة التي يتم فيها عرض واقع القضاء العدلي وإمكاناته وانجازاته وتحدياته أمام السلطتين التشريعية والتنفيذية وأمام المواطنين، فيقتضي أن تظهر السلطة القضائية بأبهى حلتها. أننا نطلب منكم التفضل بالتعميم على جميع السادة القضاة التابعين لمحاكمكم ودوائركم القضائية بأهمية وضرورة المشاركة بالثوب القضائي وغبلاغنا خلال مهلة أقصاها الاثنين الواقع فيه 23 تشرين الأول 2017 بأسماء القضاة الذين سيتغيبون عن الحفل وأسباب هذا التغيب". 

وهذا الكتاب غير المألوف يشكّل، بما تضمنه أو لم يتضمنه، شاهدا قويا على الدرجة التي وصلت إليها العلاقة بين السلطة القضائية والسلطات السياسية. وهو يستدعي عددا من الملاحظات:

1- أن توقيت الحفل معبّر. فبخلاف ما جاء فيه لجهة اعتباره افتتاحا للسنة القضائية 2017-2018، فإنه يبدو أقرب زمنيا من مرسوم التشكيلات القضائية الصادر قبل أسبوع من موعده، منه إلى بداية السنة القضائية الحاصلة مبدئيا بعد انتهاء العطلة القضائية منذ أكثر من شهر. وما يؤكد ذلك هو أن إصدار مرسوم التشكيلات شكل مطلبا من رئاسة الجمهورية وبحسب ما نما إلى المفكرة شرطا من شروط مشاركتها في أي احتفال في قصر العدل.

2- أن تسميّة الحفل "باسم الشعب تُبنى الدّولة" تخرج عن قاموس المُفردات المُستخدمة عادة في قصور العدل. فهي لا تتضمّن أيّ إشارة إلى العدل أو المؤسسة القضائية أو استقلالها أو حتى إلى دورها الاجتماعي في بناء الدولة، إنما مجرّد تسليم بمرجعية الشعب، والذي هو مفهوم حمّال للمعاني. وبذلك، بدل أن يؤدي القضاء دورا في كبح التوجّهات الشعبوية للعهد الحالي، تراه يتماهى معه في هذا الخطاب. وعليه، لا بأس أن تزول الفواصل بين السلطات وأن تنتهك استقلالية القضاء، لا بأس أن تتضاعف تدخلات وزارة العدل في أعمال القضاة، طالما أنها تتم باسم "الشعب" ولمصلحته المفترضة.

3- أن أسلوب الحديث عن السلطات السياسية إنما ينم عن قناعة مجلس القضاء الأعلى بدونية القضاء. وهذا ما تظهره بوضوح المفردات المستخدمة فيه والتي تذكر بأدبيات الخضوع المستخدمة في الأنظمة التوتاليتارية في مناسبات كهذه[1]. ففيما أعلن رئيس مجلس القضاء أن حفل افتتاح السنة القضائية يتمّ ب "رعاية" رئيس الجمهورية مع ما يستتبع ذلك من دونية، فإنه يكشف أن الاتفاق حول تاريخ الحفل وتسميته تم ليس مع الرئاسة (التي هي أعلى منه مقاما) إنما مع دوائر القصر الجمهوري، أي مع مأموري هذه الأخيرة (الذين هم يوازونه من حيث المقام). القناعة بالدونية نفسها نقرؤها في تأكيد البيان على أن الحفل سيشكّل المناسبة الوحيدة لعرض واقع القضاء وإمكاناته وإنجازاته وتحدياته أمام السلطتين التنفيذية والتشريعية وأمام المواطنين. فهذه العبارة تدلّ على قناعة المجلس بعجزه وبضعف قدرته في إيصال صوته، فكأنه سلطةٌ لا صوت ولا طاقة لها، فتراها تسعى (تماما كأي مجموعة مهمشة مستضعفة) من الفرصة التي ما كانت لتحصل لولا رعاية رئاسة الجمهورية لهذا الحفل وتشريفه له، وهي فرصة لا يعتقد المجلس من موقعه الدوني بإمكانية تكرارها مرة أخرى. يُضاف إلى ذلك أن هذه العبارة تعكس أولويات المجلس الذي يرى أن مخاطبة المواطنين تأتي في المرتبة الثانية بعد مخاطبة السلطتين السياسيتين. المنحى نفسه نستنتجه من تشديد المجلس على ضرورة تأمين حضور كثيف للقضاة بأثوابهم الرسمية بهدف تظهير القضاء في أبهى حلته، وذلك من باب إكبار الحدث الذي لا يمكن للقضاة أن يتغيبوا عنه.         

4- أن البيان آل عمليا إلى ممارسة ضغوط واضحة على القضاة ورؤساء المحاكم والدوائر القضائية لضمان حضور كثيف للقضاة. فمن جهة أولى، يُطلب من رؤساء المحاكم التحرّك بسرعة قصوى، ليس فقط لتوجيه الدعوة لحضور الحفل أو للإستعلام حول رغبة القضاة بالحضور، بل لإفهام القضاة أهمية وضرورة حضورهم وبالنتيجة لإيداع مجلس القضاء الأعلى خلال مدّة أقصاها 23 تشرين الأول (أي خلال مهلة يومي عمل من تبلّغهم الكتاب: الجمعة والاثنين) لائحة بأسماء القضاة المتغيّبين وبأسباب تغيّبهم، مع ما يستتبع ذلك من أعمال تقصّ محتملة حول دوافع القضاة لعدم حضور الجلسة. ومن يقرأ هذه العبارات، يقف مشدوهاً. فاللائحة المطلوبة ليست لائحة بأسماء القضاة الذين يرغبون بالحضور بل بأسماء القضاة الذين سيتغيّبون، على نحو يدلّل على أن الحضور ليس مسألة متروكة لرغبة كلّ قاض، بل هو واجبٌ يشكّل الخروج عنه مأخذاً على القاضي ما لم يُدلِ بعذر مقبول. ويُخشى طبعاً أن يعمد مجلس القضاء الأعلى عند استلامه اللوائح إلى تقييم أسباب التغيب وتوثيقها على نحو قد يؤثّر لاحقا على مسارات القضاة المهنية (وأقربها قرارات توزيع الأعمال)، والأخطر أن يعمد المجلس إلى الضغط عليهم بوسيلة أو بأخرى للرجوع عن قرار التغيّب، كلما تبين ذلك ممكنا. ومن هذه الزاوية، يبدو مآل هذا التعميم بمثابة وسيلة إضافية لاستتباع القضاة. فبعدما نجحت المنظومة القضائية في دفع عدد كبير من القضاة إلى ارتياد مكاتب ومنازل الشخصيات السياسية لاستجداء مناصب كاسرة بذلك شوكة استقلالهم، ها هي المنظومة نفسها تتحرك للضغط على القضاء الذين ما يزالون متمسكين باستقلاليتهم، ولو على حساب إرتقائهم المهني، لإشراكهم غصبا في الاحتفاء بالتشكيلات القضائية التي أجحفتهم وأتت على نقيض كل ما يؤمنون فيه. فلا يكتفى بمنع القضاة المتمسكين باستقلاليتهم من أي نقد علني للسلطات السياسية والقضائية عملا بموجب التحفظ، بل عليهم وفق هذا التعميم التحرك إيجابا في اتجاه إعلان تسليمهم بمشروعية ما تقوم به هذه السلطات وصولا إلى تقديم الطاعة تحت طائلة المساءلة والمحاسبة. وعليه، يشكل هذا التعميم مؤشرا جديدا على مساعي محو نموذج القاضي المستقل في اتجاه فرض نموذج القاضي المنسجم مع النظام السياسي ككل.                

5- أخيرا، يُسجّل تعهّد مجلس القضاء الأعلى بعرض واقع القضاء، وذلك بعد عقود من مخالفة أحكام قانون تنظيم القضاء العدلي التي تفرض على رئيس محكمة التمييز تنظيم تقرير سنوي في هذا الشأن. ويؤمل هنا أن يؤدي هذا التعهد إلى إعطاء الرأي العام صورة واضحة وصادقة عن أوضاع القضاء والمحاكم، فلا تحجب الحقائق وراء مساعي تظهير "السلطة القضائية في أبهى حلتها".     

 


[1]  سامر غمرون ونزار صاغية، أدبيات الانسجام القضائي من خلال خطابات افتتاح السنة القضائية قبل الثورة التونسية، المفكرة القانونية- تونس، العدد صفر، دسمبر 2014.