وضع وزير العمل سليم جريصاتي مؤخرا اقتراح مشروع قانون يتعلق بتنظيم العمل اللائق بالعاملين في الخدمة المنزلية، وذلك الى جانب اقتراح مشروع قانون للعمال الزراعيين. وهو بذلك اختار تشريع الاستثناءات الواردة في المادة 7 من قانون العمل وتأييدها من خلال وضع قوانين خاصة لتنظيم الأعمال المستثناة منها. وبذلك، يكون جريصاتي قد خالف توجه شربل نحاس الذي كان آثر الغاء الاستثناءات الواردة في قانون العمل على وضع قوانين خاصة لحماية الفئات المستثناة. وكان نحاس قد علل موقفه بأن العامل عامل قبل أن يكون عاملا في الخدمة المنزلية أو أجنبيا وهو جدير بحماية القانون من دون تمييز. وبالفعل، من مراجعة الاقتراح المقدم بشأن العاملين في الخدمة المنزلية، سرعان ما نلحظ للأسف أنه يؤول عمليا الى تشريع التمييز ضدهم في مجالات عدة، بما فيها في مجال الحرية النقابية التي يلزم بشأنها صمتا بليغا، علما أن مشروع القانون استند الى وجوب تهيئة لبنان للانضمام الى الاتفاقية الدولية رقم 187 التي هي أقرت الحرية النقابية لهذه الفئة. وكانتلجنة الحريات النقابية في منظمة العمل الدولية ضمنت تقريرها السنوي الصادر توصية صريحة صادرة بناء على شكوى من الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين مفادها "أن لجميع العمال حق اقامة نقابات والانضمام اليها وأن على الحكومة أن تفسر كيف للعمال الذين لا يخضعون لقانون العمل أن يمارسوا جميع حقوقهم النقابية وأن تقوم بالتعديلات لتأمين تلك الحقوق لهم اذا تبين أنهم لا يتمتعون بها". المفكرة التقت المسؤولين في هذا الاتحاد، فكان لها معهم الحديث المنشور نصه هنا(المحرر).
 
مشروع إقامة نقابة للعاملات (والعاملين) في الخدمة المنزلية من أهم التجارب النقابية - بل النضالية - التي تخاض حاليا في لبنان. فالعاملون في الخدمة المنزلية مستثنون من قانون العمل بموجب المادة السابعة منه، فلا يستفيدون بفعل ذلك لا من الحد الأدنى للأجور ولا من الضمان الاجتماعي ولا من الاجازات المدفوعة ولا من الحد الأقصى لساعات العمل ولا من تعويض الصرف. ومن هنا، ثمة أهمية فائقة وفق رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين كاسترو عبدالله، للعمل على تمكينهم من خلال ترسيخ حقهم بانشاء نقابة، فلا محل بالنسبة لأعضاء الاتحاد لأي تمييز بين عامل وآخر. وما يزيد الاتحاد تصميما في هذا المحل هو أن هذا التمييز يترافق عمليا في هذه الحالة مع تمييز غير معلن ضد النساء اللواتي يتولين هن بشكل خاص القيام بهذا العمل. ومن هذا المنطلق، شكلت الانتهاكات التي تتعرض لها عاملات المنازل والمتجذرة تاريخيا واستثناؤهمن من قانون العمل، مدعاة ملحة للبحث عن صيغ حمائية لهن، والصيغة الأبرز بالطبع هي إنشاء نقابة خاصة بهن. فالكل يتحدث اليوم عن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق العاملات المستقدمات من الخارج، لكن لا ننسى أيضا أن العاملات في الخدمة المنزلية كن قبل الحرب في غالبيتهن من التابعية اللبنانية ولم يكن لهن آنذاك حقوق تُذكر. وفي حين ورثت عنهن النساء الأجنبيات هذا العمل، ورثن معه الحرمان، ولو مضاعفا.
يحرص كاستور في حديثه للمفكرة القانونية على التأكيد على التسمية التي يعتمدها الاتحاد. "نحن نسميهم مساعدات أو مساعدين"، فالنقابي يكره تعبير خادمة المتداول في القاموس اللبناني ويدرك أن موقعه النقابي وموقع زملائه يجعلهم أمام مسؤولية تجاه هؤلاء ويؤكد أن العمل المنزلي يشمل أموراً كثيرة منها عمل السائقين الخاصين مثلاً أو حضانة الأولاد.
قام أعضاء الإتحاد بتشكيل هيئة تأسيسية سُميت بـ"لجنة العاملات والعمال المنزليين والمكاتب". وهنا يلفت إلى أن ثمة "عاملات وعاملين في مكاتب يقومون بأعمال تنظيف وأعمال منزلية أخرى ولا يتقاضون الحد الأدنى للأجور".
حاول الاتحاد تخطي العقبة "العملانية" المرتقبة والمتمثلة بإمكانية إعاقة وزارة العمل لعملية تأسيس النقابة على أساس أن قانون العمل يستثني هؤلاء، فلجأ في 28-5-2012 إلى تقديم شكوى ضد الدولة اللبنانية أمام لجنة الحريات النقابية في منظمة العمل الدولية، وذلك بهدف مطالبة الدولة اللبنانية بأن تصادق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 التي تسمح بالتنظيم النقابي لجميع العاملين في القطاع العام والقطاع الخاص من دون الحاجة إلى ترخيص مسبق، عملا بالتزاماتها الدولية بالحرية النقابية. وتبعا لهذه الشكوى، أحالت الحكومة اللبنانية مشروع قانون يجيز للحكومة الانضمام الى الاتفاقية المذكورة - والذي كان شربل نحاس أعده قبل استقالته من وزارة العمل - إلى مجلس النواب بعدما أدخلوا اليه تحفظا على بنود أساسية منها، وتحديدا البند المتصل بوجوب الغاء الترخيص المسبق لانشاء النقابات. ويؤكد كاسترو على أن النقابة ستضم لبنانيين وغير لبنانيين، فالقوانين اللبنانية تسمح للعامل الأجنبي (عامة) بالانتساب إلى النقابات شرط عدم الترشح لمنصب في النقابة وعدم المشاركة في عملية التصويت لاختيار المسؤولين فيها.
"الشق الميداني" مثير أيضا للاهتمام، فهو يمزج بين النظريات القانونية وحقوق الإنسان، وما تولده المعايشة والمعاينة الميدانية لسوق العمل. إنعام عبد الله عضو الهيئة التأسيسية، بدأت مع زميلات لها في الهيئة، التواصل مع معنيات بالنقابة، بدأ العمل من خلال المعرفة الشخصية، تحدثن إلى عاملات منازل، وجهن لهن الدعوات للانضمام إلى النقابة، إلى اجتماعات التأسيس، وبدورهن توصلت المنضويات الأوائل إلى عاملات أخريات، لتتسع الدائرة أكثر.
نساء الهيئة التأسيسية سبع، بينهن ربة المنزل والعاملة في وظيفة إدارية والشاعرة وسيدة عملت في مهن تجميلية.
وفي أدراج الهيئة اليوم، طلبات انتساب لنحو 60 عاملة وهن لبنانيات ومن جنسيات مختلفة (من أثيوبيا وبنغلادش وغيرهما)، تتحدث عنهن إنعام بحماسة. تتذكر أنها فكرت – مع آخرين- بأهمية إنشاء نقابة للعاملات في المنازل منذ التسعينات، ولكن الفكرة لم تتبلور في ذلك الحين، تأخرت لتخرج إلى حيز التنفيذ، وقد بدأت عبد الله وزميلاتها في الهيئة التأسيسية منذ نحو 6 أشهر عملية "البحث" أو "التواصل" مع عاملات أجنبيات من خلال معرفة شخصية بهن. وقبل الحديث عن تطور العمل لتأسيس النقابة، تذكر بأنها تدرك "أننا نسير عكس التيار". الحماسة التي تتحدث بها إنعام لا تخفي قناعة تترسخ بالتجربة العملية، تقول "نحن نسير عكس التيار، كأننا في طريق معبدة بالمصاعب الكبرى". تروي مثلاً أن الاحتكاك بسوق العمل أظهر أن أعمال الخدمة المنزلية لا تقتصر على المنازل، يقوم بها عمال وعاملات في مكاتب وعيادات ومتاجر، وأن التواصل مع هؤلاء تحديداً دونه صعوبات وأحياناً مخاطر. فضيق سوق العمل، والأحوال الإقتصادية المتردية والأوضاع السياسية غير المستقرة، كلها عوامل تزيد من مخاوف العمال والعاملات، وتدفعهم إلى تقديم تنازلات وعدم المطالبة بحقوقهم، بل أنهم يحاولون أحيانا تجنب أعضاء الهيئة التأسيسية للنقابة، إذ يخافون من ردود أفعال أصحاب العمل.
عملية التواصل مع عاملات والتعرف إلى سوق العمل لفتت نساء الهيئة –كما ذكرنا- إلى قطاعات من العاملات والعاملين في أعمال تتضمن ما يُصنف بـ "خدمات منزلية" ومنهم البائعات في المتاجر اللواتي يقمن بأعمال تنظيف أيضاً، أو العاملون في عيادات ومكاتب، وهؤلاء لا يتمتعون بنقابة تحميهم ولا يحصلون على كامل حقوقهم، و"يُطلب منهم العمل أحياناً كثيرة بشروط غير إنسانية" وفق ما تشدد إنعام التي قالت إن المعاينة الميدانية لفتت أيضاً إلى تأثر سوق العمل التي تُعنى به حالياً بأزمات البلدان المجاورة، فمع تدفق  النازحين السوريين والعراقيين قام أرباب عمل في لبنان باستغلال حاجات هؤلاء النازحين، وقاموا بطرد عمالهم اللبنانيين لتشغيل نازحين يتقاضون ما يقل عن الحد الأدنى للأجور بكثير، وغالباً ما يستبدلونهم بنازحين آخرين من دون تعويض، وأحياناً من دون أن يدفعوا لهم جزءاً من رواتبهم المتدنية أصلاً.
الصحافية حنان رحيمة، زميلة إنعام في الهيئة التأسيسية، تحدثت هي أيضاً عن امكانية حماية العاملات الأجنبيات من دون المس بـ"حرمة المنازل" مستندة بذلك إلى تجارب كثيرة شهدتها دول مختلفة، وقالت إنها من خلال لقاءاتها بعاملات منازل فإنهن يحدثنها عن تعرضهن لانتهاكات جسدية، ومن هنا أهمية حمايتهن.
بعد إطلاق عملية الانتساب إلى النقابة، قامت الهيئة التأسيسية بخطوة ثانية تمثلت بالاتفاق مع محام، يلتقي كل يوم جمعة العمال والعاملات الأجانب لتقديم المشورة القانونية لهم أو متابعة قضاياهم في المحاكم.   الملفت في هذا الإطار أن العاملات الأجنبيات اللواتي التقت بهن نساء الهيئة التأسيسية للنقابة، أجمعن على مطلب واحد "ضرورة إلغاء نظام الكفالة".
لا يستسلم رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين كاسترو عبدالله للعقبات التي يواجهها مع زملائه لتأسيس هذه النقابة. يذكر بشيء من الغضب أن لأصحاب مكاتب استقدام العاملات الأجنبيات نقابة تحمي مصالحهم ونفوذهم، وليس للعاملات أنفسهن أية نقابة، لذلك فإن الهيئة التي يسعى الاتحاد إلى تأسيسها تهدف إلى "تطبيق قانون العمل على العاملين في الخدمة المنزلية، وتحديد دوام للعمل، وضمان سلامة العمال والعاملات أثناء فترات العمل، ورفع مستوى وعيهم حول حقوقهم لمواجهة الانتهاكات وتأمين الاستشارة والدفاع القانوني لأعضاء النقابة عند الحاجة".
ب.ط
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية