عاد الحديث في الآونة الأخيرة عن تجريم الأفعال الجنسية وتحديدا المثلية منها وذلك بتوقيفمحام تونسي ورئيس أحد الأحزاب الصغيرة بمعية مرافقه بتهمة ممارسة اللّواط في نزل في العاصمة تونس. وهذه الحادثة لافتة في توقيتها وتحديدا لوقوعها في فترة دقيقة من الحياة السياسية والاجتماعية والحقوقية والمتميزة بالجدل الدائر والمتواصل حول حقوق الأفراد وحرياتهم والضوابط المفروضة عليها.
وقد كان التعامل مع هذه القضية على مستويات ثلاثة:
1-
المستوى الإعلامي: كان الإعلام أول من لفت الانتباه إلى هذه القضية منذ توقيف المحامي ومرافقه، وكانت أغلب الصحف المكتوبة والرقمية أصدرت الخبر، بذكر اسم المحامي ووظيفته داخل حزبه وتفاصيل التوقيف وسن الشخص المرافق له الذي كانت المعلومات المتعلقة به غير دقيقة حيث اختلف عمره من 17 إلى 22 سنة من صحيفة إلى أخرى، رغم أهمية هذه الواقعة في التكييف القانوني للفعل. والمقلق في الأمر أن الإعلام عمد منذ حصول التوقيف الى التشهير بالمحامي على خلفية اللواط، مع الاسهاب في تفصيل ظروف التوقيف والأسماء مع الاصرار على وصف الفعل المنسوب الى المحامي بـ"اللواط السلبي". وقد أبدى الاعلام درجة عالية من رهاب المثلية (هوموفوبيا) ممزوجا بشيء من اللامبالاة ازاء مشاعر الأشخاص الموقوفين في جرائم مماثلة وسمعتهم.
2-المستوى الجمعياتي: كانت جمعية الدفاع عن الحريات الفردية أوّل من تدخل عبر إصدار بيان حول "رفض التشهير بالأشخاص" على خلفية سلوكياتهم. وكان تفاعل وسائل الإعلام إيجابيا حيث نشر البيان بلغتيه العربية والفرنسية. وكانت إحدى القنوات التلفزة الخاصة، واسعة المشاهدة، قد قدمت القضية وكانت ممثلة الجمعية التونسية لمساندة الأقليات حاضرة ودافعت عن حرية المحامي الفردية وندّدت بتشهير الإعلام بذلك. هذه الحملة التي قامت بها الجمعيتان تفاعل الإعلام معها إيجابيا فتغيرت لهجة التشهير وكان الحديث أكثر موضوعية ومراعاة لحماية الحياة الخاصة وصورة المتهم. 
3-على المستوى القضائي، تم عرض الموقوف آليا على الفحص الطبي "في ما يعرف بالفحص الشرجي" وهي فحوصات لا يزال يعمل بها في تونس كلّما تعلقت المسألة المحال من أجلها الموقوف بالعلاقة أو الممارسات الجنسية عموما والمثلية منها خصوصا. والملاحظ أنه ومنذ تعهد النيابة بالقضية وتوجيه تهمة ممارسة اللواط للموقوف، لم تتعاط وسائل الاعلام مع القضية ولم تصدر أية بيانات عن المحامين المدافعين عن الموقوف. وما زلنا ننتظر تحديد موعد لمحاكمته.ومن المعلوم أن القانون الجزائي التونسي يبقى من بين القوانين التي تجرّم صراحة الفعل المثلي. وهو بذلك من بين ما يقرب 50 تشريعا وطنيا ما زالت تجرم هذا الفعل مقارنة بأكثر من 150 تشريعا في العالم قامت بإلغاء هذا التجريم. وقد وقع التجريم في المجلة الجزائية التونسية الصادرة منذ 09 جويلية 1913 وتحديدا الفصل 230 منها[1]الذي ينص: "اللواط أو المساحقة إذا لم يكن داخلا في أي صورة من الصور المقررة بالفصول المتقدمة يعاقب مرتكبه بالسجن مدة ثلاثة أعوام".
والواقع أن التعريف المعجمي للواط يطرح مشاكل عديدة، ممّا يؤدي حتما إلى خطورة التوسع في التعريف خاصة وأن القانون الجزائي ينبني أساسا على دقة العناصر القانونية للأفعال المجرمة استنادا إلى المبدأ الجزائي الأساسي "لا تجريم بدون نص". وبالرجوع إلى الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم وخاصة قرارات محكمة التعقيب في الفترة الممتدة من 1967 الى 2010، لاحظنا أن القرارات الصادرة في هذا الإطار ليست بالعديدة وذلك لصعوبة تطبيق الفصل المذكور ولعمومية أحكامه وعدم دقتها وإمكانية تطبيق فصول أخرى في الأفعال الجنسية المثلية. ففيما لقينا في هذه الفترة 20 قرارا تعلق بأفعال جنسية بين ذكور فقط، فاننا لم نلق أي قرار متعلق بالمساحقة. الا أن هذه الصعوبة لم تمنع النيابة العمومية من إحالة عديد الملفات إلى القضاء على أساس هذا الفصل، وان قامت المحاكم باعادة تكييف الأفعال المحالة اليها لتطبيق فصول جزائية أخرى عليه.
ومن النافل القول إن ابقاء هذا الفصل يفتح مجالا واسعا للتعدي على الحقوق والحريات لما تستبيحه السلطات على أساسه من وسائل لاثبات الواقعة، وعلى رأسها الوسائل الأكثر تعرضا للخصوصية كالدخول إلى الأماكن الخاصة وامكانية الاطلاع على الوثائق والمراسلات (التقليدية والرقمية والارساليات والمكالمات الهاتفية)، بل الأكثر انتهاكا لحرمة الجسد، كما يحصل مع انتهاج الفحوص الشرجية (المسماة فحوص العار في لبنان) بشكل آلي، بمعزل عن رضى الموقوف. والواقع أن هذا الفحص يبقى مخالفا للأخلاقيات الطبية التي تمنع كل عمل طبي ( تحليل، فحص...) فيه إهانة للانسان والتي تؤكد على أن واجب الطبيب الأساسي في "جميع الظروف هو احترام الحياة واحترام النفس البشرية" وفق ما قررته نقابة الأطباء في بيروت -لبنان[2]أو أيضا التي تجعل من واجب الطبيب "أن يعامل المريض بأدب ولطف" (الفصل 31 من مجلة واجبات الطبيب). هذا عدا عن أنه ليس لهذا الفحص أية قوة اثباتية حسبما يظهر بوضوح من تقارير الطب الشرعي. فـ"حتى بتوفر العديد من الأدلة والآثار التي يمكن أن تؤكد أن الشخص يمارس اللواط السلبي، إلا أن ذلك لا يعني القطع بأنه فعلا يمارس ذلك إذ يمكن لأشخاص لم يمارسوا أبدا هذا الفعل ومع ذلك تكون لهم نفس أعراض ممارسي الأفعال السلبية سواء لأسباب بيولوجية أو لأسباب تعود لاصابات أو أمراض...". وهو ما جعل كل البلدان التي تحترم حقوق الإنسان وحرياته تمنع مثل هذه الفحوصات ولا تقرها إلا بوجود ضرر أو متضرر من الأفعال الجنسية في حالات الاغتصاب أو الاعتداء على الأطفال.
هذا مع العلم أن هذا الفحص كسواه من الوسائل غالبا ما يدفع الموقوف –الذي غالبا ما يكون في الساعات الأولى من توقيفه في حالة من الضعف (النفسي) والخوف الشديدين- في أكثر الحالات الى الاقرار للخلاص من الضغط والإهانة.
والواقع أن الرقابة على الراشدين في حياتهم الخاصة يشرع لعودة الانتهاكات والتجاوزات الكثيرة للحقوق والحريات. وقد أثبتت كل القضايا التي عرضت على القضاء التونسي في هذا الإطار صعوبة تطبيق الفصل 230 لتعارضه مع أبسط قواعد المنطق من ناحية وآثاره السلبية على حياة العديد من الذين تم اتهامهم واحالتهم على القضاء بتهمة اللواط وعملت الشرطة العدلية والنيابة العمومية على توفير كل الأدلة لإثبات الفعل ورغم ذلك، تمت تبرئتهم لاحقا. ولكن أي حكم بالبراءة بإمكانه إعادة الأمور إلى ما كانت عليه بعد أن تم تشويه سمعة الموقوف وتحطيم صورته وحياته العملية والاجتماعية؟
فهل يكفي الحكم بالبراءة لإزالة ما تعرّض له شخص معين من إهانة وانتهاك لحرمته الجسدية وانتهاك للحياة الخاصة وتشويه سمعته في مجتمع يعتبر الجرائم الأخلاقية فيه وخاصة "اللواط" من الأفعال التي يبغضها ويحتقر مرتكبها أم حان استخلاص العبر من الفشل المريع في تطبيق الفصل 230 ومن حجم الانتهاكات الملازمة له لاتخاذ القرار الشجاع والعادل بالغائه؟
*أستاذ القانون بالجامعة التونسية، ورئيس الجمعية التونسية للدّفاع عن الحريات الفردية
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية


والذي بقي على حاله منذ صدور المجلة أي منذ ما يقرب من 90 سنة رغم التنقيحاتالعديدة التي طرأت عليها.[1]
[2]بتاريخ 7-8-2012 صدر تعميم عن نقيب الأطباء في لبنان بمنع الأطباء من القيام بالفحوصات الشرجيّة في الاتهامات المتعلقة بالعلاقات المثلية. تبعه في 11-8-2012 مكتوب عن وزير العدل اللبناني إلى النيابة العامة التمييزية طلب منها إصدار تعميم إلى كل النيابات العامة يقضي بمنع إجراء الفحوصات الشرجية استنادا إلى تعميم نقيب الاطباء.