بعد مخاض التشكيلات القضائية (تشكيلات اللوائح الحزبية الثلاث)، دخلت القضاء في لبنان مخاضا جديدا من المساومات بشأن توزيع الأعمال داخل المحاكم. وللتوضيح، تجدر الإشارة إلى أمرين:

أولا، أن قرار توزيع الأعمال ينطبق على جميع الدوائر القضائية التي عيّن فيها أكثر من قاض أو غرفة في مرسوم التشكيلات القضائية، بمعنى أن هذا القرار يأتي ليحدد مهام كل قاض ضمن هذه المراكز. وبالطبع، تزيد أهمية هذا القرار ومداه بقدر ما يزيد حجم المحكمة وعدد القضاة المعيين فيها. وللدلالة على ذلك، يبلغ عدد القضاة المنفردين الأصيلين والمنتدبين المعينين بموجب مرسوم التشكيلات كقضاة منفردين في بيروت 55 قاضيا، يتعين توزيع مختلف المهام القضائية التي يتولاها القضاة المنفردون (قاضي منفرد جزائي، قاضي الأمور المستعجلة، قاضي الإيجارات، رئيس دائرة التنفيذ، قاضي السير ...) فيما بينهم.

ثانيا، أن هذه القرارات لا تتخذ داخليا على صعيد المحاكم بتوافق بين القضاة المعنيين أو بقرار من الرؤساء الأول لمحاكم المحافظات (رؤساء محاكم الاستئناف)، إنما ينحصر دور هؤلاء في تقديم اقتراح بشأن توزيع الأعمال، على أن يوضع الاقتراح موضع التنفيذ بموجب قرار صادر عن وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى. وعليه، لا يصبح الاقتراح ساريا إلا بموافقة المرجعين المذكورين اللذين بإمكان القوى السياسية المهيمنة الضغط عليهما بهدف تعزيز نفوذها داخل المحاكم. وهذا الأمر يعني أن العديد من المتقاضين في لبنان ومعهم القضاة سيجدون أنفسهم مرة أخرى تحت رحمة المساومات السياسية وغير السياسية، مع ما تفترضه هذه المساومات من خلل في الأداء القضائي. 

ويظهر هذا الجانب أحد عيوب قانون تنظيم القضاء العدلي، لجهة سوء التنظيم الداخلي للمحاكم، حيث يبقى تنظيم القضاء مركزيا إلى حد كبير مع إعطاء مجالاً محدوداً ومبهماً للإدارة الذاتية للمحاكم. وتترافق محدودية الصلاحيات هذه مع اختزال إدارة المحاكم بشخصية مركزية هي الرئيس الأول لمحاكم الاستئناف، فيما يخلو القانون اللبناني (على خلاف مجمل القوانين المستلهمة من التنظيم القضائي الفرنسي كقوانين تونس ومصر والمغرب) من أي دور للجمعيات العمومية للمحاكم. وفيما سعى مجلس القضاء الأعلى ابتداء من سنة 2013 إلى تشريك القضاة في القرارات المتصلة بإدارة المحاكم التي يعملون فيها، عن طريق إنشاء ما يسمى الهيئات الإستشارية المكونة من قضاة منتخبين من زملائهم، فإن صلاحيات هذه الهيئات تبقى هامشية وغير مؤثرة.  

في هذا الإطار، وبهدف معاينة عوامل الخلل هذه وتقديم مقترحات لمعالجتها، تنشر المفكرة ورقتها البحثية التاسعة حول التنظيم الداخلي للمحاكم. وهي تتتضمن كما سائر أوراقها البحثية السابقة عرضا للقوانين والاشكاليات يتبعه مقترحات لتعديل قانون تنظيم القضاء العدلي، وهي مقترحات سيتم تضمينها لاحقا، في مسودة مقترح قانون متكامل.

وكانت المفكرة نشرت سابقاً أوراقاً بحثية هي الآتية: