مرة أخرى عاد النقاش ليحتدم بالمغرب حول ظاهرة تزويج الطفلات بعد إحباط الشرطة محاولة تزويج طفلة لا يتجاوز عمرها 12 سنة بشمال المغرب. واقعة هزت الرأي العام وكشفت عن حجم القصور الموجود في القانون، والذي لا يوفر الحماية اللازمة للأطفال من مخاطر الزواج القسري[1]. وقد تزامن ذلك مع صدور تقرير حديث للبنك الدولي، حذر فيه من ارتفاع التكلفة الاقتصادية الناجمة عن زواج الأطفال. كما تزامن مع تقديم مقترح قانون لتعديل مدونة الأسرة[2] وفرض شروط أكثر صرامة في التعامل مع الزواج دون سن الأهلية.

"الأطفال العرائس" أرقام عالمية مقلقة

"كل عام تتزوَّج أكثر من 41 ألف بنت قبل بلوغ الثامنة عشرة من العمر" رقم عالمي مقلق كشف عنه التقرير الجديد الصادر عن البنك الدولي[3] والذي خلص فيه إلى أن الفقر، وعدم المساواة بين الجنسين، وضعف إمكانية الحصول على التعليم وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية التي تراعي مصالح الشباب، ونقص فرص العمل اللائقة، كلها أسباب تساهم في تنامي ظاهرة زواج القاصرات والإنجاب في سن مُبكِّرة. بالمقابل، رأى التقرير أن استمرار الفتيات في الدراسة هو أحد أفضل السبل لتفادي زواج الطفلات، فكل سنة من التعليم الثانوي تُقلِّص احتمال زواج قاصر قبل بلوغها الثامنة عشرة بمقدار خمس نقاط مئوية أو أكثر. ومن ناحية أخرى، فإن احتمال التسرُّب من المدارس وإتمام سنوات أقل من التعليم هو احتمال أكبر كثيرا للعرائس الأطفال بالمقارنة بأقرانهن اللاتي يتزوجن في سنوات لاحقة. ويُؤثِّر هذا الأمر على تعليم أطفالهن وصحتهم، وكذلك على قدرتهن على كسْب الرزق. فالمرأة التي تتزوج وهي طفلة يقل دخلها في المتوسط عن 9 في المائة عما لو تزوجت في سنوات لاحقة.

وأظهرت تقديرات الدراسة أن الفتاة إذا تزوجت في سن 13 عاما ستنجب في حياتها عددا من الأطفال يزيد بنسبة 26 في المائة عما لو تزوجت في سن 18 عاما أو بعده. وهو ما يؤدي إلى إعاقة الجهود الرامية للقضاء على الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي والإنصاف، حيث من المنتظر أن يكبد البلدان النامية خسائر تقدر بتريليونات الدولارات بحلول عام 2030[4]. بالمقابل، من شأن منع زواج القاصرات أن يقلص معدلات الخصوبة الإجمالية بنسبة 11% في المتوسط في تلك البلدان، وسيؤدي تاليا إلى انخفاض كبير في معدلات النمو السكاني بمرور الوقت. كما من شأنه أن يؤدي إلى تقليص معدلات وفيات الأطفال دون الخامسة، ومعدلات تأخُّر النمو البدني بسبب نقص التغذية المناسبة (التقزُّم)، مما يحقق مكاسب تتجاوز 90 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030.

الأطفال العرائس بالمغرب حينما يشرّع القانون التحايل عليه

تطرق تقرير البنك الدولي إلى زواج القاصرات في المغرب. وبعدما أشار إلى المادة 20 التي تنص على أنه «لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية (18 سنة شمسية) بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، وذلك بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي، نقل التقرير إفادات حقوقية تفيد عدم فاعلية الرقابة القضائية على طلبات تزويج الطفلات، طالما أن رفض القضاء منح الإذن بتزويج الطفلة يدفع الأهل للتحايل على ذلك والاكتفاء بإبرام زواج عرفي، وتقديم طلب لاحق أمام القضاء للاعتراف بهذا الزواج في إطار المادة 16 من مدونة الأسرة، خاصة في حالة الانجاب[5].

منظمات غير حكومية تدق ناقوس الخطر حول زواج الأطفال

إذا كانت آخر احصائيات رسمية لوزارة العدل نشرت خلال شهر أيار/مايو 2016 تؤكد أن نسبة زواج الطفلات بالمغرب سجل تراجعا خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقل من قرابة 39 ألف حالة زواج عام 2011 إلى ما يعادل 33 ألفا و489 حالة في العام 2014. فإن منظمات غير حكومية تؤكد أن الأرقام الحقيقية لهذا النوع من الزواج تفوق بكثير الأرقام الرسمية بسبب استمرار ظاهرة زواج الفاتحة والذي يتم بشكل غير قانوني وفي غياب تام للرقابة القضائية. وهكذا نبهت دراسة وطنية حول العنف الجنسي تجاه القاصرين في المغرب، أنجزتها جمعية «أمان» لمكافحة العنف الجنسي ضد الأطفال[6]، إلى أن ظاهرة زاوج القاصرات تسجل ارتفاعا ملموسا، وتبقى شكلا من أشكال العنف الجنسي، كما أن عددا كبيرا من أولياء أمور الطفلات اللواتي يرفض القضاء منح الإذن بتزويجهن لصغر سنهن يلجأن لتزويجهن بالفاتحة، وبعد الإنجاب يقدمن طلبا للاعتراف بهذا الزواج أمام القضاء في إطار المادة 16 من مدونة الأسرة[7]، وأضافت الدراسة أن بعض الحالات تهم فتيات لا يتجاوز عمرهن 11 سنة.

وفي بحث ميداني حول الهجرة والحقوق الإنسانية[8]، أقر 79% من المستجوبين بأنّ زواج القاصرات مرتبط بدرجة أولى بالفقر، وينتشر بشكل أكبر في المناطق الهشة؛ فيما ربط 80% منهم الظاهرة بضعف التعليم وغياب الوعي بالحقوق. وفي البحث حول «زواج القاصرات في المغرب…بين المطالب الحقوقية والواقع القانوني»، صرح 97% أنّ هذا النوع من الزواج متواجد بدرجة أساسية في الوسط القروي؛ في حين يرى أكثر من 71% أنه محكوم بالفشل، يؤكد 76.9% أنه يوفر قابلية أكثر للانحراف الأخلاقي لدى الزوجات اللواتي تعرضن للطلاق.

أما الدراسة التي أنجزتها جمعية صوت المرأة الأمازيغية حول ظاهرة تزويج الطفلات بجبال الأطلس- أزيلال نموذجا[9]، فكشفت أن الخوف من تفشي ظاهرة زواج الفاتحة وغياب تجريم تزويج الأطفال بشكل غير قانوني يدفع القضاء لمنح الإذن بتزويج القاصرات حماية لهم من أخطار زواج الفاتحة والذي لا يضمن لهم حقوقهم ويجعلهم في حالة نزاع مع القانون.

مقترح قانون لتقييد زواج القاصرات

بين مطرقة التقارير الدولية وسندان التقارير الوطنية الصادرة عن منظمات المجتمع المدني بالمغرب والتي تتفق جميعا على دق ناقوس الخطر أمام تنامي ظاهرة "الأطفال العرائس" كعنوان بارز للهشاشة والفقر والتهميش، سبق لنادي قضاة المغرب وفي موقف لافت أن طالب بضرورة مراجعة المواد القانونية المنظمة لزواج القاصرات بما يضمن الحماية لهن وينسجم مع المواثيق الدولية[10].

كما قدمت فرق برلمانية مقترح قانون أمام مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان) لتعديل المادة 20 من مدونة الأسرة[11] وذلك بهدف تحديد السن الأدنى لزواج القاصرين والقاصرات في 16 سنة، والتنصيص على إلزامية لجوء القضاء إلى إجراء خبرة طبية وبحث اجتماعي قبل منح الإذن بتزويج قاصر، مع ضرورة مراعاة تقارب السن بين الطرفين المعنيين بالزواج.

في نفس السياق قدم تحالف ربيع الكرامة[12]، مذكرة حول تزويج الطفلات اعتبر فيها هذا النوع من الزواج اغتصابا للطفولة، وطالب بإلغاء المادة 20 من مدونة الأسرة والتي تسمح بتزويج الأطفال دون سن 18، كما طالب بإلغاء المادة 16 التي تسمح بإثبات الزواج الذي يتم بالفاتحة بشكل عرفي، باعتباره أحد روافد تزويج الطفلات، وتجريم كل تحايل غرضه تزويج الطفلات بشكل غير قانوني.

وبين خيار المنع وخيار التقييد وفي انتظار تعديل مدونة الأسرة يبقى تزويج الطفلات ظاهرة تتفاقم بسبب ثغرات قانونية، وممارسات غير قانونية أحيانا، وأخرى تتم تحت غطاء القانون بناء على خلفيات حبلى بثقافة التمييز بسبب الجنس، وممارسات اجتماعية تعطي للأعراف والتقاليد قوة تكاد تتجاوز حدود التشريع.
 

 

[1]- اعتبر تقرير المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة للعبودية وأسبابها وعواقبها زواج الأطفال أو ما يعرف بالزواج المبكر بمثابة زواح قسري أو استعبادي، وأضاف بأن الجمعية العامة في قرارها 843 (د.9) أكدت على تنافي بعض الأعراف والقوانين والممارسات القديمة المتعلقة بالزواج والأسرة مع المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وفي الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
[2]- قانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، والذي صدر بتنفيذه ظهير رقم 1.04.22 بتاريخ 3 فبراير 2004، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5184، بتاريخ 1 فبراير 2004، ص 418.
[3]- يتعلق الأمر بتقرير "التأثيرات الاقتصادية لزواج الأطفال" صادر عن البنك الدولي بالتعاون مع المركز الدولي لبحوث المرأة، 2017.
[4]-لمزيد من التفاصيل حول تقرير البنك الدولي، يمكن زيارة الروابط التالية: البنك الدولي يحذر من الكلفة المدمرة لزواج القاصرات بالمغرب // المغرب: ظاهرة زاوج القاصرات تسجل ارتفاعا ملموسا // البنك الدولى: البلدان النامية تخسر تريليونات الدولارات لزواج الأطفال ... // زواج القاصرات يدفع البنك الدولي إلى دق ناقوس الخطر | انفوميديا // تقرير للبنك الدولي والمركز الدولي لبحوث المرأة: زواج الأطفال ... // [5]-  تنص المادة 16 من مدونة الأسرة على ما يلي: "تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج.  إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة. تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين. يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمسة عشر سنة، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ".
[6]- دراسة أنجزت من طرف منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) وجمعية "أمان" لمكافحة العنف الجنسي ضد الأطفال وبتعاون مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب،  سنة 2014.
[7]- دراسة أشرفت عليها لجنة ضمَّت مُمثلين عن وزارتي العدل والحريات والصحة، والإدارة العامة للأمن الوطني والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ويونيسيف.
[8]- بحثٍ ميداني حول الهجرة والحقوق الإنسانية أنجزه باحثون في مركز الدراسات والأبحاث وطلبة من جامعتي الحسن الأول بسطات ومحمد الخامس بالرباط، سنة 2017.
[9]- يتعلق الأمر بدراسة حول تزويج الطفلات بين العمل القضائي والقانون اقليم أزيلال نموذجا، من انجاز جمعية صوت المرأة الأمازيغية ووكالة التعاون الكاتالوني باسبانيا، وقد تناولت طلبات تزويج الطفلات بالمحكمة الابتدائية بأزيلال ومراكز القضاة المقيمين التابعة لها، سنة 2017.
[10]- بيان المكتب التنفيذي لنادي قضاة المغرب بتاريخ 03/12/2012.
[11]- يتعلق الأمر بمقترح قانون يقضي بتغيير وتتميم المادة 20 من القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، المصادق عليه بظهير رقم 1.04.22 بتاريخ 02/02/2004.
[12]-"ربيع الكرامة" تحالف يضم مجموعة من الجمعيات النسائية والحقوقية المغربية منخرطة في حركة الترافع من أجل التأثير في مسار اصلاح التشريعات وفي مقدمتها القانون الجنائي وقانون الأسرة بشكل يضمن حماية النساء من العنف ومناهضة التمييز ضدهن، وقد عقد جمعه العام التأسيسي بتاريخ 14/02/2010.