تطرح استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري مسألة دستورية خطيرة تبدأ بالمفاعيل القانونية لها وتنتهي بعمل الدولة برمتها سياسيا وإداريا. لذلك كان لا بد من دراسة أولا الطريقة التي تمت بها الاستقالة ومن ثم التطرق لدور رئيس الجمهورية لناحية التريث بقبولها.  لا بد من ملاحظة تمهيدية إذ يجب التمييز بين الاستقالة المقدمة من شخص منتخب وإستقالة الشخص المعين. فالمبدأ العام اعتبر أن الشخص الذي يحتل منصبا ما بالانتخاب يحتاج فقط إلى إعلام الجهة المعنية باستقالته وفقا للشروط القانونية كي تصبح نافذة بينما يتوجب على الشخص المعين أن يتقدم بطلب استقالته التي لا تصبح نافذة إلا بعد قيام الجهة المخولة بإصدار مرسوم أو قرار يقبل تلك الاستقالة ويعطيها مفاعيلها القانونية.

وعلى سبيل المثال نصت المادة 17 من النظام الداخلي لمجلس النواب على التالي: "على الرئيس (أي رئيس مجلس النواب) أن يعلم المجلس بالاستقالة بأن يتلو كتاب الإستقالة في أول جلسة علنية تلي تقديمها وتعتبر الإستقالة نهائية فور أخذ المجلس علماً بها." في حين نصت الفقرة الأولى من المادة 64 من نظام الموظفين (مرسوم اشتراعي رقم 112 تاريخ 12/6/1959) على التالي: "للموظف ان يقدم استقالته  خطيا إلى الادارة التي ينتمي اليها. وعليه أن يثابر بوظيفته إلى أن تبت الإدارة في طلبه " وأجابت الفقرة الثانية من المادة نفسها على فرضية رفض الاستقالة فأعلنت: "تبت في طلب الاستقالة السلطة التي لها حق التعيين. وإن لم ترفض الاستقالة  في غضون شهرين من تاريخ تقديمها اعتبرت مقبولة حكما". وبما أن رئيس مجلس الوزراء يعين بمرسوم يصدره منفردا رئيس الجمهورية، فإن استقالته كي تصبح نافذة تحتاج من الناحية النظرية والقانونية إلى قبولها من رئيس الجمهورية أي أنها ليست حكمية بمجرد أخذ العلم بها وهنا لا بد من التفريق بين الاستقالة واعتبار الحكومة مستقيلة.

فقد عددت المادة 69 من الدستور الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة على الشكل التالي:

"أ - إذا استقال رئيسها· ب - إذا فقدت أكثر من ثلث عدد أعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها· ج - بوفاة رئيسها د - عند بدء ولاية رئيس الجمهورية· هـ - عند بدء ولاية مجلس لنواب· و - عند نزع الثقة منها من قبل المجلس النيابي بمبادرة منه أو بناء على طرحها الثقة".

تدفعنا هذه المادة إلى التمييز بين الاستقالة بحكم الإرادة والاستقالة بحكم الفعل. فالاستقالة بحكم الإرادة تتعلق بحرية رئيس مجلس الوزراء الذي يملك حقا بتقديم استقالته بمجرد تعلق إرادته بذلك الأمر بينما النوع الثاني أي الاستقالة بحكم الفعل تخرج عن إرادة رئيس الحكومة وحرية تقديره إذ مجرد وقوع الفعل يؤدي إلى اعتبار الحكومة مستقيلة. بتعبير آخر، إن علة الفعل تؤدي إلى حتمية النتيجة كون المعلول لا يتأخر عن علته في حال أردنا استخدام مفاهيم فلسفية. فمجرد بدء ولاية مجلس النواب مثلا تجعل من الحكومة مستقيلة كون لا دخل لإرادة رئيس الحكومة بحدوث فعل بدء الولاية.

المشكلة إذا تكمن في الإستقالة التي تحدث بحكم الإرادة كونها تطرح مجموعة من الإشكاليات. لعل أبرزها هل يشترط لنفاذها حصولها على موافقة رئيس الجمهورية؟ وهنا لا بد بغية الإجابة على هذا السؤال من التفريق أولا بين الإستقالة الصحيحة والاستقالة غير الصحيحة.

فلما كان مناط الاستقالة بحكم الإرادة هو تعلق إرادة رئيس الحكومة بحصول تلك الاستقالة بحرية كاملة وواضحة غير مشوبة بأي شكل من أشكل الإكراه والغش أو القهر، ولما كان رئيس الجمهورية هو المرجع الذي يسهر على احترام الدستور والمحافظة على سيادة لبنان واستقلاله يصبح من الواجب عليه أن يتبين بشكل قاطع أن استقالة رئيس الحكومة تمت بملء حريته كون العمل الذي يصدر تحت وقع التهديد أو الإكراه هو باطل ولا ينتج أية مفاعيل قانونية. فالقانون الخاص يجعل من العقود التي يتم إبرامها بفعل القهر والتهديد باطلة حكما كذلك معاهدة فيينا لسنة 1969 حول الاتفاقيات الدولية إذ نصت المادة 52 منها صراحة على التالي: "تكون المعاهدة باطلة إذا تم التوصل إلى عقدها بطريق التهديد أو استخدام القوة بصورة مخالفة لمبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة". لذلك لا تعتبر الإستقالة صحيحة في حال توصل رئيس الجمهورية إلى قناعة بأنها حصلت في ظروف مشبوهة وملتبسة كاستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من خارج البلاد وبطريقة مستغربة جدا تشي بأن إرادة رئيس الحكومة مقيدة. ولكي نتابع البحث، فلنفترض أن استقالة رئيس الحكومة كانت صحيحة أي صادرة فعلا عنه وبحرية تامة لكنه لم يقم بتقديمها مباشرة إلى رئيس الجمهورية بل أعلنها عبر وسائل الإعلام أو بأي شكل آخر، هل يصبح رئيس الجمهورية ملزما بقبولها؟ إن العودة إلى السوابق قد تساعدنا على تحديد الإجابة.

ففي سنة 1952 وبسبب المعارضة السياسية المتعاظمة التي واجهت الرئيس بشارة الخوري، أعلن رئيس الحكومة سامي الصلح في مجلس النواب استقالته لكنه لم يقدمها مباشرة إلى رئيس الجمهورية. فما كان من هذا الأخير إلا أن أصدر المرسوم رقم 9415 تاريخ 9 أيلول 1952 الذي نصت مادته الثانية على التالي: "يعتبر مستقيلا السيد سامي الصلح رئيس مجلس الوزراء". وقد جاء في حيثيات المرسوم الفقرة التالية: "ولما كان رئيس مجلس الوزراء قد أعلن في جلسة مجلس النواب بتاريخ 9 أيلول سنة 1952 أنه يترك مجلس النواب لتقديم استقالته إلى رئاسة الجمهورية". لكن الرئيس الصلح غادر المجلس ولم يقم بتقديم تلك الاستقالة مباشرة إلى بشارة الخوري الذي اعتبر أن نيته بالاستقالة كافية واتخذ مرسوما بذلك.

وفي سابقة ثانية، حصلت في عهد الرئيس الياس الهراوي إذ استعر الخلاف داخل مجلس الوزراء بين رئيس الحكومة رفيق الحريري ومجموعة من الوزراء، فوقف الرئيس الحريري وقال متوجها إلى الرئيس الهراوي: "فخامة الرئيس ، اعتبرني مستقيلا. أنا أقدم استقالتي وطالع أعلنها برا"[1]. فتدارك الرئيس الهراوي الأمر واختلى بالرئيس الحريري في مكتبه واقنعه بالعدول عن الاستقالة.

تظهر لنا هذه الوقائع أن نية رئيس مجلس الوزراء بالاستقالة غير كافية لنفاذها وهي خاضعة لتقدير رئيس الجمهورية. فالرئيس بشارة الخوري اعتبر أن اعلان سامي الصلح نيته بالاستقالة كافية لإصدار مرسوم بذلك، بينما الرئيس الهراوي رفض إعلان الاستقالة وأقنع الرئيس رفيق الحريري بالعدول عنها. فنية الاستقالة تختلف عن الاستقالة الخطية والمباشرة التي يتقدم بها رئيس الحكومة إلى رئيس الجمهورية في زيارة رسمية إلى القصر الجمهوري. فمجرد إعلان رئيس الحكومة لاستقالته لا يمكن لها أن تصبح نهائية إذ قد تكون بسبب انفعال ظرفي أو مناورة سياسية هدفها فرض موقف معين على الأحزاب المشاركة في الحكومة. لذلك يعود لرئيس الجمهورية تقدير مدى جدية هذا الإعلان وعدم الأخذ به رثما يتيقن من ظروفه وتداعياته الوطنية.

تبقى فرضية الإستقالة الصحيحة المقدمة مباشرة إلى رئيس الجمهورية كما درجت العادة الدستورية في لبنان. بالحقيقة، ميز الدستور في أكثر من مادة له بين قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة. فالفقرة الخامسة من المادة 53 تنص أن رئيس الجمهورية "يصدر منفرداً المراسيم بقبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة". فإذا كان مجرد تقديم الاستقالة كافيا لنفاذها لما كان الدستور في أكثر من موضع له قد فرق بين مرسوم قبول الاستقالة ومرسوم اعتبار الحكومة مستقيلة. فقبول رئيس الجمهورية للاستقالة يتم في مرحلة أولى بصدور بيان عن رئاسة الجمهورية بذلك يتضمن تكليف الحكومة تصريف الأعمال وفي ختام رحلة تأليف الحكومة يصدر مرسوم قبول استقالة رئيس مجلس الوزراء ومرسوم تشكيل الحكومة الجديدة. فبيان رئاسة الجمهورية هو ضروري كون تصريف الأعمال لا يبدأ إلا من تاريخ صدوره. فالقضاء الإداري مثلا الذي يراقب عمل الحكومة في ظل تصريف الأعمال لا يستطيع من تلقاء نفسه إعلان أن فترة تصريف الأعمال باتت سارية بل هو ينتظر إما حدوث الفعل الذي يجعل من الحكومة مستقيلة حكما أو قبول رئيس الجمهورية لتلك الاستقالة عبر البيان المشار إليه كي يتأكد أن مرحلة تصريف الأعمال انطلقت من الناحية الدستورية.

فمن الناحية القانونية لا وجود لأي نص يلزم رئيس الجمهورية بقبول الاستقالة الذي يعود له التريث بقبولها لا بل الطلب من رئيس مجلس الوزراء مراجعة قراره خلال مهلة زمنية محددة. فإذا أصر رئيس الحكومة على استقالته وجب على رئيس الجمهورية قبولها إذ لا يعقل من الناحية السياسية إرغام رئيس مجلس الوزراء على الاستمرار في منصبه بشكل يخالف قناعته. فرئيس الجمهورية ليس ملزما من الناحية القانونية لكن الواقع السياسي يفرض عليه قبول الاستقالة في حال أصر عليها رئيس الحكومة.

خلاصة البحث:

  1. لرئيس الجمهورية أن يعتبر الاستقالة غير قائمة وغير صحيحة  إذا تبين له أنها صدرت عن رئيس الحكومة دون إرادته الحرة والجلية.
  2. لرئيس الجمهورية أن يقبل أو يرفض النية الصحيحة لرئيس الحكومة بالاستقالة.
  3. لرئيس الجمهورية أن يتريث بقبول الاستقالة الصحيحة المباشرة وهو غير ملزم قانونا بقبولها علما أن الواجب السياسي يجعل من قبولها ضرورة في حال أصر عليه رئيس مجلس الوزراء.

 

 


[1] الياس الهراوي، عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة، دار النهار، بيروت، 2002، ص. 401.