أدخل غياب رئيس الحكومة سعد الحريري النظام السياسي اللبناني في نفق دستوري مظلم سيؤدي في حال تأخرت عودة رئيس مجلس الوزراء إلى خلل خطير في عمل مؤسسات الدولة على الصعيدين السياسي والإداري.

والمعضلة التي تطرح نفسها بقوة تتعلق بشغور رئاسة الحكومة الأمر الذي لم يلحظه الدستور. فإذا كان الدستور اللبناني قد تنبه لفرضية شغور موقع رئيس الجمهورية عبر إناطة صلاحيات هذا الأخير وكالة بمجلس الوزراء لكنه جاء خاليا من كل إشارة تتعلق بعدم تمكن رئيس الجكومة من ممارسة إختصاصاته التي حفظها له الدستور. فرئيس مجلس الوزراء إما يمارس دوره الدستوري كاملا أو يقوم بتصريف الأعمال عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة. ففرضية غياب رئيس الحكومة وانقطاعه عن عمله تفتح الباب أمام احتمالات دستورية متضاربة سنحاول شرح تداعياتها قدر الإمكان.

نصت الفقرة الخامسة من المادة 64 من الدستور على التالي: "يوقع (أي رئيس مجلس الوزراء) مع رئيس الجمهورية جميع المراسيم ما عدا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة". فجميع المراسيم سواء تلك العادية أو التي تحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء تحتاج بغية إصدارها حصولها على توقيع رئيس الحكومة أي ان الوزراء في كل إدارات الدولة يحيلون مشاريع المراسيم على رئاسة الحكومة التي تقوم بتوقيعها ومن ثم ترفعها إلى رئيس الجمهورية الذي يتولى إصدارها ويطلب نشرها في الجريدة الرسمية.

جراء ما تقدم، يتبين لنا أن غياب رئيس مجلس الوزراء يجمد جميع المراسيم ويشل عمل السلطة التنفيذية. والأمر ينسحب أيضا على مجلس الوزراء كون هذا الأخير يجتمع بدعوة من رئيس الحكومة الذي يحدد جدول أعماله. فعند غياب رئيس الحكومة يتعذر على مجلس الوزراء الانعقاد وفقا للشروط الدستورية ما يدخل السلطة التنفيذية في غيبوبة ويعطل عمل الجهاز المركزي للدولة. أمام هذا الواقع الخطير هل من مخرج دستوري يسمح بتأمين استمرارية عمل مؤسسات الدولة وهل يمكن لنائب رئيس مجلس الوزراء مثلا أن يحل محلّ رئيس الحكومة الغائب؟

درجت العادة منذ حقبة الاستقلال حتى اليوم على تعيين نائب لرئيس مجلس الوزراء في مرسوم تشكيل الحكومة. أول مرة في تاريخ لبنان استحدث فيه هذا المنصب بشكل صريح كان بعد اعلان الجنرال كاترو لاستقلال لبنان في 26 تشرين الثاني 1941 إذ عمد رئيس الجمهورية المعين ألفريد نقاش بتعيين فيليب نجيب بولس نائبا لرئيس مجلس الوزراء بموجب المرسوم رقم 2 تاريخ 1 كانون الأول 1941 والذي حمل توقيع رئيس مجلس الوزراء أحمد الداعوق. وقد تكرس ذلك الأمر مع حكومة الاستقلال الأولى إذ عين الرئيس بشارة الخوري بناء لاقتراح رئيس الحكومة رساض الصلح حبيب أبي شهلا نائبا لرئيس مجلس الوزراء بموجب المرسوم رقم 2/k تاريخ 25 أيلول 1943. من الملاحظ أن منصب نائب رئيس الحكومة لا وجود دستوري له. فخلافا لموقع نائب رئيس مجلس النواب الملحوظ في المادة 44 من الدستور لا وجود لأي نص دستوري يفرض تعيين نائب لرئيس مجلس الوزراء ما يعني أن وجوده هو وليدة الأعراف في لبنان. لكن ما هي صلاحيات نائب رئيس الجكومة؟

في الحقيقة لا يمارس نائب رئيس الحكومة صلاحيات دستورية. فإذا وضعنا جانبا الاعتبارات البروتوكولية، يكاد دور هذا الأخير ينحصر بترؤس بعض اللجان الوزارية التي يشكلها مجلس الوزراء من أجل دراسة موضوع محدد. وهذا الواقع ليس جديدا وهو لم يتغير منذ الاستقلال حتى اليوم.

إن نقطة الاختلاف الجوهرية التي حدثت بعد اتفاق الطائف لا تتعلق بنائب رئيس الحكومة بل بوجود رئيس لمجلس الوزراء بالوكالة. فقد درجت العادة قبل سنة 1990 أن يقوم رئيس الجمهورية بتعيين رئيس لمجلس الوزراء بالوكالة وفي أحيان كثيرة يكون نائب رئيس الحكومة هو من يتم تعيينه كرئيس للوزراء بالوكالة. وهذه الممارسة قديمة جدا لا بل هي أقدم من الاستقلال نفسه إذ ان أول حكومة جرى تشكيلها في لبنان بعد تبني الدستور سنة 1926 جاءت خالية من منصب نائب رئيس مجلس الوزراء لكن رئيس الجمهورية عين بموجب المرسوم رقم 729 تاريخ 10 تشرين الثاني 1926 وزير الداخلية بشارة الخوري رئيسا للوزراء بالوكالة وذلك بسبب غياب رئيس الحكومة أوغست باشا أديب بداعي السفر إلى فرنسا. وبفعل طيلة فترة غياب رئيس الحكومة قام بشارة الخوري بتوقيع المراسيم بصفته رئيسا للوزراء بالوكالة.

وقد تكرر هذا الأمر في أكثر من مناسبة كتعيين وزير الأشغال العامة جبرائيل المر رئيسا لمجلس الوزراء بالوكالة سنة 1953 أو جبران نحاس سنة 1964 أو تعيين نائب رئيس الحكومة كميل شمعون رئيسا للوزراء بالوكالة بموجب المرسوم رقم 10916 تاريخ 15 أيلول 1976. وبسبب اغتيال الرئيس رشيد كرامي، قام الرئيس أمين الجميل بتعيين سليم الحص رئيسا للحكومة بالوكالة بموجب المرسوم رقم 3936 تاريخ 1 حزيران 1987. وقد كانت المراسيم تصدر بشكل دستوري ممهورة بتوقيع من جرى تعيينه وكالة في رئاسة مجلس الوزراء.

 كانت هذه الممارسة جائزة من الناحية الدستورية قبل اتفاق الطائف كون المادة 53 القديمة من الدستور منحت رئيس الجمهورية صلاحية تعيين الوزراء وإقالتهم ومن ضمنهم رئيس الوزراء ما جعل تعيين رئيس للحكومة بالوكالة يدخل في اختصاص رئيس الجمهورية الصريح. إلا أن التعديلات التي أدخلها اتفاق الطائف على الدستور اللبناني نزعت صلاحية تسمية رئيس الحكومة من رئيس الجمهورية، إذ قيدته بآلية محددة وألزمته بإجراء استشارات نيابية ملزمة ما جعل تعيين رئيس لمجلس الوزراء بالوكالة أمرا غير ممكن وفقا لما كان سائدا قبل اتفاق الطائف. وبالفعل لم يتم تعيين أي شخص كرئيس للحكومة بالوكالة منذ 1990 وحتى اليوم.

وهكذا نلاحظ أن الذي كان يمارس صلاحيات رئيس الحكومة في حال غيابه لم يكن حكما نائب رئيس مجلس الوزراء بل عضو الحكومة الذي يعينه رئيس الجمهورية رئيسا للوزراء بالوكالة. وبما أن نائب رئيس مجلس الوزراء اليوم ليس رئيسا للحكومة بالوكالة لا يحق له ممارسة صلاحيات رئيس الحكومة سعد الحريري  الغائب.

أثار موقع نائب رئيس الحكومة جدلا بعد اتفاق الطائف. فمجلس الوزراء تحول إلى مؤسسة منحها الدستور السلطة التنفيذية ولم يكن من المنطقي تعطيله بسبب غياب رئيس الحكومة أو تعذر ممارسة مهامه خاصة في الظروف الاستثنائية وانطلاقا من مبدأ استمرارية السلطات العامة.

وفي سنة 1992 أبدى مجلس شورى الدولة رأيه حول مشروع مرسوم النظام الداخلي لمجلس الوزراء فقال: "...في حال الغياب ومن أجل تأمين العمل في مجلس الوزراء وتسيير شؤون الدولة ومؤسساتها، فإنه يقضي إضافة فقرة (...) تتضمن الآتي: ويترأس نائب رئيس مجلس الوزراء في حال وجوده جلسات مجلس الوزراء عند غياب رئيس مجلس الوزراء وإلا فأكبر الأعضاء سنا" (رأي 80/92). لكن مرسوم تنظيم أعمال مجلس الوزراء ولأسباب سياسية معروفة ترتبط بطبيعة النظام اللبناني صدر خاليا من تلك الفقرة.

 اشكالية أخرى تطرح نفسها: هل يجوز انعقاد مجلس الوزراء في ظل غياب رئيس الحكومة؟ من المعلوم أن الفقرة السادسة من المادة 64 من الدستور منحت رئيس الحكومة صلاحية دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد ووضع جدول أعماله، لكن الفقرة 12 من المادة 53 منحت أيضا رئيس الجمهورية الحق بدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد استنثنائيا لكن بالاتفاق مع رئيس الحكومة. وبالفعل في أواخر أيلول 1990 عندما سافر الرئيس الحص إلى نيويورك دعا الرئيس الياس الهراوي مجلس الوزراء إلى الانعقاد في ظل غياب رئيس الحكومة ما أثار بلبلة سياسية جرى تداركها من خلال تصريح الرئيس الحص أن هذه الدعوة تمت بموافقته. فمجلس الوزراء يستطيع أن ينعقد من دون حضور رئيس الحكومة، لكن الدعوة للجلسة الاستثنائية من قبل رئيس الجمهورية يجب أن تقترن بموافقة رئيس الحكومة حتى لو تعذر حضوره. السؤال الذي لا جواب عليه هل يجوز لرئيس الجمهورية دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد دون حصوله على موافقة رئيس الحكومة الغائب أو الذي يوجد في وضع لا يسمح له بابداء تلك الموافقة أو رفضها؟ قد تكون نظرية الظروف الاستثنائية المبرر لمثل هكذا خطوة لكن ذلك الأمر دونه عراقيل سياسية وطائفية لا علاقة لها بالمنطق الدستوري.

تبقى مسألة توقيع نائب رئيس الحكومة على المراسيم في حال غياب رئيس مجاس الوزراء. الحادثة الوحيدة التي جرت بعد اتفاق الطائف كانت تتعلق بقيام نائب رئيس مجلس الوزراء ميشال المر سنة 2000 بتوقيع  مرسومين بتنفيذ أحكام إعدام في أثناء وجود رئيس الحكومة سليم الحص في الفاتيكان. وقد سارع الرئيس الحص فور عودته إلى الاتصال برئيس الجمهورية طالبا منه سحب المراسيم المذكورة، كون ذلك يشكل مخالفة دستورية إذ لا صلاحيات دستورية لنائب رئيس مجلس الوزراء. وقد استجاب رئيس الجمهورية لهذا الطلب وتم سحب المرسومين.

يتبين لنا جليا أن من شأن إطالة غياب رئيس الحكومة سعد الحريري أن تولد في ظل الدستور الحالي مفاعيل سلبية على عمل مؤسسات الدولة، ومعها نقاشات كثيرة حول الدستور ومفاعيله.