مقابلة مع عزام الصمادي، عمان، الأردن
*أجرى الحوار نزار صاغية وغيدة فرنجية
من يراجع قانون العمل في الأردن، سرعان ما يتبين له حجم التعرض لحرية الأجراء النقابية. فقد اعتمد قانون العمل في 1976 مبدأ التصنيف المهني لإنشاء نقابات العمال على أن تنشأ نقابة واحدة لكل فئة. وقد جاء هذا القانون استكمالا لجهود السلطة بحصر عدد النقابات بحيث تراجع عددها من 37  نقابة الى 24  بموجب القرار الصادر في 10-1-1970 ثم الى 17 في 1976، مع اعتماد نظام التصنيف المهني. بالمقابل، لكل ثلاثين صاحب عمل حق انشاء نقابة من دون أي سقف، وقد بات لهم 47 نقابة. أما موظفو القطاع العام فهم يبقون في منطقة رمادية، فالسلطات تنكر لهم هذا الحق من دون نص صريح، لا بل أن مجلس الأعيان أحال الى المحكمة الدستورية المنشأة حديثا النظر في مدى دستورية انشاء نقابات مماثلة. وعلى خلفية ذلك، برز مع بداية 2011 حراك لافت أدى الى انشاء عشر نقابات في القطاعين العام والخاص رفضت السلطات الاعتراف بأي منها بحجة أنها مخالفة للقانون. ورغم ذلك، سارعت هذه النقابات الى انشاء اتحاد للنقابات المستقلة، وقد نظم هذا الاتحاد انتخابا لأجهزته الادارية في 26-4-2013، كل ذلك في خضم حملة تهدف الى تجريد الاتحاد العمالي العام من مشروعيته التمثيلية. المفكرة قابلت في عمّان رئيس الاتحاد النقابي عزام الصمادي، وهي تنشر هنا أبرز مقاطعه.
م.ق.: ثمة حراك عمالي لافت في الأردن، الى أي مدى يرتبط هذا الحراك بالحراك الحاصل في العالم العربي؟
الصمادي: الحراك العمالي الأردني سبق الربيع العربي، لكن الوقائع تثبت أنه شهد تطورا بالغ الأهمية بفعله. فالحراك بدأ في 2006 مع عمال المياومة الذين كانوا يعملون لصالح وزارة الزراعة ولا يستفيدون لا من تعويض نهاية الخدمة ولا من الضمان الاجتماعي. فالاستفادة من الضمان الاجتماعي تعود فقط للذين يعملون 16 يوما على الأقل، فيما يتم تشغيل عدد كبير من هؤلاء لفترة أقصر ولو بيوم واحد بقصد حرمانهم من الضمان الاجتماعي. وفي 2009، تحرك عمال الموانئ البحرية في العقبة انما تم قمعهم بشدة من دون أي تهاون. وقد وصل القمع أحيانا الى حد السحل. وهكذا، سجل عدد كبير من الاحتجاجات في سنة 2010 وصل الى 800 احتجاج، علما أن القسم الأكبر من هذه الاحتجاجات قام به موظفو القطاع العام. ومن أهم أسباب احتجاجهم، التمييز في تطبيق غلاء المعيشة بين الفئات العليا والفئة الثالثة، ولكن أيضا سوء أنظمة العمل في الادارات العامة، فضلا عن اعتماد أسلوب المياومة المتزايد في هذا المجال.
وفي نيسان2011، برزت على صدى الحراك العربي الاحتجاجات في الشركات الصناعية ولا سيما في شركة الفوسفات التي تمت خصخصتها في 2006 وهي الاحتجاجات التي شهدت صعودا وصل الى حد انشاء عدد من النقابات المستقلة فضلا عن انشاء اتحاد لها.
كما تجدر الاشارة الى أن دستور الأردن الجديد قد أضاف عبارة حرية انشاء نقابات الى المادة القديمة التي كانت تكتفي بإعلان حرية انشاء الجمعيات.
م.ق.:  هل يمكنكم تفصيل تصاعد الحراك في شركة الفوسفات؟ 
الصمادي: الدافع الأساسي للحراك في شركة الفوسفات كان تصاعد عدم رضى الأجراء ازاء الخصخصة التي كان أول مفاعيلها تهميش موظفي الشركة عن صياغة شروط العمل وخطط الشركة الانتاجية. وفي نيسان / أبريل 2011، حصل أول اعتصام وقد شارك فيه اداريون في المكتب المركزي في عمان، من دون عمال المناجم وهم الأكثر عددا. وكان الحضور قليلا نسبيا: ففي اليوم الأول 12 شخصا والثاني 35 والثالث 17... وقد كان عمال المناجم ينتظرون ما بوسعنا أن نحقق.
بعد يومين، قاربتنا الادارة وأعلنت عن استعدادها للتفاوض انما بحضور رئيس نقابة العاملين في المناجم والتعدين، احتراما لما يمثله حسب قول الادارة. وفعلا، تم خلال الاجتماع تكريس التأمين الصحي ونظام نهاية الخدمة وتم وضع نظام حوافز... وبعد ذلك بأيام، تم تكريس الاتفاق مع النقابة (26 نيسان / أبريل)  لكن هذا الأمر لم يمر من دون أزمة معها بحيث راحت تشكك بخلفياتنا وتطعن بمشروعيتنا التمثيلية متهمة ايانا باليساريين وبأن لنا أجندة خارجية. لكننا نظن أننا بفعلنا ذلك، كسرنا حاجز الخوف.
وتبعا لموقف النقابة المتخاذل، بدأنا جولة للقاء العمال في المناجم، في اتجاه تقوية تحركنا. وأنشأنا لجنة تنسيقية لموظفي الفوسفات بتوقيع 1600 موظف من أصل 4000 من أجراء الشركة. وقد نص الكتاب على تعيين ممثلين للتفاوض باسم الموقعين كافة. وقد حررنا بهذه الصفة رسالة الى الادارة تطالبها بتنفيذ ما اتفق عليه، تحت طائلة بدء اعتصام في29-5-2011. الا أن الادارة لم تعر طلبنا أي اهتمام بعدما أكد لها مدراء المواقع أن هذا الاعتصام سيمنى بالفشل. وفي  25أيار / مايو، واذ كنا طلبنا من عمال المناجم التوقف ساعة عن العمل، توقفوا عن العمل بشكل تام، مما يؤكد مدى التضامن بيننا وبين القاعدة. وتدفق عمال المناجم الى عمان واستمر الاضراب 9 أيام.
وفي 31-5-2011، عقد رئيس النقابة مؤتمرا صحافيا اتهم فيه حراكنا بأنه يلبي أجندة خارجية. وقد طالب وزير العمل بقمعنا فضلا عن التشهير بنا بشكل شخصي وعلنا. بعد ذلك، وبعد أيام من بدء الاعتصام، بدأ النواب مساعي وساطة فوقعوا معنا اتفاقا بالأحرف الأولى ثم عادوا ووقعوا الاتفاق نفسه مع الادارة.  فكان الانجاز الأول.
م.ق.: هل حظي الاضراب بتغطية اعلامية جيدة؟
الصمادي: في هذه الفترة، كان الاعلام صامتا تماما بشأن حراكنا، وكذلك المواقع الالكترونية المعروفة وقد عرفنا بعد ذلك أن ادارة الشركة كانت قد وقعت عقودا مع أكثر من 40 موقعا تنص على أنها تلتزم بعدم نشر أي خبر يتعلق بالفوسفات من دون الرجوع الى الشركة.
م.ق.: كيف وصلتم الى فكرة انشاء نقابات مستقلة ومن ثم اتحاد لهذه النقابات؟
الصمادي: ما أن فزنا بالإنجاز الأول (الحراك داخل شركة الفوسفات)، حتى بدأنا المعركة الثانية التي تهدف الى التخلص من رئيس نقابة المناجم والتعدين علما أن النقابة تضم ما يراوح 8000 عضو، نصفهم فقط يعملون في شركة الفوسفات. وفي حزيران / يونيو 2011، وقع 3500 عامل من عمال الفوسفات عريضة لسحب الثقة منه على خلفية مواقفه التهجمية ضد الاعتصام، وقدمناها للمكتب التنفيذي للاتحاد العمالي العام طالبين منه معاقبة هذا النقابي الذي أساء الى الحقوق العمالية. وبعدما تم تجميد عضويته من قبل المكتب بناء على الخلاصات التي توصلت اليها لجنة التحقيق التي عينها هذا المكتب، عاد رئيس الاتحاد وألغى قرار المكتب مباشرة بعد اجتماعه به. ولدى مراجعة نظام النقابة، فهمنا أن عزل رئيسها وفق النظام يتطلب تصويتا برفع الأيدي من قبل ثلثي أعضاء النقابة وهو أمر تعجيزي. كما فهمنا أن شروط الترشح تضيق كثيرا من احتمالات الخرق في الانتخابات كأن يفترض بالذي يترشح لمنصب نقيب أن يكون عضوا في مكتبها لفترات عدة... واذ ذاك، أدركنا أن استكمال الحراك يتطلب بالضرورة العمل على تطوير التنظيم النقابي وتنظيم الاتحاد على حد سواء. وفكرنا اذ ذاك بالانضمام الى الحراكات العمالية الأخرى لتكوين قوة ضاغطة تسعى الى تأسيس اتحاد للنقابات المستقلة.
ومن هذا المنطلق، بدأنا التنسيق مع الحملة الوطنية لاصلاح واقع الاتحاد (التي لم نكن قد شاركنا في أعمالها سابقا)، كما اتصلنا بعمال المياومة في وزراة الزراعة. وفي 7-8-2011، حصل اجتماع أول بين جميع أولئك الفرقاء، أسفر في 13-8-2011 عن انشاء لجنة تحضيرية لتأسيس اتحاد النقابات المستقلة، وكان من أولى مهام هذه اللجنة حث العمال على انشاء نقابات مماثلة، بمعنى أنها تكون مستقلة عن النقابات الـ17 التي يضمها الاتحاد العمالي العام الحالي.
ولهذه الغاية، عملنا على تشكيل نقابة في قطاع الفوسفات تستقل عن نقابة المناجم والتعدين. وفي 12-11-2011، أطلقنا نقابة الفوسفات في مجلس تأسيسي أعقبه مؤتمر صحافي. وقدمنا أوراقنا الى وزارة العمل المسؤولة عن تسجيل النقابات لكن جاء الرد سلبيا بعد حوالي شهر، ومفاده أنه لا يحق لنا تسجيل نقابة لوجود نقابة أخرى بنفس القطاع.
م.ق.: هل لجأتم الى القضاء لتجاوز هذا الرفض؟
الصمادي: حتى رد الطلب، كنا نقوم بأعمالنا كافة من دون محام. تبعا للرد، كلفنا المحامي نعيم المدني، وهو عضو مجلس نقابة المحامين، بالطعن بهذا القرار أمام محكمة العدل العليا المختصة بالنظر في الطعون على القرارات الادارية. الا أن المحكمة  –ونحن نسميها في الأردن محكمة الرد العليا-  ردت الطعن على أساس قراءة حرفية لقانون العمل ولعدم جواز انشاء نقابات مرادفة للنقابات المنشأة منذ 1976  عملا بالتصنيف المهني.
م.ق.: وهل استمررتم في نشاطكم رغم قرار المحكمة؟
الصمادي: نعم، فقد اعتبرنا أن النقابة قانونية وان لم يتم تسجيلها في وزارة العمل. لكن، امتنعنا عن جمع الاشتراكات، تفاديا لأي اتهام بأننا نحصل أموالا غير مستحقة.
وقد فهمنا أن نجاحنا يتطلب الآن رص الصفوف وزيادة عدد النقابات المستقلة. فبها نفرض وجودنا كواقع لا بد من الاعتراف به. وهكذا، نشأت في 15-2-2012 نقابة العاملين في شركة الكهرباء ومن ثم نقابة العاملين في البلديات. وهنا ألفت النظر الى أنه كان ثمة نقابة عامة للبلديات لكن اكتشفنا حين توفي رئيسها، أنه لم يكن لها هيئة ادارية. ثم نشأت نقابة للمطابع والصناعات الهوائية. وفي عيد العمال في 2012، احتفلنا في مسيرة لعمال الفوسفات الى البرلمان وأطلقنا اتحاد النقابات المستقلة (الذي كان مكونا آنذاك من 6 نقابات). وبالطبع، وتبعا لحكم محكمة العدل العليا، لم يعد مؤسسو هذه النقابات يسعون الى تسجيلها لدى وزارة العمل لمعرفة الجواب سلفا، الا في حالات كنا نستشف منها امكانية خرق ممكن كما في حال نقابة السائقين العموميين، وتحديدا المتضمنين (أي الذين يستأجرون سيارة النقل العام ليعملوا عليها لقاء مبلغ مقطوع). فحين أراد هؤلاء الانضمام الى نقابة النقل البري والميكانيك، منعتهم الوزارة من ذلك بدعوى أنهم ليسوا عمالا انما متضمنين. وبناء على هذا الرأي، شكلوا نقابة مستقلة للسائقين العموميين وسعوا الى تسجيلها لدى وزارة العمل بناء على وعود عدة. وبعدما طلبت وزارة العمل منهم تغيير الاسم لشطب كلمة مستقلة واضافة عبارة متضمنين، عادت وردت الطلب بحجة أن قانون العمل لا ينص عليهم. فأطلقنا طرفة أنهم من الجنس الثالث برأي وزارة العمل، فهي لا تعدهم لا أجراء ولا أصحاب عمل. ثم أضيف الينا نقابة موظفي الاحصاءات (وهي النقابة الأولى التي تنشأ من موظفين في القطاع العام) ونقابة أصحاب المهن الهندسية (أي المهن الموازية للهندسة مثل رسام هندسي ومساح وميكانيك كهرباء).
م.ق.: ما هي الضغوط التي تواجهكم حاليا؟
الصمادي: من أخطر هذه الضغوط، فصل رئيس نقابة المياومين عن العمل، وأيضا الضغوطات الكبرى التي تعرض لها موظفو الجمارك والتي أدت الى تراجعهم عن انشاء النقابة بعدما كان مئتان منهم أعلنوا سابقا انضمامهم اليها. وقد أخذت هذه الضغوط طابعا مؤسساتيا من خلال مصادقة مجلس الوزراء على نظام داخلي للجمارك شديد القساوة.
م.ق.  في موازاة مسعاكم الى تقوية صفوفكم وزيادة عدد النقابات المستقلة، هل لديكم أية خطط للعمل على تغيير القواعد القانونية؟
الصمادي: الآن لا أحد في السلطة يستسيغ الرجوع عن مبدأ التصنيف المهني، لكن قد يقبلون بإضافة بعض الفئات الجديدة كأن يصبح مجموع النقابات 21 بدل 17. ونحن قدمنا شكوى الى منظمة العمل الدولية انتهت الى توصية الحكومة بوجوب التراجع عن هذا النظام الذي يحد بشكل كبير من الحرية النقابية. ونحن نفكر حاليا بتقديم طلب تسجيل نقابة عمالية، على أن نطعن برفض الادارة أمام محكمة العدل العليا، طالبين منها عرض مسألة مدى دستورية قانون العمل الحالي على المحكمة الدستورية المنشأة بموجب الدستور الجديد على ضوء اعلانه الصريح للحرية النقابية.
بخصوص موظفي القطاع العام، فإننا ننظر أيضا في اتجاه هذه المحكمة التي يرتقب أن تنظر قريبا بهذه المسألة بعدما أحالها اليها مجلس الأعيان في اطار النظر في مشروع قانون انشاء نقابة لأئمة المساجد الذين هم موظفون عموميون.
* نزار صاغية: محام وباحث في القانون
* غيدة فرنجية: محامية متدرجة وباحثة في القانون
نُشر في العدد التاسع من مجلة المفكرة القانونية