بتاريخ 14/11/2017، صدر بيان موقع من سبعة أعضاء في المجلس الأعلى للقضاء في تونس وهم الأعضاء المحامون فيه. وقد صدر البيان مباشرة في إثر إعلان المجلس الأعلى للقضاء عن نتائج نظره في الاعتراضات التي تلقاها في شأن الحركة القضائية لسنة 2017-2018. وكان سبق للأعضاء الموقعين على البيان أن انسحبوا من جلسة المجلس العامة بتاريخ 03-11-2017 احتجاجا على "عدم اعتماد المعايير المشترطة قانونا عند النظر في مطالب الإعتراض". وقد نبه البيان "جميع المتعاملين مع مرفق العدالة" إلى أن "المصادقة على الحركة من طرف الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 13/11/2017 لم تحرز الأغلبية المشترطة قانونا" وأنه "لم يقع احترام المبادئ والمعايير المنصوص عليها بالدستور والمعاهدات الدولية والقانون المنظم للمجلس الأعلى للقضاء بما يمثل مساسا بحقوق المعترضين من القضاة". كما جاء فيه أنه لم يراعَ "النقص الحاصل داخل المحاكم وخاصة بالمناطق الداخلية في تمييز سلبي بما يتنافى مع ما كرسه دستور 2014 من تمييز إيجابي للمناطق المذكورة". وانتهى البيان إلى تحميل "المسؤولية كاملة لكل من سعى إلى تعطيل أعمال المجلس والانحراف بدوره ..". وأهاب "بالجميع لتحمل المسؤولية الكاملة للدفاع عن استقلال القضاء كسلطة معدلة ضامنة للمسار الديمقراطي". وفي اليوم الموالي، أعلن عميد المحامين في بيان له مساندته للمحتجين بأن اعتبر "إصدار نتائج حركة الاعتراضات في غياب المحامين.. خطوة خطيرة تعبر عن موقف بعض القضاة الذي ما زال يرفض وجودهم ضمن المجلس" مجددا تمسكه بضرورة تجاوز نقص القضاة بالمحاكم ملوحا بدخول المحامين في تحركات احتجاجية لفرض ذلك.

وردا على بيان المحامين المحتجين، أصدر بتاريخ 16-11-2017 أعضاء المجلس الأعلى للقضاء بيانا مضادا قالوا فيه أن البيان الصادر عمّن وصفوهم "بعض المحامين" تضمن  مغالطات للرأي العام ودعوة مبطنة لإثارة البلبلة في صفوف القضاة ومحاولة لفرض مواقف فئوية قطاعية على قرارات المجلس الأعلى للقضاء عموما ومجلس القضاء العدلي بصفة خاصة". ونفى في هذا البيان من أصدروه ادعاء المحامين فيما تعلق بعدم صحة اجراءات المصادقة على الحركة القضائية متمسكين بأن المقاطعة المعلنة "لا صلة لها بالقانون وبالمعايير الدولية وبطريقة تناول مطالب الاعتراض وإنما نتيجة محاولة مساندة بعض المحامين في تحركاتهم واحتجاجاتهم وفرض الأمر الواقع على بعض المحاكم والقضاة".

وحين حاولت المفكرة التقصي عن حقيقة الأمر من مقربين من الجهتين، أدلى هؤلاء بمعلومات مع اشتراط عدم ذكر أسمائهم، بما يظهر حرصا على عدم تطور الأزمة. وقد أكدت المصادر القضائية من مجلس القضاء العدلي (طلبت عدم ذكر اسمها) أن ادعاء عدم احترام حركة الاعتراضات القضائية للتمييز الإيجابي للجهات الداخلية قول مردود لأن التعيينات نقلت إلى تلك المناطق قضاة يرغبون في العمل بها بما سيحسن جزئيا من أداء مرفق القضاء بها في انتظار تعيين الملحقين القضائيين الجدد قريبا والذي متى تم سيعزز هذه المحاكم بأعداد هامة من القضاة يلائم حاجياتها. أما فيما تعلّق بدوافع البيان، فقد رأت هذه المصادر أنها قطاعية تمثلت أساسا في رد مجلس القضاء العدلي طلب بعض المحامين المعترضين بأن يتم بمناسبة حركة الاعتراضات نقلة قاض من مقر عمله على خلفية تسييره جلسة رغم الإضراب الذي دعت إليه هيئة المحامين في الجهة التي يعمل بها. وقد عللت الأغلبية في المجلس العدلي قرارها برد الطلب لتعارضه مع القانون ولكونه يوظف المجلس في ضرب قيم استقلالية القضاء. فكان أن تم التهديد بتعطيل المجلس بدعوى عدم تجاوب الأغلبية فيه مع مطالب المحامين ومحاولتها تهميش دورهم. بالمقابل، رفضت الجهات المقربة من المحامين افتراض دوافعهم على هذا النحو، وقد عزت المشكلة إلى نقص عدد القضاة والذي يمكن تجاوزه عن طريق انتداب محامين في القطاع القضائي.

وبعيدا عن الأسباب الحقيقية للأزمة، فهي تؤشر مرة أخرى إلى فشل أعضاء المجلس في تحقيق اندماجهم صلبه وتجاوز نزاعاتهم القطاعية وغير القطاعية، مما قد يؤدي بالنهاية إلى زعزعة الثقة العامة بمجلسهم وانهيار قيمته الاعتبارية.