عندما نسمعهم يقولون منطقة "أنفه" يتبادر إلى الأذهان فوراً مشهد الملاحات التي كانت فيما ما مضى منتشرة على شاطئها، والتي بدأت بالاندثار رويداً رويداً مع طفرة المنتجعات السياحية التي اجتاحت هذه المنطقة فضلاً عن مصانع الترابة والإسمنت التي دمرت طبيعتها وجعلتها في بعض الأماكن جرداء قاحلة.

وقضية "الملاحات" في "أنفه" ومحاولة القضاء على حرفة إنتاج الملح التي تدخل ضمن الموروث الثقافي والتاريخي لأهالي هذه المنطقة ليست وليدة الأمس. فالمحاولات الحثيثة لتدميرها بدأت منذ ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990) بدءاً من اجتياح المنتجعات السياحية والمصانع مروراً بإلغاء السلطات اللبنانية للضريبة على الملح المستورد من مصر ليصبح سعره أقل من سعر المنتج المحلي. وقد سبق للمفكرة القانونية أن استعرضت أزمة  ملاحات أنفه مفصلاً في مقال سابق.

لكن على الرغم من التطورات السلبية للمرحلة السابقة، يلوح في الأفق اليوم مشروع جديد قد يشكل شبكة الخلاص لملاحات "أنفه". المشروع يدعى "الحمى". ويلحظ أن اعتماد نظام "الحمى" لا يحتاج إلا إلى قرار صادر عن المجلس البلدي، فيصبح المشروع قيد التنفيذ، وذلك بخلاف المحميات الطبيعية التي تحتاج إلى قانون خاص.

على أن اعتماد فكرة "الحمى" ليست جديدة في لبنان فقد سبق لجمعية Society for the Protection of Nature in Lebanon – SPNL أن عملت عليها في لبنان حيث تقدمت في طرح ثلاثة مشاريع من أصل 18، هي بمثابة حمى طبيعية عملت الجمعية على إنشائها وتطويرها واستدامتها بالشراكة مع المجتمعات المحلية. وهذه الحمى هي: عنجر – كفرزبد في البقاع الأوسط، الفاكهة في البقاع الشمالي، وعين زبدة خربة قنافار في البقاع الغربي. ولكن المميز اليوم أن أنفه هي أول مدينة على الشاطئ اللبناني ستعتمد هذه الفكرة وذلك لحماية أراضي الزيتون والملاحات والشاطئ البحري لديها.

في الأصل إن "فكرة الحمى" قديمة جداً، وهي تعود إلى زمن القبائل العرب قبل الإسلام، حيث كان يجري تحييد مناطق معينة ووضعها بمنأى عن الغزوات. هذا ما قالته د. نادين هارون، مديرة قسم الآثار وعلم المساحة في جامعة البلمند، و"صاحبة تنفيذ الفكرة في منطقة أنفه"، في حديث للمفكرة القانونية: "إن هذه الفكرة موجودة في تراثنا وثقافتنا ولكن حديثاً تم استيراد فكرة "المحمية" من الخارج. وفي حين أن للمحمية ترجمة باللغة الإنكليزية وتعني reserves لا نجد "للحمى" ترجمة انكليزية لأنها عربية المنشأ".

وتقول هارون أنها بدأت في العام 2011 العمل على منطقة "أنفه". والبداية كانت من أجل الآثار التي تقول أنه "تم ضربها بفعل المنتجعات السياحية التي شيّدت خلال الحرب، لكن لا يزال هناك قسم كبير غاية في الروعة". وقد سعت هارون إلى تطوير وتسليط الضوء على هذه المنطقة حتى باتت مقصداً للعديد من الأشخاص من مختلف المناطق.

أضافت: "بدأت بالقيام بمحاضرات حول غنى "أنفه" وجمالها الأمر الذي دفع العديد من السياح الى أن يقصدونها. من بعدها بات كل صاحب شاليه يفتح مطعماً أو pub أمامه. وقد عمل رئيس  البلدية على تنظيم الأمور منعاً للمغالاة في فرض الأسعار. كما أنه بعدما دمّر الساحل من جراء المجارير، أنشأت البلدية شبكات لوصل هذه المجارير ومعالجتها، فلا ترمى المياه المبتذلة في البحر. وتبعا لنجاح هذه الخطوات، تعزز العمل المشترك بيننا. وحين عرض مشروع "الحمى" من قبل بلدية SPNL، رحب أعضاء مجلسها به، كما طلب إلينا أن نتواجد أثناء التصويت على الفكرة التي حظيت بإجماع المجلس البلدي بكافة أعضائه".

وبسؤالها عن السبب في اختيار نظام "الحمى" عوضاً عن اعتماد "المحميات الطبيعية" أجابت:" إن المحمية الطبيعية تحتاج الى قانون، وهذا الأمر صعب الحصول عليه في لبنان في منطقة ساحلية تقع على البحر، لاسيما أن هناك العديد من المشاريع المنوي القيام بها منذ سنوات عدة في "أنفه" ويهددوننا بها. أما "الحمى" فتصدر عن المجلس البلدي. أما الإيجابية في هذا الأمر أنه عندما يصوت إنسان على مشروع معين ينجح أكثر من حين تأتي الدولة وتجبره وتفرض عليه شروطا معينة". ورأت هارون أن "المحمية هي أمر عظيم في مناطق لا يوجد فيها إعمار. أما عندما يكون الدمار قد طال المدينة في آثارها وطبيعتها فإن اعتماد "الحمى" هو أمر جيد جداً".

لا يزال مشروع "الحمى" في منطقة أنفه حتى الآن غير معروف حتى بالنسبة لأهالي هذه المنطقة، على الرغم من التصويت عليه داخل المجلس البلدي. أما عن اسباب التريث في الإفصاح عنه فتقول هارون: "المشروع لم يصبح قابلاً للتنفيذ بعد. نحن الآن نقوم بإعداده بناءً على اجتماعات نقوم بها ويتم اتخاذ القرارات فيها، ورويداً رويداً ونضع الحدود والسقف الذي نريده.

وعلى سبيل المثال فإن المناطق التي تزرع بالزيتون، أمنّا لأصحابها الذين يتحولون إلى الزراعة العضوية organic production، أن يتم شراء انتاجهم بسعر جيد على مدى خمس سنوات، وهذـ أحد الأمور التي أنتجتها "الحمى". وهذه وسيلة إقناع للناس.كذلك نحن نحاول إعادة إحياء الملاحات، والتي من المعروف أن الدولة منذ القدم قامت بضربها حين أدخلت الى البلد الملح المصري وبثلث سعر الملح الوطني".

وبسؤالها إن كان نظام "الحمى" يؤمن  الحماية الفعلية  للملاحات ويسمح لها باستعادة دورها، أجابت: "في الأصل بات هناك قناعة لدى  بلدية "أنفه" والأعضاء الذين أعمل معهم على موضوع الملح، بضرورة إعادة إنتاج الملح بطريقة حرفية، وأن هذه الملاحات تجمل المنطقة وتزيد من قيمتها المضافة الطبيعية والثقافية، علماً أنه منذ عدة سنوات هذا الموضوع لم يكن وارداً أبداً. والآن نحن نسعى للإقدام على مشروع أوروبي يؤمن لنا التمويل اللازم لننطلق حتى نتمكن من إعادة إحياء عدد من الملاحات".

وبسؤالها عن التاريخ المتوقع لنشر قرار تطبيق نظام "الحمى" أجابت: "لم يتم نشر القرار بعد لأنه لا يزال جديداً، ونحتاج إلى ترسيخ وتمتين خطواتنا لتصل إلى قرارات جيدة. فصحيح أن المجلس البلدي يمثل أبناء البلدة ولكن هناك ضرورة لتوضيح الفكرة للناس حتى نصل الى أكبر عدد من المؤيدين لها. وقبل الإعلان عنه، يجدر بنا إنجاز الاجتماعات الضرورية واللازمة مع المعنيين، سواء منتجي الملح أو الزيتون أو الصيادين الذين سيتم التواصل معهم واخضاعهم لدورات تدريبية قبل الإعلان عن "الحمى".

تابعت:"خلال أسبوعين سنجتمع مع مزارعي الزيتون وبمجرد أن تتم هذه الخطوة، فإن معظم أهالي المنطقة سيصبحون على معرفة بهذا المشروع وبالتوازي سنعمل على منتجي الملح والصيادين".

وفي موضوع الصيادين، لفتت إلى أن"رئيس بلدية "أنفه" نجح في إزالة المصلاة أو "المصالة" وهي كناية عن شبكة توضع في البحر وهي مؤذية للأسماك، من منطقتي أنفه والقلمون. ولكن بإتصال واحد من السياسيين أعيدت إلى البحر". وأردفت قائلة:"من هنا، عندما نترك أبناء المنطقة يتخذون القرار ويمنعون أنفسهم من الصيد بطريقة عشوائية سيرون كيف ستعود الثروة الطبيعية لهم ويعود السمك والتوتيا الذي انقرض حالياً في"أنفه" من جراء التعامل السيء مع الطبيعة، وهذه إحدى إيجابيات "الحمى".

وختمت قائلة:"إن التوجه  نحو الإعلام قبل أن يتم تجهيز كل شيء سيؤدي إلى قتل المشروع قبل ولادته بينما إذا أخذنا وقتنا وتروينا بالموضوع سننجح. ونحن لا يهمنا العجلة والقيام بحفل افتتاح إنما نفكر في العمل على المدى الطويل وتحقيق التنمية المستدامة sustainable development  وليس التطوير العشوائي".