قدم النائب عمر حمروش، أمين سر لجنة الشؤون الدينية والأوقاف مع 59 نائبا آخر، مشروع قانون بشأن تجريم إهانة الرموز والشخصيات التاريخية. وفي 18/11/2017، قرر رئيس مجلس النواب إحالة المشروع إلى لجنة مشتركة من لجنتي الشؤون الدستورية والتشريعية والإعلام والثقافة والآثار، تمهيداً لعرضه على الجلسة العامة في حال موافقة اللجنة عليه. يهدف المقترح وفق تسميته إلى حظر التعرض بالإهانة لأي من الرموز والشخصيات التاريخية، وهي الرموز والشخصيات الواردة في الكتب والتي تكون جزءاً من تاريخ الدولة وتشكل الوثائق الرسمية للدولة، وذلك وفقا للائحة التنفيذية. وقد حددت العقوبة في حال المخالفة بالحبس لمدة تصل إلى 5 سنوات حبس وفي حال التكرار إلى 7 سنوات حبس. وفي محاولة لتحسين صورة القانون، أعفت المادة الرابعة من العقوبة، كل من تعرض للرموز التاريخية بغرض تقييم التصرفات والقرارات وذلك في الدراسات والأبحاث العلمية.

محاولات مستمرة لتجريم الكلام

أثيرت للمرة الأولى فكرة تجريم إهانة الرموز التاريخية بالبرلمان في مايو الماضي كرد فعل على التصريحات التي أطلقها الروائي يوسف زيدان حول صلاح الدين الأيوبي حيث وصفه في لقاء في إحدى الفضائيات بأنه "واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني". فتقدم النائب كمال عامر، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي، بمجلس النواب، بمقترح لتعديل قانون العقوبات، لتجريم ما أسماه إهانة رموز الدولة المصرية وألحقها بمواد قانون العقوبات المجرمة لإهانة رئيس الجمهورية. لكنها لم تمرر في حينها، ثم نفاجأ الآن بطرحها في صورة تشريع مستقل.

وفي تطور جديد لاستخدام جريمة الإهانة، ألقى النائب أحمد الطحاوي عضو لجنة الصحة في مجلس النواب، بيانا عاجلا طالب فيه بسرعة إصدار مشروع قانون يُجرّم إهانة الرموز الدينية، ومنهم الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي، الذي تعرض للإهانة من قبل بعض الأشخاص. وقال النائب: «لقد فاض الكيل. هل يُعقل أن يتعرض إمام المفسرين ومجدد الدعوة الإسلامية إمامنا ومولانا الشعراوي للإهانة ونحن صامتون؟ لا نقبل أن يُهان رمز من الرموز الدينية، أطالب المجلس باستنكار هذا الفعل، وسرعة إصدار قانون يُجرّم الإساءة للرموز الدينية، كما أطالب بتحريك الدعوى القضائية ضد من أهان الشعراوي».

جريمة من دون تعريف

لم يضع مشروع القانون تعريفا محددا للرموز أو الشخصيات التاريخية، واكتفى فقط بذكر ثلاثة مصادر من شأنها التعريف على الشخصيات والرموز التاريخية. وهي: 1) أن تكون هذه الشخصيات والرموز واردة في الكتب، 2) أن تكون جزءاً من تاريخ الدولة، 3) أن تشكل الوثائق الرسمية للدولة. وهي أمور ثلاثة لا يمكن التعامل معها باعتبارها محددات أو معايير، فكلا منها يحتاج لتعريف مستقل لتوضيحه، فما هي الكتب التي يمكن الرجوع لها؟ مناهج الدارسة للمرحلة الإلزامية أم الجامعية أم رسائل الدراسات العليا؟ وما المقصود بالتاريخ هل المذكور في المناهج الدراسة أم الرسائل العلمية أم غيرها؟ وختم مشروع القانون بالمعيار الأكثر غرابة وهو أن تكون هذه الشخصيات والرموز تشكل الوثائق الرسمية للدولة، دون توضيح ما هي هذه الوثائق، سيما في ظل عدم وجود نظام وطني لتحديد الوثائق التاريخية وإتاحتها. وبذلك يكون هناك تجريم لإهانة أشخاص ورموز غير معلومة للعامة من المواطنين، وغير المطلعين على هذه الوثائق.

وبذلك يترك مشروع القانون الباب مفتوحا على عوانه لعديد من الأسئلة عن طبيعة هذه الشخصيات والرموز. فهل يقصد الأشخاص الاعتبارية كمجلس قيادة ثورة يوليو أو لجان وضع الدستور على سبيل المثال؟ أم الأشخاص الطبيعيين كالرؤساء السابقين والملوك ورؤساء الحكومات؟ أم قادة النضال الوطني تاريخيا كسعد زغلول ومحمد فريد ومصطفى كامل وغيرهم؟ وما المقصود بالرموز؟ هل هم رموز الفكر الوطني من المفكرين والأدباء؟ أم الرموز بمعناها المادي المجرد كالنسر أو العلم؟ أو شعارات بعض هيئات الدولة ومرافقها كالقضاء والبرلمان أم غيرها؟  

بالطبع كل هذه النماذج وغيرها موجودة بالكتب، وبالوثائق، لنصبح في النهاية أمام جريمة دون تحديد المجني عليه -الشخص المقصود بالإهانة، أو طريقة الإهانة –وسائل ارتكاب الجريمة-، ما يفتح الباب أمام السلطة لتجريم أي قول أو عمل، لا يلقى قبولا لديها. الأمر الذي يضع قيودا إضافية على حرية الرأي والتعبير.

مخالفة قواعد التشريع العقابي 

على هذا النحو، يخالف مشروع القانون الفلسفة التشريعية بشكل عام، ويعتدي على قواعد التشريع العقابي بشكل خاص، لمخالفته ما درج عليه المشرع من التقييد والتحديد في حال تجريم فعل أو عمل. فبمطالعة نصوص قانون العقوبات، نجد أنها تواترت على تحديد الشخص المقصود بجريمة الإهانة، بطريقة واضحة لا تقبل التفسير أو التأويل، وكذلك ذكر طرق تحقق الفعل المجرم. نذكر على سبيل المثال، نص المادة 133 عقوبات التي جرمت إهانة الموظفين العموميين أو أحد رجال الضبط أو أي إنسان مكلف بخدمة عمومية أثناء تأدية وظيفته أو بسبب تأديتها، وجرمت المادة 184 إهانة مجلس الشعب أو غيره من الهيئات النظامية أو الجيش أو المحاكم أو السلطات أو المصالح العامة، وجرمت المادة 179 إهانة رئيس الجمهورية، ونصت المواد الثلاث على أن تكون طريق وقوع جريمة الإهانة هي (الإشارة أو القول أو التهديد).

على الرغم من تحفظاتنا الدائمة حول النصوص الثلاثة السابق ذكرها، والتي تفرض رقابة مستمرة على حرية الرأي والتعبير، إلا أن كلا منها جرم إهانة بعض الأشخاص على سبيل الحصر، وبعض الهيئات والمصالح الحكومية، ودافع التجريم هنا كما تسوق له السلطة، هو حماية هذه الشخصيات أو الهيئات والمصالح أثناء ممارسة عملها. بينما المشروع الأخير يحاول أن يفرض واقعا جديدا أكثر خنقا للمجال العام، فيجرم إهانة أشخاص ورموز، لكونها ذكرت في التاريخ وليس لحماية انتظام سير مرافق الدولة، كما يزعم في حملات دفاعه عن نصوص المواد الثلاث الأخرى.

الحبس في قضايا الإهانة: خطوة للأمام خطوتان للخلف

على مدى عقود من النضال لإلغاء العقوبات السالبة للحرية لجريمة إهانة رئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة على وجه الخصوص، وجرائم النشر والرأي بشكل عام. ألغى الرئيس الأسبق محمد مرسي، في أغسطس 2012 الحبس الاحتياطي للصحفيين الذين يواجهون تهمة إهانة رئيس الجمهورية، بموجب تعديل على قانون الصحافة بينما، تم الإبقاء على الجريمة ذاتها والعقوبات المترتبة عليها طبقا لقانون العقوبات. وفي أغسطس 2013 أدخل الرئيس المؤقت عدلي منصور تعديلا على المادة 179 من قانون العقوبات ألغى بموجبها عقوبة الحبس في جريمة إهانة رئيس الجمهورية، واستبدلها بغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تزيد على 30 ألف جنيه. واعتُبر وقتها القرار خطوة على طريق إلغاء الحبس في جرائم النشر بشكل عام، وجريمة إهانة رئيس الجمهورية والمؤسسات بشكل خاص، ثم كلل ذلك بالحماية الدستورية التي قررها الدستور المصري المعدل في يناير 2014 وما به من ضمانات لا سيما منع الحبس في قضايا النشر، والجرائم المتعلقة بعلانية المنتج الفني والأدبي والفكري بشكل مطلق. ويأتي الآن مشروع القانون المقترح، لينقض على كل الانتصارات التي تم تحقيقها، ولا يكتفي بالإبقاء على العقوبة السالبة للحرية في جرائم الإهانة وحسب، لكن يغلظها بشكل غير مسبوق لتصل في حال التكرار إلى الحبس سبع سنوات.

بدلا من سعي البرلمان نحو تحقيقها وإلغاء الحبس في قضايا النشر، وإصدار تشريعات جديدة تسمح بحرية تداول المعلومات، وتكفل حرية الرأي والفكر، نجد القانون المقترح يعيدنا خطوات للخلف فمن جهة يُبقي على عقوبة الحبس في جرائم الإهانة ويفتح الباب لعودة الحبس لجريمة إهانة رئيس الجمهورية، ومن جهة أخرى يضع قيودا عديدة على حرية الفكر والتعبير، ويزيد العقوبات المالية على الجرائم المتعلقة بالنشر، ويستحدث جريمة فضفاضة ليست لها معايير. وهو ما يعد مخالفة صريحة لنص المادة 71 من الدستور والتي قررت إلغاء توقيع العقوبة السالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، ونص المادة 67 والتي ألغت العقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري.