استدعت نقابة المحامين في بيروت في 9 ايلول الماضي شفاهيا وبناء على شكوى من نقيبة المحامين امل حداد كلا من المحاميين كارلوس داوود ونزار صاغية على خلفية نشر مقال في العدد الاول من المفكرة القانونية بعنوان "اقتراح بتنظيم علاقة المحامي مع وسائل الاعلام: اين المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية؟"، الاول بصفته كاتبا له، والثاني بصفته مديرا مسؤولا للمطبوعة.
وقد هدف المقال الى انتقاد التعميم الصادر عن نقيبة المحامين بتاريخ 3-3-2010 والاقتراح الصادر عن لجنة الآداب في النقابة بتنظيم العلاقة بين المحامي ووسائل الاعلام. ومن ابرز ما تناوله النقد هو التعديل المقترح للمادة 39 من النظام الداخلي، ومفاده ان المحامي "يمتنع عن استخدام اي وسيلة من وسائل الاعلام والاتصالات المرئية والمسموعة والمقروءة، كمنبر للكلام او البحث او المناقشة في الدعاوى العالقة امام القضاء، الموكلة اليه او لسواه من المحامين، ملتزما المرافعة والمدافعة فيها امام المراجع القضائية ذات الاختصاص فقط". كما فرض التعميم على المحامين استئذان النقيب مسبقا للمشاركة في أي ظهور اعلامي، فيما فرض اقتراح لجنة الآداب على المحامين اخطار النقيب كسبقا برغبتهم تلك.
وتبعا لهذه الملاحقة، ترى "المفكرة" ان من واجبها توضيح الابعاد الاجتماعية لهذه الملاحقة ووضعها في سياقها العام. فالمسألة تتجاوز – برأيها – انتهاك حرية الرأي والتعبير المنصوص عليها في الدساتير والاتفاقيات الدولية، لتطال مضامين اخرى ذات ابعاد تنظيمية واجتماعية ومؤسساتية يجدر التوقف عندها.  وابرزها الاعتبارات الآتية:
-       ان نقابة المحامين مؤسسة منظمة قانونا وهي مؤتمنة على خدمة عامة مفادها ضمان الشروط الفضلى لممارسة مهنة المحاماة وذلك بهدف ضمان حق الدفاع للمتقاضين امام المحاكم. وتاليا، من الطبيعي ان لاي كان حق في متابعة اعمالها ونقدها في المساحة العامة، طالما انها تتولى خدمات عامة. وتاليا، فان اي ملاحقة من قبل النقابة على خلفية ان اعضاءها عمدوا الى انتقاد اعمالها "خارج البيت"، هي ملاحقة تتنكر بحد ذاتها لدور هذه النقابة المحدد قانونا، 
-       ان التعميم كما الاقتراح موضوعي النقد يفيدان، من خلال السلطة الخارقة الممنوحة لنقيب المحامين بضبط حرية التعبير لاعضاء النقابة كافة، تكريسا للهرمية داخلها: فعلى كل محام استئذان النقيب تارة او اخطاره طورا وفق الحالات بكل ما يقوم به من انشطة اعلامية. ومن هذه الزاوية، يبدو النصان موضوع الانتقاد وكأنهما يتماشيان مع توجه نحو تعزيز علاقة الهرمية بين المحامين ونقيبهم. ومن الطبيعي ان يشكل تنظيم مماثل تحويرا لمفهوم النقابة، فتصلح لتأطير اعضائها كما هي الحال في الدول السلطوية بدلا من تمكينهم وتعزيز التضامن فيما بينهم في مواجهة الحاكم اذا لزم الامر. والواقع ان من شأن تعميم هذا التوجه ان يجعل حرية الرأي حكرا على حفنة من القيادات! 
-       ان حق المحامي في اللجوء الى الاعلام للدفاع عن القضايا التي يخوضها امام المحاكم انما يشكل  جزءا لا يتجزأ من مهمته في الدفاع عن موكليه. فكيف للمحامي ان يجابه توجها عاما، ان يدافع مثلا عن اكثر الفئات تهميشا في مواجهة اكثر الفئات جبروتا، في حال منعه عن الاعلام؟ والا تبقى في ظل ذلك القضايا المهيمنة على الخطاب العام هي قضايا الكبار والمتنفذين فيما يزداد التعتيم على قضايا الفئات الاكثر تهميشا والتي تبقى عاجزة عن التحول الى قضايا عامة؟ والا يؤدي ذلك الى الحد من التقاضي الاستراتيجي، اي التقاضي الآيل الى استخدام القضاء كحلبة، كمسرح لعرض القضايا ولمناقشتها، وتاليا لصناعة الرأي العام وتوجيهه؟ وما يزيد الامر سوءا هو "موجب التحفظ" الذي غالبا ما يسخر هو الآخر للحد من حرية القضاة في التعبير عن آرائهم، وبالنتيجة لاقصائهم عن الشأن العام.
ختاما، امن حاجة للتذكير ان الغاية من انشاء "المفكرة" هي اصلا نزع الفواصل بين القانون والمساحة القضائية من جهة والفئات الاجتماعية على اختلافها من جهة اخرى (غمرون وصاغية: المفكرة كما ترى نفسها: لا تتركوا القانون للقانونيين، منشور في عددها صفر وعلى موقعها الالكتروني)؟ واليس من الطبيعي في ظل هدف كهذا، ان تجد "المفكرة" نفسها وجها لوجه مع اي قرار او تعميم يهدف –هو- على العكس تماما، الى وضع مزيد من هذه الفواصل؟