منذ مدّة تتجاوز الأربعة أعوام ظهرت إلى العلن قضيّة اتّهام أحد رجال الدين برتبة أرشمندريت في أبرشيّة جبل لبنان في الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة، بالتحرّش الجنسيّ. وبعد التحقيقات والقرارات التي صدرت عن المجلس التأديبي الابتدائي في الأبرشيّة والتي تناولتها وسائل الإعلام في وقتها، تابع المجلس التأديبي الاستئنافي القضيّة ليقوم بإصدار قرار بقي سرياً، وعُرفت فقط مفاعيله التي ظهرت إلى العلن بإبعاد الأرشمندريت إلى خارج البلاد. إلى أن عمد في الثاني من شهر تشرين الأوّل من العام ٢٠١٧، أحدهم، وتحت اسم يبدو مستعاراً، إلى نشر وثيقة تتألّف من اثنتي عشرة صفحة على وسيلة التواصل الاجتماعيّ المدعوة "فايسبوك" يرجّح أن تكون نصّ القرار الذي أصدره المجلس التأديبي الاستئنافي بعدما أوكل إليه المجمع الأنطاكيّ المقدّس لكنيسة الروم الأرثوذكس متابعة قضيّة التهم الموّجهة إلى الأرشمندريت المعني بالتحرّش الجنسيّ.

إنّنا، في ما يلي، سننطلق من الفرضيّة القائلة بأنّ النصّ المنشور هو إيّاه نصّ القرار الذي أصدره المجلس التأديبي الاستئنافي، علماً بأنّ البرهان اليقينيّ والنهائيّ لا يمكن الإتيان به إلاّ عبر مقارنة النصّ المنشور مع الأصل المكتوب والموقّع. ونودّ، في هذا الصدد، الإشارة إلى النقاط الآتية وقوفا مستمرّا منّا إلى جانب الضحايا وإيضاحاً لبعض الأفكار التي من الضروريّ أن نتداولها ونحلّلها في كنيستنا في القرن الواحد والعشرين:

أوّلاً: إنّ نشر نصّ القرار في وسائل التواصل الاجتماعيّ أمر غير قانونيّ ويجب أن يخضع للملاحقة القانونيّة، وذلك بشهادة النصّ ذاته (ص ١٢). وتالياً فإنّ من قام به، بصرف النظر عن هويّته، قام به على الأرجح بدافع التشهير، وذلك من دون استبعاد نوايا أخرى مبيّتة. وهو، في أيّ حال، يسيء إلى الأرشمندريت نفسه وإلى الشهود جاعلاً من تفاصيل أمورهم الجنسيّة الأليمة مادّةً للتداول العلنيّ، ما يتعارض مع الطرق المعتمدة في التعامل مع قضايا التحرّش الجنسيّ.

ثانياٌ: إنّ قراءةً دقيقةً للنصّ تبيّن أنّ المجلس التأديبي الاستئنافي استند، في قراره، إلى عدد من الأقوال والاعترافات التي أدلى بها الأرشمندريت شخصيّاً، وذلك بصرف النظر عن صدقيّة الشهادات التي اتّهمته بالتحرّش. إنّ القرار الذي اتّخذه المجلس التأديبي الاستئنافي لا يؤكّد خطورة الممارسات التي اعترف بها الأب فحسب، بل يشير أيضاً إلى المسألة الأخرى المرتبطة بها، ألا وهي مسألة الإرشاد الروحيّ وكيفيّة ممارسة الأبوّة الروحيّة في الكنيسة وما قد يكتنفها، هنا وهناك، من انحراف واستغلال للسلطة.

ثالثاً: لجأ النصّ في جزئه الأوّل، حيث يعمد إلى تقييم أقوال الشهود، إلى منهجيّة تفسيريّة ضعيفة، إذ يعتبر أنّ الاختلاف في هذه الأقوال يمكن الاستنتاج منه أنّه غير موثوق بها. والحقّ أنّ النصّ، في هذا، ينتزع هذه الأقوال من سياقها التاريخيّ الشفهيّ أو المكتوب ولا يأخذ في الاعتبار أنّ الاختلاف في الشهادات ليس بالضرورة تناقضاً أو دليلاً على عدم صدقيّتها، بل هو مسألة طبيعيّة في ظلّ اختلاف السياق ومرور الزمن وطريقة عمل الذاكرة البشريّة. فضلاً عن ذلك، فإنّ هذه الذاكرة تتعرّض للرضّ عند حصول اعتداء، كما تشير الأبحاث في علوم النفس والعلوم العصبيّة والدماغيّة، ما يمنع المعتدى عليه من تذكّر التفاصيل المحيطة بالاعتداء[1, 2]. يُضاف إلى ذلك أنّ المجلس التأديبي الابتدائي كان حريصاً على ألاّ تسلّم للشهود أيّ نسخة مكتوبة عن أقوالهم. إنّ «المنطق» الذي يستعمله نصّ القرار يمكن الاستنتاج منه، بطريقة مماثلة، أنّ الأناجيل الأربعة باطلة لأنّها تقدّم شهادات مختلفة عن يسوع الناصريّ. ومن النافل القول إنّ هذا غير مقبول مسيحيّاً وعلميّاً. يضاف إلى ذلك أنّ هذا النصّ ينسب إلى الشهود أقوالاً هم يصرّون على أنّهم لم يقولوها، أو قالوا عكسها، ما يرجّح فرضيّة سوء الفهم في أحسن الأحوال.          

رابعاً: إنّ الاستنتاج الذي يقوم به النصّ أنّ ممارسة مراهق العادة السرّيّة واختباره النشوة يستتبعان أنّه على معرفة بطبيعة الاعتداء الجنسيّ، في حال تعرّضه له، هو استنتاج لا يستقيم. فاختبار النشوة في المراهقة من طريق العادة السرّيّة لا يعني البتّة الإلمام بخبرة الاعتداء الجنسيّ. والثابت أنّ مداعبة العضو الجنسيّ، وهو أمر يحدث منذ الطفولة، والشعور بالنشوة، كلاهما مسألة غريزيّة فيما رصد ماهيّة التحرّش والاعتداء الجنسيّين أمر يتطلّب تربيةً جنسيّةً هي غالباً غير متوافرة في منطقتنا. على هذا الصعيد، نرجو أن تضطلع كنيستنا بدور فاعل في التأسيس لتربية جنسيّة مسيحيّة مسؤولة في كنفها تتضمّن إرشاداً في موضوع الاعتداءات الجنسيّة، وذلك نشراً للوعي ودرءاً لخطر الاعتداءات الجنسيّة التي قد تحدث في إطار كنسيّ.

خامساً: إنّ استمرار المعتدى عليه في مقابلة المعتدي وتكرّر الاعتداءات أمور معروفة وموثّقة في حالات الاعتداءات الجنسيّة، وخصوصاً تلك الحاصلة على يد رجال دين. إنّ القوانين التي تسوس موضوع الاعتداء الجنسيّ على قاصرين ويافعين وبالغين في العالم لا تلقي، في أيّ حال من الأحوال، مسؤوليّة الاعتداء على الضحيّة وسلوكها. فأن تكون الضحيّة قد تجنّبت أم لم تتجنّب المعتدي، هذا لا يقلّل إطلاقاً من فداحة الجرم ولا يجعل الضحيّة مسؤولةً عن الاعتداء الذي تعرّضت له [3, 4]، ولا سيّما إذا كان المعتدي يتمتّع بسلطة على المعتدى عليه، كما هو حال الأب الروحيّ [5]. في القوانين الحديثة، المسؤوليّة تقع دائماً على المعتدي. ويكفي، هنا، أن نشير إلى إقالة قاض كنديٍّ مؤخّراً، لأنّه ارتكب خطأً مهنيّاً فادحاً حين قال لامرأة وقعت ضحيّة اعتداء جنسي ّ إنّها «لم تعرف أن تغلق ركبتيها جيّداً»[6]، والمرأة لم تكن قاصرا فكم بالحريّ الشخص القاصر؟ إنّ الطلب من الضحيّة أن تحسن التصرّف وتدافع عن نفسها، وخصوصاً حيال إنسان تثق به ثقةً غير محدودة، لهو طلب غير مستند إلى الواقع الإنسانيّ ومكتسبات العلوم والقوانين الحديثة، ويجافي الحسّ السليم في عصرنا.

سادساً: إنّ النصّ الذي نحن في صدده يقيم علاقة توازٍ مفترضة بين الأب الروحيّ والأبناء الروحيّين مطالباً الأخيرين بأن يتصرّفوا «منطقيّاً» إذا انحرف الأب الروحيّ وحاول استغلالهم. إنّ هذا الموقف يتجاهل الآليات السيكولوجيّة التي تتخلّل العلاقة بين مرشد روحيّ منحرف وأبنائه الروحيّين، ولا سيّما أنّ القاعدة التي تجعل من المرشد الروحيّ قادراً على استغلال المرشَدين هي السلطة الروحيّة ذاتها التي يتمتّع بها في نظرهم، وميلهم إلى اعتباره صوت الله، وصولاً إلى «تأليهه» أحياناً. ومن ثمّ، فإنّ ميل النصّ إلى التعامل مع ضحايا التحرّش وكأنّهم على قدم المساواة مع المتحرِّش لا يلتفت إلى الدراسات السيكولوجيّة المعمّقة في هذا الموضوع والتي تثبت انعدام التوازن العلائقيّ والنفسيّ بين المعتدي والمعتدى عليه. يضاف إلى ذلك أنّه من المثبت علميّاً واختباريّاً أنّ بعض ضحايا التحرّش الجنسيّ يميلون إلى كبت خبرات التحرّش بهم ونسيانها، وذلك كآليّة دفاع، ولا يستعيدونها إلاّ بعد صدمة أو تغيّر جذريّ في ظروف حياتهم. إنّ النصّ، بتجاهله هذا الجانب السيكولوجيّ وتركيزه على المركّبة «المنطقيّة»، يوحي بثغرة في المعرفة وقلّة في الاحترافيّة في التعامل مع هذه الظاهرة.

سابعاً: يجنح النصّ إلى تبنّي نظريّة المؤامرة ضد الأرشمندريت ناسباً إيّاها إلى جهات أو جماعات لا يحدّدها. وهو يقوم بهذا من دون تدقيق أو تقديم قرائن أو أدلّة. والمؤسف أنّه يعتمد نظرية المؤامرة غير المستندة إلى أيّ دليل ليقرّر إهمال وجود ضحايا آخرين. ومن الغريب أنّه هنا لا يلجأ إلى منهجيّة المقارنة التي يعتمدها في التعامل مع أقوال الشهود، بل يعتبر أنّ المؤامرة ضد الأرشمندريت مُسلّمة لا تحتاج إلى برهان، وهي تهدف إلى تشويه صورته ومنعه من الوصول إلى منصب كنسيّ. إنّ هذا النمط في التعاطي مع حيثيّات القضيّة لا ينسجم، في رأينا، مع الدقّة التي يتمنّى كلّ مخلص توافرها في الهيئات الكنسيّة التي تعالج مثل هذه القضايا.

ثامناً: إنّ المجلس التأديبيّ الاستئنافيّ اعتبر في الحكم المسرَّب أنّه ليس ثمّة دليل كاف على حصول اعتداء جنسيّ بالرغم من اعتراف المتّهم بأنّه قام في فراشه بتدليك جسد مراهق عارٍ بالزيت! هذا ينمّ عن عدم معرفة المجلس (أوعدم سعيه إلى معرفة) ماهيّة التحرّش الجنسيّ. تحدّد منظّمة الصحّة العالميّة أنّ إساءة معاملة الطفل هي «كافة أشكال المعاملة الرديئة القاسية الجسديّة أو العاطفيّة أو كلاهما، والاعتداء الجنسيّ... الذي يؤدي إلى ضرر حقيقي أو محتمل على صحّة الطفل، بقائه، ونموّه، أو كرامته في سياق علاقة من المسؤوليّة، الائتمان أو السلطة [على الضحيّة]»[7, 8]. كما تحدّد منظّمة الصحّة العالميّة التحرّش الجنسي على أنّه «انخراط الطفل في فعل جنسيّ بحيث أنّه – أو أنّها – لا يدرك ماهيّته تماماً، أو غير قادر على إعطاء موافقة مستنيرة [فاهمة] عليه، أو يكون الطفل في مرحلة نموّ تجعله غير مهيّأ له، أو أنّه يخرق القوانين والمحرّمات الاجتماعيّة السائدة في المجتمع.» [9]. وإنّ فعل المضايقة الجنسيّة للبالغين (sexual harassment) يتضمّن كلّ ملامسة أو إيحاء كلاميّ غير مطلوبين من البالغ، فكيف بتدليك قاصر في سرير الأرشمندريت الخاصّ! لو أنّ المجلس التأديبيّ الاستئنافيّ جهد لمعرفة علميّة، وطبّق التعريف المعروف للتحرّش الجنسيّ على الواقعة التي اعترف بها المتّهم، لكان ذلك كافياً للخروج بالاستنتاجات الكافية للوصول إلى حكم قاطع. هذا إذا اقتصر تحليلنا على هذه الواقعة بالذات ولم نتطرّق إلى الوقائع الأخرى.

 إنّ ملاحظاتنا في هذه القضيّة ومسارها ونتائجها تجعلنا نستنتج أنّ هناك ورشةً فكريّةً وتربويّةً وإعلاميّةً ودينيّةً ضروريّة لبثّ المعرفة وإرساء وسائل دعم للضحايا، للخروج من حالة دفن الرأس في الرمل وإنكار الواقع، التي تسيء إلى الكرامة البشريّة، وللتحرّر من ديكتاتوريّة الصمت التي تطحن الضحايا - وهم كثر ويعبرون الطوائف جميعاً.

 

نشر هذا المقال في العدد 52 من مجلة المفكرة القانونية في لبنان

مراجع مفيدة

[1]     A. F. T. Arnsten, "The Biology of Being Frazzled," Science, vol. 280, no. 5370, pp. 1711-1712, 1998.

[2]     J. Hopper and D. Lisak. (2014, Dec 09, 2014) Why Rape and Trauma Survivors Have Fragmented and Incomplete Memories. TIME Magazine. Available: http://time.com/3625414/rape-trauma-brain-memory/

[3]     The National Child Traumatic Stress Network, "It’s Never Your Fault: the truth about sexual abuse," vol. 2017, no. October 3, Accessed on: December 2010Available: http://www.nctsn.org/sites/default/files/assets/pdfs/the_truth_about_sexual_abuse.pdf

[4]     US Penal Code. (2013). 42 U.S. Code § 5106g - Definitions. Available: https://www.law.cornell.edu/uscode/text/42/5106g

[5]     Government of Canada. (2017, Oct. 3). Criminal Code (R.S.C., 1985, c. C-46). Available: http://laws-lois.justice.gc.ca/eng/acts/c-46/section-265.html

[6]     A. Kassam, "Canada judge resigns over 'keep your knees together' comment in rape trial," in The Guardian, ed, 2017.

[7]     E. G. Krug, L. L. Dahlberg, J. A. Mercy, A. B. Zwi, and R. Lozano, "World report on violence and health." Geneva, Switzerland: World Health Organization, 2002, p.^pp. Pages.

[8]     World Health Organization, "Report of the Consultation on Child Abuse Prevention," World Health Organization, Geneva1999, Available: http://apps.who.int/iris/handle/10665/65900.

[9]     World Health Organization, Preventing child maltreatment: a guide to taking action and generating evidence. Geneva: World Health Organization, 2006.